جواد النابهي
في الأيام القليلة الماضية تابعت نقاش دار في إحدى المجموعات القانونية على منصة الـ (WhatsApp)، وكان محور النقاش حول مسألة إلزام الزوجة بالانتقال إلى منزل الزوجية جبرًا تنفيذًا لحكم قضائي صادر في حقها.
وقبل الدخول إلى الموضوع يتوجب الإشارة إلى القضية محل النقاش، التي تحكي قيام الزوج برفع دعوى أمام المحكمة ضد المدعى عليها – الزوجة – الذي خلص فيها طلب الحكم له بإلزام المدعى عليها – الزوجة – بالعودة إلى منزل الزوجية وإلزام والدها بإعادة جميع الأثاث الخاص به، مؤسسًا دعواه بأن المدعى عليها سافرت مع والدها إلى محافظة عدن دون موافقة منه، وبعد ذلك حاول إرجاعها وسافر إلى محل إقامتها وأسرتها ووَسط بعض الأقارب دون جدوى، وفي مقابل تلك الدعوى ردت المدعى عليها – الزوجة – عن طريق محاميها بدعوى فرعية تطلب فيها فسخ عقد نكاحها من عصمة المدعي أصليًا المدعى عليه فرعيًا – الزوج – بسبب عدم قيام المدعى عليه – الزوج – بواجباته الزوجة من نفقة ومصاريف وغيرها وأن موكلته تطلب الخلع ومستعدة لإعادة المهر مقابل ذلك.
وأثر ذلك حكمت المحكمة بقبول الدعوى الأصلية المرفوعة من الزوج ورفض الدعوى الفرعية المقدمة من الزوجة وإلزامها بالعودة إلى منزل زوجها وعدم الخروج منه إلا بإذن، مستندةً في ذلك إلى نصوص المواد (40، 154، 72، 73) من قانون الأحوال الشخصية اليمني.
وبعد أن أصبح الحكم الابتدائي سندًا تنفيذيًّا لانقضاء مدة الطعن فيه بالاستئناف، تقدم المحكوم له -الزوج- أمام المحكمة بطلب تنفيذه، وتم إعلان المحكوم عليها -الزوجة- وكلفتها المحكمة بتنفيذ السند التنفيذي طواعيًا خلال المدة القانونية، مالم فإن المحكمة ستسير بإجراءات التنفيذ على نفقة المنفذ ضدها، إلا أن المحكوم عليها – الزوجة – وبدلًا من تنفيذها للحكم والانتقال إلى منزل الزوجية تقدمت أمام المحكمة بدعوى فسخ عقد نكاحها من عصمة زوجها مسبّبةً تلك الدعوى بالكراهة.
فما هو الإجراء القانوني المناسب لحل هذه الإشكالية؟ وما مصير الدعوى المرفوعة من الزوجة؟!
رغم موقفنا المعارض لدعوى إلزام الزوجة بالرجوع إلى منزل الزوجية التي لا تتفق مع الشرع والقانون، ولا يقبلها العقل والمنطق؛ لأن مثل تلك الدعاوى تُعكر صفو الحياة الزوجية وتوتر العلاقة بين الزوجين وتدفعهما إلى جحيم لا يطاق، بل إن الحكم الصادر بإلزام الزوجة بالعودة إلى منزل الزوجية لا يحقق الحكمة من مشروعية الزواج، كونه يُجبر الزوجة على البقاء في علاقة زوجية لا تطيقها، بل إنه ليس للزوج الحق في أن يُمسك زوجته إضرارًا بها، وهو ما أكده الشارع الحكيم في قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ الآية؛ ولم يكتفِ الشارع الحكيم بذلك، بل أوجب على الزوج الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، فقال تعالى: ﴿فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ﴾ الآية، ودعوى إرجاع الزوجة لبيت الزوجية رُغمًا عنها تتنافى مع كل ما ذكر أعلاه، بل إن هذه الدعوى تتصادم مع جميع نصوص قانون الأحوال الشخصية اليمني، حيث إنه لا يوجد نص واحد يشير إلى إجبار الزوجة على البقاء على الزوجية، أو أنها تُجبر على الانتقال إلى منزل الزوجية، بل إن النص الزمها بالانتقال إلى منزل الزوجية برضاها تنفيذًا لعقد الزواج، ورتب أثر على عدم انتقالها، وهو إسقاط حقها في النفقة فقط، ويفهم من ذلك أن القانون أسقط حقوق الزوجة إذا رفضت الانتقال لمنزل الزوجية وليس إلزامها تحت طائلة التنفيذ الجبري.
قد يجي شخص يقول ما ذكرته أعلاه غير موافق للقانون، وإن ثمرة الأحكام القضائية وتنفيذها، أن الزوجة ملزمة بالانتقال إلى منزل الزوجية، ويتحجج بنص المادة (40) من القانون المشار إليه أعلاه، التي تنصُّ: (أن على الزوجة الانتقال وطاعة الزوج)، متجاهلًا بالوقت نفسه ما تحكيه المادة (152) من القانون ذاته، التي بينت حكم مخالفته، والتي نصَّت على أنه: (لا نفقة للزوجة في الأحوال التالية:-
أ- إذا امتنعت عن الانتقال إلى بيت الزوجية من دون عذر شرعي.
ب- إذا تركت بيت الزوجية من دون عذر شرعي.
ج- إذا امتنعت الزوجة من الدخول إلى بيت الزوجية من دون عذر شرعي)، هنا النص لم يقل تُجبر على العودة قضاءً.
السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يتفق الحكم بإعادة الزوجة لمنزل الزوجية مع قوله تعالى: ﴿ولا تُمسِكُوهُنَّ ضِرارًا لتعتدوا﴾؟!، وهل قيام الزوج بإخراج شرطة نسائية لتقوم بسحب زوجته من منزل والدها إلى بيته رُغمِ أُنفها تنفيذًا لحكم قضائي يتفق مع قوله تعالى: ﴿فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ﴾، الإجابة طبعًا لا، فالزوجة هنا متمسكة بكراهتها لزوجها ومستعدةً بإعادة المهر المدون في وثيقة عقد الزواج.
ورغم هذا وذاك، هناك أحكام قضائية تصدر فعلًا بإلزام الزوجة بالعودة لمنزل الزوجية، فهل مثل هذه الأحكام تمنع الزوجة من رفع دعوى بفسخ عقد الزواج؟
الجواب طبعًا هو لا بكل تأكيد، بل إنه يجوز للزوجة أن تتقدم أمام المحكمة بطلب فسخ عقد زواجها للكراهية أو أي سبب آخر من أسباب الفسخ، حتى ولو سبق وأن صدر بحقها حكم قضائي يلزمها بالرجوع لمنزل الزوجية؛ وهنا قد يقول بعضهم – أقول بعضهم وليس الكل – إنه لا يجوز لها ذلك لسبق صدور حكم قضائي متحد فيه الأطراف؟!.
والإجابة على مثل هذه التساؤلات، بأنه يحق للزوجة التقدم أمام المحكمة بدعواها لفسخ عقد نكاحها من عصمة زوجها للأسباب الآتية:
١. إن دعاوى الفسخ من الدعاوى التي تتعدد أسبابها، فإذا رفعت الزوجة دعوى فسخ بسبب عدم النفقة وتم رفضها يجوز لها أن ترفع بعد الحكم مباشرة دعوى فسخ جديدة لأي سبب من الأسباب المحددة قانونًا، وسبب الكراهة أحد هذه الأسباب.
٢. إن دعاوى الفسخ من الدعاوى المتجددة مثلها مثل دعوى المطالبة بإلزام المستأجر بتسليم الأجرة المتأخرة، حيث يتجدد الحق في رفعها؛ فمثلًا إذا رفعت الزوجة دعوى فسخ بسبب عدم النفقة وتم رفضها، يجوز لها أن ترفع دعوى فسخ جديدة للسبب نفسه مرة أخرى إذا مضت مدة معقولة يتصور خلالها أن الزوج لم ينفق عليها فيها، فإذا صدر حكم برفض دعوى الفسخ لعدم النفقة عام ٢٠٢٤م، فيجوز لها بعد سنة أن ترفع الدعوى نفسها وللسبب نفسه؛ لأن الزوج يحتمل أنه لم ينفق عليها فعلًا من بعد صدور الحكم السابق.
٣. إن دعوى الفسخ للكراهة دعوى جديدة لم يسبق حسمها من سابق، فالحكم الصادر هو حكم منصبٌ على دعوى الزوج بإرجاع الزوجة إلى منزل الزوجية، بينما الزوجة لم تتقدم بدعوى فسخ للكراهة من سابق حتى نقول إنه يجوز الدفع بسبق الفصل؛ لأن الحكم السابق لم يفصل في دعوى الفسخ للكراهة، بل فصل في دعوى الفسخ لعدم الإنفاق، وتُعدُّ دعوى الفسخ للكراهة مختلفة موضوعًا وسببًا عن دعوى إرجاع الزوجة والفسخ لعدم الإنفاق.
٤. إن طلب الزوج إرجاع زوجته لا يستغرق حقها بطلب الفسخ، بينما طلبها الفسخ يستغرق حق الزوج بطلب إرجاع الزوجة؛ وبمعنى آخر إذا صدر حكم بفسخ الزواج فذلك يعني أنه لم تعد هناك أي قيمة لدعوى إرجاع الزوجة، والحكم بالفسخ يعني القضاء على طلب الزوج بإرجاع الزوجة، وهذا الأثر لا يتحقق إذا صدر حكم بإرجاع الزوجة فإنه لا يقضي على حق الزوجة في طلب الفسخ فيظل حقها في هذا الطلب قائمًا إذا أرادت أن تستخدمه، فالقانون لا يمنع ذلك؛ بل إن طلب الفسخ حق كفله القانون للزوجة، ولم ينص على أي سبب يحرمها من هذا الحق أن تستخدمه متى شاءت.
لذلك كله فإن دعوى إرجاع الزوجة، هي دعوى غير مشروعة ولا يُجوز إجبار الزوجة على الرجوع بحكم القاضي؛ لأن هذا الحكم ينافي الشرع، وما يجوز للزوج طلبه من القضاء إذا رفضت الزوجة الانتقال أو العودة إلى منزل الزوجية هو أن يرفع دعوى للمحكمة بإثبات حالة نشوز الزوجة وإسقاط حقها بالنفقة وكافة الحقوق الزوجية الأخرى، وإذا ثبت للمحكمة صحة دعواه، فتحكم بثبوت نشوز الزوجة، ويترتب على هذا الحكم عدة نتائج منها إسقاط حقها بالنفقة، وحقها بالسكن، وإسقاط حقها بالعدل بينها وبين ضرتها إن وجدت للزوج زوجة أخرى.
هنا ستبقى الزوجة في منزل أهلها، وليس أمامها إلا خيار واحد من ثلاثة خيارات لا رابع لها، إما أن تبقى معلقة في بيت أهلها لا هي متزوجة ولا هي مطلقة أو أن تتنازل عن عنادها وتكبرها وتعود إلى منزل الزوجية بطوعها واختيارها، والأمر الثالث هو أن ترفع دعوى فسخ أمام القضاء، هذه الخيارات الثلاثة المتاحة لها فقط.
أما موضوع الحكم بإرجاع الزوجة إلى بيت الزوجية جبرًا فليس هذا هو المنطق! فهل يُعقل القيام بسحبها بواسطة الجنود – الشرطة النسائية مثلًا – إلى منزل الزوجية وتقيدها داخله بالسلاسل حتى لا تخرج منه مجددًا؟! فهذه ليست حياة زوجية!.
هذا والله أعلم..
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق