القضاء.. صمّام العدالة وحصن الدولة


أيمن باوزير

يُعَدُّ القضاء الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدول، فهو الحارس الأمين على سيادة القانون، والضامن الأول لحقوق المواطنين وحرياتهم، ومن خلاله تتحقق العدالة، ويُبنى الأمن والاستقرار في المجتمع.. فالقضاء ليس مجرد سلطة من سلطات الدولة الثلاث، بل هو ميزانها الدقيق الذي يزن بالحق ويقيم العدل بين الناس، ويحفظ هيبة القانون من أي عبث أو تجاوز.

إنَّ قوة أي دولة لا تُقاس بعدد جيوشها أو وفرة ثرواتها، وإنما بمدى نزاهة قضائها واستقلاله، فحين يكون القضاء حرًّا نزيهًا ومستقلًا عن أي تأثير أو تدخل، يصبح المواطن مطمئنًا إلى أنَّ حقَّه لن يضيع، وأنَّ المظلوم سيجد من ينصفه مهما كانت الظروف. العدالة هي المظلة التي تحتمي بها الحقوق، وهي صمام الأمان الذي يحول دون الفوضى والانقسام. ومن دون قضاء قوي، تفقد الدولة توازنها، ويختل ميزانها، ويصبح الناس في خوف دائم على أنفسهم وأموالهم ومصيرهم.

لقد أثبت القضاة في اليمن، رغم الظروف الصعبة التي تمرُّ بها البلاد والتحديات الجسيمة التي تواجههم، أنَّهم صامدون في أداء رسالتهم السامية، يعملون بإخلاص وضمير، ويضعون نصب أعينهم قسم العدالة وشرف المسؤولية. ورغم محدودية الإمكانيات وضغوط الواقع، ما زال القضاة يؤدون واجبهم بإيمان راسخ بأنَّ إقامة العدل فريضة، وأن نصرة المظلوم واجب وطني وديني وأخلاقي لا تهاون فيه.

وفي ظل الأوضاع الاستثنائية التي تشهدها البلاد، يتضاعف العبء على السلطة القضائية وأعضائها، فهم يقفون على خطوط المواجهة الأولى ضد الفساد والانفلات، ويعملون على إرساء هيبة الدولة وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز. ولعل ما يميّز القضاء لدينا في هذه المرحلة الحساسة هو تمسكه بمبادئه وثوابته، وحرصه على الاستقلال والنزاهة، رغم ما يعانيه من نقص في الموارد والكوادر والدعم اللوجستي.

إنَّ العدالة لا تُقام إلا بتكامل جهود الجميع؛ فاحترام القضاء وتنفيذ أحكامه واجب وطني وأخلاقي على كُلّ فرد ومؤسسة، سواء كانت مدنية أو أمنية أو إدارية.. ومن هنا فإنَّ أيّ تقصير في تنفيذ الأحكام القضائية يُعَدُّ إخلالًا بهيبة الدولة، وانتقاصًا من سيادة القانون، وإضعافًا لثقة المواطن بمؤسساتها. إن القاضي لا يمكنه أن يحقق العدالة وحده ما لم يجد تعاونًا من الأجهزة التنفيذية التي تُعنى بتنفيذ الأحكام، ومن المجتمع الذي عليه أن يوقّر القضاء ويحترم أحكامه.

إنَّ بناء دولة النظام والقانون لا يتحقق بالشعارات، بل بالإيمان الحقيقي بأنَّ العدالة هي الأساس، وأن القضاء هو الحارس الأمين لها.. فالدولة القوية هي التي تجعل من القضاء سلطة فوق النزاعات، وسيفًا للحق لا يُثنى ولا يُكسر، ومظلةً تحمي الجميع. ومتى ما ضعُف القضاء، ضعف كل شيء من بعده؛ لأنَّ العدالة هي التي تحفظ الأمن، وتؤمن الاستثمار، وتمنح المواطن شعور الانتماء والثقة في وطنه.

لقد عانى القضاء لدينا، على مرّ السنوات السابقة، من تحديات متراكمة، منها ما هو إداري ومالي، ومنها ما هو أمني ولوجستي.. ورغم ذلك، ما زال رجال القضاء صامدين، يقفون بثبات أمام كل الصعوبات، ويواصلون العمل ليلًا ونهارًا من أجل الفصل في القضايا المتراكمة، وتسريع البت في النزاعات، وتخفيف معاناة المتقاضين، وهذه الجهود تستحق التقدير والدعم، لأنَّها تمثل جوهر بقاء الدولة واستمرار مؤسساتها.

إن دعم السلطة القضائية لا يعني زيادة الموازنات أو تحسين البنى التحتية فحسب، بل يعني قبل كل شيء دعم هيبتها واستقلالها، وصون كرامة القضاة وحمايتهم من أي ضغط أو تهديد.. كما يجب على وسائل الإعلام أن تسهم في تعزيز ثقة الناس بالقضاء، وأن تبرز قصص النجاح والنزاهة فيه، لا أن تُضخّم حالات فردية من القصور لتشويه الصورة العامة، فالقضاء، مهما واجه من انتقادات، يظل في النهاية الملاذ الأخير لكل مظلوم، والملجأ الآمن لكل باحث عن الحق.

وفي المقابل، فإنَّ على القضاة أنفسهم مسؤولية مضاعفة في الارتقاء بأدائهم، وتسريع إجراءات التقاضي، وتحسين تعاملهم مع الجمهور، حتى تبقى الثقة راسخة بين المواطن ومؤسسة العدالة، والقضاء العادل ليس الذي يُصدر الأحكام الصحيحة فحسب، بل الذي يشعر المواطن من خلاله بأنَّ العدالة أُنجزت فعلًا، وأن القانون يسري على الجميع بلا استثناء.

إنَّنا اليوم أحوج ما نكون إلى ترسيخ ثقافة احترام القضاء، والتوعية بأهمية استقلاله ودوره في بناء الدولة الحديثة، فالقضاء ليس شأنًا خاصًا بالقضاة وحدهم، بل هو شأن مجتمعي يمسُّ حياة كل فرد؛ لأنَّه يضمن الأمن الاجتماعي ويحمي الحقوق العامة والخاصة، ومتى ما اتسعت دائرة الثقة بالقضاء، اتسع نطاق الاستقرار، وتقلصت فرص الفوضى والانتقام الذاتي.

فلنقف جميعًا صفًا واحدًا خلف قضائنا الوطني، دعمًا لاستقلاله، وصونًا لهيبته، وإيمانًا بأنَّ العدل أساس الحكم، وأنَّه لا نهضة لوطن بلا عدالة، ولا عدالة بلا قضاء قوي مستقل، فحين نقف مع قضائنا، فإنَّنا نقف مع أنفسنا، ومع مستقبل أبنائنا، ومع مشروع الدولة الذي لا يمكن أن يقوم إلا على أساس من العدل والإنصاف.

*نائب مدير عام مكتب رئيس هيئة التفتيش القضائي


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد