حماية الأطفال من الابتزاز الإلكتروني درع الثقة والوعي في العصر الرقمي


عبدالسلام منصور

في ظل التوسع الهائل للفضاء الرقمي، أصبح أطفالنا يتنقلون في عالم افتراضي لا يخلو من المخاطر، لعل أخطرها هو الابتزاز الإلكتروني، فهذه الجريمة ليست مجرد تهديد عابر، بل هي اعتداء نفسي يترك ندوبًا عميقة في شخصية الطفل، ويهدد استقراره العاطفي والاجتماعي.

إنَّ حماية الجيل الجديد من هذا الخطر تتطلب منا، بوصفنا آباء ومربين، أن نتحول من مجرد مراقبين إلى شركاء فاعلين في رحلتهم الرقمية. يبدأ الابتزاز الإلكتروني غالبًا بوساطة منصات التواصل والألعاب، حيث يستغل المجرمون براءة الأطفال وثقتهم المفرطة في الغرباء.. فقد يتنكر المبتز في هيئة صديق أو شخصية جذابة، ليقوم بجمع معلومات خاصة أو صور شخصية، ثم يستخدمها لاحقًا كوسيلة ضغط للحصول على المزيد من التنازلات أو الأموال.

إنَّ طبيعة هذه الجريمة تكمن في السرية والخوف، حيث يفضل الطفل الضحية الصمت خوفًا من ردّ فعل الأهل أو العار الاجتماعي، مما يمنح المبتز قوة إضافية للاستمرار في جريمته، وإن الدرع الأول والأقوى لحماية الطفل هو بناء جسر من الثقة والتواصل المفتوح.

يجب أن يشعر الطفل بأنَّ والديه هما الملاذ الآمن الأول والأخير، وأن البوح بأي مشكلة، مهما كانت محرجة أو مخيفة، لن يقابل باللوم أو العقاب، فهذا الحوار الإيجابي الداعم هو الذي يكسر حلقة الصمت التي يعتمد عليها المبتز.

إلى جانب الثقة، يأتي دور الوعي الرقمي. يجب تعليم الأطفال قواعد أساسية لا تقبل المساومة: عدم مشاركة أي معلومات شخصية أو صور خاصة مع أي شخص بوساطة الإنترنت، وعدم قبول طلبات الصداقة من الغرباء، وتفعيل إعدادات الخصوصية على جميع المنصات.. كما يجب تذكيرهم بأنَّ أيّ محتوى يتمّ نشره على الإنترنت يصبح ملكًا للجميع ولا يمكن استرداده، وفي حال وقوع الابتزاز، يجب أن تكون ردة فعل الأهل هادئة وحاسمة.

الخطوة الأولى هي تهدئة الطفل وتقديم الدعم النفسي الفوري، وتجنب أي ردّ فعل عنيف يزيد من شعوره بالذنب، تلي ذلك خطوة عملية تتمثل في التوقف الفوري عن التواصل مع المبتز، وجمع كل الأدلة المتاحة (رسائل، صور، محادثات)، ثم اللجوء إلى الجهات الأمنية المختصّة.. إنَّ التعامل مع الابتزاز الإلكتروني ليس مسؤولية فردية، بل هو واجب مجتمعي وقانوني يتطلب تدخلًا متخصّصًا.

إنَّ حماية أطفالنا في الفضاء الإلكتروني ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي استثمار في صحتهم النفسية ومستقبلهم. عبر تعزيز الثقة، وغرس الوعي، والتحلي بالشجاعة في مواجهة التهديدات، هنا يمكننا أن نضمن لهم تجربة رقمية آمنة ومثرية.

*رئيس قسم حقوق الإنسان ومكافحة الجريمة بوزارة العدل


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد