جواد النابهي
ما بين قاعاتٍ مزدحمةٍ تضجُّ بأصوات الطلبة، وصيفٍ حارٍّ يثقل الأجواء، ومحاضراتٍ مكثّفةٍ تُختبَر فيها العقول والقدرة على الصبر، كانت لنا في المعهد العالي للقضاء بالعاصمة المؤقتة عدن رحلةٌ أكاديميةٌ لا تُنسى؛ رحلةٌ امتزج فيها التعب بالإنجاز، والجهد بالأمل، والطموح بالإصرار، فكانت كل لحظةٍ فيها تحمل في طيّاتها معنى السعي نحو التميّز، وتفتح أمامنا أبوابًا جديدة للفهم والنضج العلمي.
على امتداد أسابيع الامتحانات التحريرية الأخيرة من السنة الثانية، عشنا أيامًا من الإرهاق الشديد والجهد المتواصل، غير أنَّ ذلك الإرهاق لم يكن سوى وقودٍ لمزيد من العزيمة، كان في كل ورقة امتحانٍ نُجيب عنها، وفي كل سؤالٍ نحاول استحضار جوابه، شعورٌ داخلي بأنَّنا نخطو بثباتٍ نحو هدفٍ أكبر، وأن كل صعوبةٍ تُواجهنا اليوم تُشكّل جسرًا نحو مستقبلٍ نُريد أن نبنيه على أُسسٍ من العلم والالتزام.
وها نحن اليوم نودّع هذه المرحلة بعد ثلاثة أسابيعٍ من الكفاح المتواصل، لنستعدّ لدخول مرحلةٍ جديدة لا تقل أهميةً عنها، بل هي امتدادٌ طبيعي لها، لتُكملها وتكشف عمقها، وهي مرحلة الامتحانات الشفوية، التي تمثل اختبارًا آخر لمعارفنا القانونية وقدرتنا على التعبير والتحليل والاستدلال، تضعنا أمام تجربةٍ حقيقيةٍ في التعبير والإقناع أمام لجانٍ قانونية وقضائية متخصَّصة، إنَّها مرحلة لا تكشف عن الحصيلة المعرفية فحسب، بل خطوةٌ أخرى في طريق تحقيق رسالةٍ ساميةٍ نذرنا أنفسنا لها “أن نكون جنودًا للحق” ، وحَمَلَةً لأمانة القضاء، وممثلين لروح العدالة في وطنٍ يحتاج إلى من يصون كرامته ويحمي قانونه، التي يتطلع المعهد إلى بنائها في كل طالبٍ منّا.
وتُعَدُّ هذه التجربة بكل ما حملته من تعبٍ وتحديات، جزءًا من رحلة التكوين العلمي والمهني التي نُقبل عليها بكل عزمٍ وثقة، مدركين أن طريق القضاء ليس طريقًا سهلًا، لكنه طريق العدالة، ومن يسلكه بحق، يجب أن يمرَّ بتلك الاختبارات التي تُهذّب الفكر وتُنمّي المهارة وتصقل الشخصية.
إنَّها لحظة تأملٍ في مسيرةٍ لم تكن سهلة، لكنها بكل ما حملته من عناءٍ وتحديات، منحتنا ما هو أثمن من الدرجات والنتائج، منحتنا فهمًا أعمق لذواتنا، وإدراكًا لقيمة السعي، وإيمانًا بأنَّ الطريق إلى العدالة يبدأ من قاعات العلم.
ولعلّ أجمل ما في هذه الرحلة أنَّها لم تكن فردية، بل كانت جماعيةً بكل تفاصيلها، نقاشات قبل الامتحانات وبعدها، تبادل الأسئلة والآراء، وتشجيعٌ متبادل بين الزملاء، مما جعل من التجربة الأكاديمية تجربةً إنسانيةً نابضة بالروح والرفقة.
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق