تقرير – القضائية
في أروقة محكمة البريقة الابتدائية، حيث تختلط أصوات المراجعين بوقع الأقدام على الممرات القديمة، يبدأ صباح رئيس المحكمة القاضي محمد عبدالرحيم قبل الجميع، فعلى مكتبه تتكدس الملفات التي تنتظر توقيعًا أو توجيهًا أو حكمًا، فيما تقف خلف الباب وجوه تحمل قصصًا مختلفة… كلها تبحث عن العدالة.
هنا، في هذا المكان الذي تتقاطع فيه مصائر الناس، تتجلى ملامح المهنة الأصعب في المنظومة القضائية: إدارة العدالة وسط ضغط القضايا، وشح الإمكانيات.
بداية يومٍ مزدحم
عند الثامنة والنصف صباحًا، يدخل القاضي محمد عبدالرحيم رئيس المحكمة إلى مكتبه بخطوات ثابتة، يحمل في يده جدول الجلسات اليومي، يراجع بسرعة ملفات القضايا المقرّرة، ثم يلتقي بالكاتب لتحديد أولويات اليوم.
“اليوم لدينا نحو خمسة عشر جلسة، بعضها مؤجل منذ أشهر”، يقول بابتسامة فيها شيء من التعب، وهو يقلب أوراقًا أثقلها الغبار.
تبدأ الجلسات واحدة تلو الأخرى، في قاعة مكتظة بالمحامين والخصوم والشهود.. الوقت يضيق، لكن العدالة لا تعرف العجلة.. وبين كل جلسة وأخرى، يستقبل رئيس محكمة البريقة الابتدائية استفسارات المواطنين الذين ينتظرون البت في قضاياهم.
“كل طرف يظن أن قضيته هي الأهم، ونحن نحاول أن نمنح كل قضية حقّها، لأن أي خطأ قد يغيّر مصير إنسان”، يقول القاضي، بينما يضع توقيعه على حكمٍ استغرق منه أسبوعًا من الدراسة والمراجعة.
بين العدالة والإنسان
في كل جلسة، لا يظهر القاضي محمد عبدالرحيم بصفته صاحب سلطة فحسب، بل بصفته إنسانًا يوازن بين نص القانون ونبض الضمير. “القانون يرسم الطريق، لكن القاضي هو من يحدد درجة الرحمة فيه”، يقول القاضي وهو يروي حادثة مؤثرة: “في إحدى القضايا، وقف أمامي أب متهم بالاعتداء على ابنه. لم يكن التحدي في الحكم، بل في النظر إلى المشهد بإنسانية… كيف نحكم بالعدل دون أن ننزع الرحمة؟”.
كثير من القضاة يعيشون هذا الصراع اليومي بين مقتضيات القانون وحسّ العدالة الإنسانية، خصوصًا في القضايا الأسرية التي تتداخل فيها المشاعر بالعقود والنصوص.
عبء الملفات وإرث الواقع الإداري
في المحاكم الابتدائية، يتعامل رؤساء المحاكم مع مئات القضايا شهريًا، تتنوع بين مدنية وجزائية وأسرية، وكل ملف منها يحمل تفاصيل تحتاج وقتًا ودقة. لكنّ التحدي الأكبر لا يكمن في القضايا وحدها، بل في البنية الإدارية التي تعانيها المحاكم.. يقول القاضي محمد عبدالرحيم “نعمل في مبنى متهالك، بلا أرشفة إلكترونية، ولا نظام موحد لحفظ الأحكام”، مشيرًا إلى أنَّ كثيرًا من الوقت يضيع في البحث عن ملفات قديمة بدلًا من متابعة الفصل في القضايا الجديدة.
ويضيف: “القاضي اليوم لا يدير قاعة الجلسات فحسب، بل يدير مؤسسة كاملة.. يتابع الموظفين، ويشرف على القضايا، ويتعامل مع شكاوى المواطنين، ويواجه أحيانًا ضغوطًا مجتمعية وسياسية، ومع ذلك يُطلَب منه أن يصدر أحكامًا دقيقة لا تخطئ”.
الجانب الإنساني في الإدارة
رغم ضغط العمل، يحرص كثير من رؤساء المحاكم على خلق بيئة عمل إيجابية داخل المحكمة.
تقول إحدى الكاتبات في المحكمة: “القاضي الناجح لا يُقاس بعدد الأحكام التي يصدرها فحسب، بل بطريقة تعامله مع موظفيه ومراجعيه”.. وتضيف: “رئيس المحكمة الذي يحترم فريقه، ويمنح كل موظف دوره، هو من يجعل العدالة أكثر إنسانية”.
كثير من رؤساء المحاكم يحرصون على استقبال المواطنين بأنفسهم للاستماع إلى تظلماتهم، أو مراجعة تأخر بعض الملفات، وهو ما يخلق ثقة متبادلة بين الجمهور والجهاز القضائي.
تحديات لا تنتهي
تتعدد التحديات أمام رؤساء المحاكم: نقص الكوادر، وضعف البنية التحتية، وغياب التدريب المستمر، وتعقيد إجراءات التنفيذ.. فضلًا عن ذلك، تأتي مشكلات النقل الإداري وتراكم القضايا القديمة لتمثل عبئًا إضافيًّا يحدُّ من سرعة إنجاز العدالة.
“أحيانًا تشعر أنك في سباق مع الوقت، لكنك لا تملك الأدوات الكافية للفوز”، يقول أحد القضاة مبتسمًا: “ومع ذلك نواصل لأن العدالة مسؤولية لا يمكن التراجع عنها”.
في نهاية اليوم
مع غروب الشمس، تخلو القاعة من الأصوات، ويجلس رئيس المحكمة للحظات يراجع آخر حكم أصدره.. العيون متعبة، لكن الرضا حاضر.
يغلق القاضي محمد عبدالرحيم الملف الأخير، ويقول بصوت خافت: “العدالة ليست مهنة، إنَّها أمانة يومية، نؤديها رغم التعب، لأنَّنا نؤمن أن الإنصاف ولو في قضية واحدة، يضيء الطريق لمجتمعٍ بأكمله”.
يغادر المكتب بعد أن يطفئ الأنوار، تاركًا خلفه صدى القلم الذي يواصل كتابة فصول العدالة في صمت.
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق