تفتيش الهاتف المحمول للمحتجز أو المشتبه به..إشكالية قانونية بين حماية الخصوصية ومتطلبات العدالة الجنائية


تقرير – القضائية

في ظل التطور المتسارع للتقنيات الحديثة، وتحوّل الهاتف المحمول إلى مستودع شامل للأسرار الشخصية والمهنية، تبرز إشكالية قانونية معقّدة تتعلق بمدى مشروعية تفتيش الهواتف المحمولة للمحتجزين أو المشتبه بهم، وما إذا كان هذا الإجراء ينسجم مع الضمانات الدستورية والقانونية المقرّرة لحماية الخصوصية.

ضمانات دستورية راسخة

كرّست الشريعة الإسلامية، كما أكَّدت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مبدأ صون الحياة الخاصة وعدم جواز انتهاكها إلا في أضيق الحدود، وقد جاء دستور الجمهورية اليمنية متسقًا مع هذه المبادئ، حيث نصّت المواد (48، 52، 53) على حرمة المساس بالأسرار الشخصية، وكفالة سرية المراسلات والاتصالات بكافة صورها، وعدم جواز مراقبتها أو تفتيشها أو إفشاء مضمونها إلّا وفقًا للقانون.

وتُعَدُّ هذه النصوص الدستورية حجر الزاوية في حماية الخصوصية، وتؤكّد أنَّ الأصل العام هو المنع، والاستثناء لا يكون إلّا بنص صريح وضوابط محددة.

حقُّ الدولة في الملاحقة وكشف الحقيقة

في المقابل، يفرض وقوع الجريمة واقعًا قانونيًا مختلفًا، يتمثل في نشوء حقّ الدولة في ملاحقة مرتكبي الجرائم، وكشف الحقيقة، وجمع الأدلة المؤدية إلى إدانة الجناة أو تبرئة الأبرياء. ومن هنا، أقرّ المشرّع مجموعة من الإجراءات الاستثنائية التي تمسُّ بعض الحقوق والحريات، وفي مقدمتها إجراءات القبض والتفتيش.

ويُعَدُّ التفتيش من أخطر إجراءات التحقيق الجنائي، نظرًا لما ينطوي عليه من مساس مباشر بالخصوصية، الأمر الذي دفع المشرّع إلى تقييده بشروط وضمانات صارمة، تضمن عدم التعسّف أو الانحراف في استعمال السلطة.

التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية

نظم قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م أحكام التفتيش، وأجاز لمأمور الضبط القضائي، في الحالات التي يجيز فيها القانون القبض، تفتيش المقبوض عليه بغرض تجريده من الأسلحة وكل ما يمكن استخدامه في المقاومة أو الهرب أو إيذاء النفس أو غيره، مع تسليم المضبوطات للجهة المختصّة.

كما أجاز القانون، في حالات التلبس بالجرائم الجسيمة، تفتيش المتهم ومنزله وضبط الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة، متى وُجدت أمارات قوية على وجودها.
ويُفهم من هذه النصوص أن التفتيش – وفق التصور التقليدي – ينصب على أشياء مادية محسوسة، كالأدوات والأسلحة والأوراق والأشياء المتحصلة من الجريمة.

الهاتف المحمول.. ضبط الجهاز أم تفتيش المحتوى؟
يُعَدُّ الهاتف المحمول بذاته من الأشياء المادية التي يجوز ضبطها بوصفه جسمًا ماديًا عُثر عليه في أثناء التفتيش المشروع. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تتعلق بضبط الجهاز، وإنما بتفتيش محتواه الداخلي من بيانات ومعلومات رقمية، تشمل المراسلات، والصور، والمقاطع، وسجلات الاتصالات، وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي.

فهذه المحتويات لا تُعَدُّ أشياء مادية ملموسة، بل تمثل عناصر معنوية ذات طبيعة خاصة، تقترب في أثرها القانوني من مراقبة الاتصالات أو التنصت على المحادثات، وهي إجراءات لم ينظمها قانون الإجراءات الجزائية بنصوص واضحة ومباشرة.

فراغ تشريعي وتحديات عملية

يواجه القائمون على إنفاذ القانون إشكالية حقيقية، تتمثل في غياب نصوص صريحة تنظّم تفتيش البيانات والمعلومات الإلكترونية، وتحدّد الجهة المختصّة بإصدار الإذن، والضوابط الإجرائية والفنية الواجب اتباعها، فضلًا عن تحديد حجية الدليل الرقمي أمام القضاء.

ويزداد الأمر تعقيدًا في ظل أن قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م، شأنه شأن قانون الإجراءات الجزائية، وُضع في مرحلة سابقة على الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية، ولم يعالج بصورة مباشرة الجرائم الإلكترونية ولا وسائل الإثبات الرقمية.

بين الخصوصية وفعالية العدالة

هذا الواقع يضع القضاء وأجهزة التحقيق أمام معادلة دقيقة، تتطلب الموازنة بين حماية الحقوق والحريات الدستورية من جهة، وضمان فعالية العدالة الجنائية وعدم إفلات الجناة من العقاب من جهة أخرى، مع ما يترتب على أي تجاوز من احتمالية بطلان الإجراءات والأدلة.

الحاجة إلى معالجة تشريعية

ويرى مختصون أن تجاوز هذه الإشكالية يستلزم تدخلًا تشريعيًّا عاجلًا، من خلال تحديث القوانين الإجرائية والجزائية، وإدخال نصوص واضحة تنظّم تفتيش الهواتف والأجهزة الإلكترونية، وتحدد شروطه وضماناته، بما يحقق التوازن المطلوب بين حماية الخصوصية ومتطلبات كشف الحقيقة.

وتظل إشكالية تفتيش الهاتف المحمول واحدة من أبرز القضايا القانونية المعاصرة المطروحة على بساط البحث القضائي، في انتظار تنظيم تشريعي يواكب التطور الرقمي ويحفظ الشرعية الإجرائية وحقوق الأفراد.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد