القاضي فهد اليزيدي: المحكمة الجزائية المتخصّصة بحضرموت حقّقت تقدمًا ملحوظًا في الفصل بالقضايا الجسيمة
القاضي اليزيدي: تعزيز سيادة القانون وتحقيق العدالة الناجزة على رأس أولويات المحكمة
حاوره / عماد حيدرة
تمثل المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصّصة بمحافظة حضرموت إحدى أهم المؤسسات القضائية المعنية بالنظر في القضايا الجنائية الجسيمة والجرائم التي تمسُّ أمن المجتمع واستقراره، وفي ظل التحدّيات الأمنية والقضائية المتزايدة برز دور المحكمة في تعزيز سيادة القانون، وتحقيق العدالة الناجزة، والتصدّي لجرائم الإرهاب والمخدرات والعصابات المسلحة والمنظمة.
وخلال المدّة الماضية شهدت المحكمة نشاطًا قضائيًا ملحوظًا من خلال عقد جلسات علنية متواصلة، وإصدار أحكام في عدد من القضايا الجنائية الجسيمة، شملت جرائم الإتجار بالمخدرات، والانضمام لعصابات مسلحة ومنظمة، والخطف وما يرتبط بها من جرائم القتل والاغتصاب، وجرائم تمسُّ الاقتصاد القومي، في إطار جهود السلطة القضائية لترسيخ الأمن والاستقرار.
وفي هذا الحوار، يتحدث رئيس المحكمة القاضي فهد اليزيدي عن أبرز إنجازات المحكمة، وطبيعة القضايا التي تنظر فيها، والتحدّيات التي تواجه العمل القضائي، فضلًا عن رؤيته بشأن تطوير القضاء الجزائي المتخصّص، وتعزيز ثقة المجتمع بالقضاء.
إلى نصّ الحوار
سؤال: بدايةً، كيف تقيّمون سير العمل في المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصّصة بمحافظة حضرموت خلال المدّة الماضية؟
بفضل الله تعالى، ثم بالجهود الكبيرة التي يبذلها الكادر القضائي والإداري في المحكمة، شهدت المحكمة خلال المُدّة الماضية نشاطًا قضائيًا ملحوظًا، واستطعنا تحقيق تقدم جيد في إنجاز العديد من القضايا المنظورة أمام المحكمة، رغم الظروف والتحدّيات التي تمرُّ بها البلاد بشكل عام.
وقد حرصنا على انتظام انعقاد الجلسات القضائية بصورة مستمرة، بما يسهم في تسريع إجراءات التقاضي، وتحقيق العدالة الناجزة.
كما عملت المحكمة على تعزيز مستوى الانضباط القضائي والإداري، ومتابعة سير القضايا بصورة دورية، والحرص على معالجة أي معوقات قد تؤثر على سرعة الفصل في القضايا، وحسن سير العمل، وهو ما انعكس إيجابًا على مستوى الأداء العام للمحكمة.
ونؤمن بأن انتظام العمل القضائي يعزّز ثقة المواطنين بالقضاء، ويؤكّد أنَّ المؤسسة القضائية قادرة على أداء رسالتها في حماية الحقوق، وتحقيق العدالة، وسيادة القانون.
سؤال: ما أبرز القضايا التي نظرت فيها المحكمة مؤخرًا؟
المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصّصة تنظر في عدد من القضايا الجنائية الجسيمة التي تدخل ضمن اختصاصها النوعي والمكاني، وتشمل قضايا الإتجار بالمخدرات وترويجها، والاشتراك في عصابات مسلحة ومنظمة والحرابة والتقطع، وجرائم الخطف وما يرتبط بها من جرائم القتل والاغتصاب، فضلًا عن بعض القضايا المتعلّقة بالإضرار بالاقتصاد القومي، والقضايا التي تمسُّ أمن المجتمع واستقراره.
وعقدت المحكمة خلال المدّة الماضية عددًا من الجلسات العلنية للنظر في هذه القضايا، وتم إصدار عددًا من الأحكام الرادعة في عدد من القضايا الجزائية الخطيرة بعد استيفاء كافة الإجراءات القانونية، والاستماع إلى دعاوى وأدلة النيابة وردودها، ودفاع ودفوع المتهمين ومحاميهم، وتمكينهم من كافة حقوقهم القانونية المكفولة.
كما تحرص المحكمة على التعامل مع هذه القضايا بحزم ومسؤولية كبيرة نظرًا لما تمثلّه من خطورة على أمن وسلامة الفرد والمجتمع واستقراره، مع الالتزام الكامل بتطبيق القانون وضمانات المحاكمة العادلة، فالعدالة الحقيقية تقوم على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع، واحترام القانون، وصون حقوق وحريات الأفراد وكرامتهم.
سؤال: شهدت المحكمة خلال المدّة الماضية نشاطًا قضائيًا ملحوظًا، ما مدى انعكاس ذلك على مستوى الإنجاز القضائي؟
لقد شهدت المحكمة خلال المدّة الماضية ارتفاعًا ملحوظًا في عدد القضايا الواردة إليها، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالمخدرات، والجرائم المنظمة، وبعض القضايا الجنائية الجسيمة الأخرى، وكانت المحكمة قد أصدرت فيها كثيرًا من الأحكام، والمحكمة ومهما كان عدد القضايا التي تحجز للحكم في الشهر الواحد، فهي تحرص قدر استطاعتها على أن يتم الفصل فيها في الشهر ذاته ومن دون أي تأخير، فخلال شهر ذو القعدة المنصرم فقط ـ خلا ما سبقه من الأشهرـ أصدرت المحكمة (47) حكمًا اثنان منها غير جسيم، إهانة موظف قاض، وهذا هو دأب المحكمة في سبيل مضاعفة الجهود لضمان سرعة البت في القضايا، وتحقيق العدالة الناجزة.
وقد تمكّنت المحكمة، بفضل الله ثم بتعاون الكادر القضائي والإداري، من إنجاز نسبة كبيرة من القضايا المنظورة، إلى جانب مواصلة النظر في القضايا الجديدة الواردة إليها بصورة منتظمة.. كما حرصنا على تقليص فترات التأجيل وتسريع الإجراءات، بما لا يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة، وسلامة الإجراءات القانونية.
ولا شك أن هذا المستوى من الإنجاز القضائي يعكس حجم الجهود المبذولة داخل المحكمة، ويؤكد حرص السلطة القضائية على القيام بدورها في حماية المجتمع، وترسيخ سيادة القانون، رغم التحدّيات والإمكانيات المحدودة.
سؤال: لوحظ تشدّد المحكمة بقضايا المخدرات، كيف تنظرون إلى خطورة هذه الجرائم؟
لا شك أن جرائم المخدرات تُعَدُّ من أخطر الجرائم التي تهدّد أمن المجتمع واستقراره، لما لها من آثار مدمرة على الشباب والأسر، فضلًا عن ارتباطها بجرائم أخرى تمسُّ الأمن والسلم الاجتماعي.. ولذلك فإن القضاء يتعامل مع هذه الجرائم بجدية وحزم كبيرين وفقًا للقانون.
ولعل ما يزيد من خطورة جرائم المخدرات أنَّها لم تُعَد مجرد جرائم معزولة تستهدف أفرادًا بعينهم، بل أصبحت تمثّل تهديدًا حقيقيًا لأمن المجتمع واستقراره، ومصدرًا ماليًّا تستغله العصابات المسلحة لتمويل أنشطتها الإجرامية، فضلًا عمَّا تسببه من آثار اجتماعية واقتصادية وأمنية خطيرة.. فالمخدرات تمثل الوجه الآخر للإرهاب، فكلاهما يستهدف الإنسان والمجتمع، ويقوض الأمن والاستقرار، ويهدّد مستقبل الأجيال، فهي تُعَدُّ “أم الخبائث” لما تجرُّ إليه من جرائم أخرى وسلوكيات منحرفة، وإذا ما دقّقنا النظر في كثير من الجرائم البشعة، التي ارتكبت بطريقة وحشية وبشعة تهزُّ المجتمع، لوجدنا أن للمخدرات نصيب من ذلك.
ومن هذا المنطلق فإن مواجهة آفة المخدرات لا تمثّل مجرد تطبيق للقانون على مرتكبي هذه الجرائم، وإنما هي معركة لحماية المجتمع والحفاظ على شبابه وأمنه واستقراره، الأمر الذي يفرض على الجميع، من مؤسسات الدولة والمجتمع، توحيد الجهود ومضاعفتها للتصدّي لهذه الظاهرة، والحدّ من انتشارها.
وخلال المدّة الماضية أصدرت المحكمة عددًا من الأحكام الرادعة، التي وصلت إلى الإعدام بحقّ مدانين في قضايا جلب وتصدير ونقل المواد المخدرة والإتجار بها، وذلك انطلاقًا من مسؤوليتها القانونية والمجتمعية في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة والحدّ من انتشارها.. كما أن المحكمة تحرص على سرعة الفصل في هذا النوع من القضايا نظرًا لحساسيتها وخطورتها على المجتمع.
ونحن نقول دائمًا إنَّ مكافحة المخدرات ليست مسؤولية القضاء وحده، وإنما هي مسؤولية تكاملية تشترك فيها الأجهزة الأمنية، والنيابة العامة، والأسرة، والمؤسسات التعليمية والدينية، ووسائل الإعلام، وكافة مؤسسات المجتمع؛ لأن حماية الشباب من هذه الآفة مسؤولية جماعية تتطلّب تضافر جهود الجميع.
سؤال: كيف تنظرون إلى مستوى التعاون بين المحكمة والنيابة والأجهزة الأمنية؟
هناك تعاون وتنسيق مستمر بين المحكمة والنيابة الجزائية المتخصّصة والأجهزة الأمنية، وهذا التعاون يُعَدُّ عنصرًا أساسيًا في إنجاز القضايا، وتحقيق العدالة بصورة صحيحة وسريعة.
كما نشير إلى تعاون الشعبة الجزائية المتخصّصة، وما تبذله أيضًا من دور إيجابي وإشرافي، فكل جهة تقوم بدورها وفقًا للقانون، بدءًا من الضبط والتحرّي وجمع الاستدلالات، مرورًا بالتحقيق وإحالة القضايا، ووصولًا إلى المحاكمة وإصدار الأحكام.
كما أن طبيعة القضايا التي تنظر فيها المحكمة الجزائية المتخصّصة تتطلّب مستوًى عاليًا من التنسيق بين مختلف الجهات العدلية والأمنية، خصوصًا في القضايا الجنائية الجسيمة التي تحتاج إلى إجراءات وتحقيقات موسّعة ودقيقة.
وهناك أيضًا دور مهم لا يمكن إغفاله يضطلع به الزملاء المحامون، بوصفهم شركاء أساسيين في تحقيق العدالة وحسن سير إجراءات التقاضي.. فالمحاماة تُعَدُّ إحدى ركائز العدالة وأجنحتها، التي تحلّق بها الحقيقة ساطعة في سماء القضاء، فهي تقوم بدور جوهري في إظهار الحقيقة، وتمكين أطراف الدعوى من ممارسة حقوقهم القانونية التي كفلها القانون.
ونحن نؤكّد دائمًا أنَّ نجاح العمل القضائي لا يمكن أن يتحقق إلّا من خلال تكامل الأدوار واحترام الاختصاصات القانونية لكل جهة، مع الالتزام الكامل بالإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ هيبة الدولة، وسيادة القانون.
كما لا يفوتنا التأكيد على أهمية الدور الذي يقوم به رجال الضبطية القضائية، بوصفهم الحلقة الأولى في مسار الدعوى الجزائية، إذ تبدأ إجراءات العدالة الجزائية من مرحلة جمع الاستدلالات، وضبط الوقائع والأدلة، وإعداد المحاضر الأولية، التي تُبنى عليها مراحل التحقيق والمحاكمة اللاحقة.
ومن هنا تبرز أهمية الارتقاء بمستوى التأهيل القانوني والمهني لمأموري الضبط القضائي، وتكثيف البرامج التدريبية والتأهيلية المخصّصة لهم في الجوانب القانونية والإجرائية والفنية.
ونؤمن بأن سلامة الإجراءات في بدايتها تنعكس إيجابًا على مختلف مراحل الدعوى الجزائية، فكلما كانت إجراءات الاستدلال وجمع الأدلة تتم وفق الأصول القانونية السليمة، كانت الدعوى أكثر قوة واتّساقًا أمام جهات التحقيق والمحاكمة.
وكما يُقال: إذا صحّ الأساس استقام البناء، فإن الدعوى الجزائية تبدأ من مرحلة الاستدلالات، فإذا أُنجِزت هذه المرحلة بكفاءة ومهنية عالية استقام باقي مبنى الدعوى بثبات حتى الوصول إلى الحكم القضائي العادل.
ولذلك فإن الاستثمار في تدريب رجال الضبطية القضائية وتأهيلهم لا يخدم الأجهزة الأمنية فحسب، بل يخدم منظومة العدالة بأكملها، ويسهم في حماية الحقوق والحريات، وتعزيز الثقة بالإجراءات الجزائية، وتحقيق العدالة الناجزة وفقًا لأحكام القانون.
سؤال: ما أبرز الإنجازات التي حقّقتها المحكمة خلال المدّة الأخيرة؟
من أبرز الإنجازات التي حققّتها المحكمة خلال المدّة الأخيرة الحرص على استمرار انعقاد الجلسات بصورة منتظمة رغم مختلف الظروف والتحدّيات، إلى جانب الفصل في عدد من القضايا، وإصدار الكثير من الأحكام الرادعة في ملفات جنائية جسيمة وحساسة تمسُّ أمن المجتمع واستقراره، منها قضايا تتعلق بالعصابات المسلحة والمنظمة والتقطع وجرائم المخدرات والخطف وما رافقها من جرائم القتل والاغتصاب، فضلًا عن بعض القضايا المرتبطة بالإضرار بالاقتصاد القومي، مع الحرص على سرعة الفصل في القضايا من دون الإخلال بحقوق المتقاضين وضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
ومن الإنجازات المهمة أيضًا تعزيز مستوى الانضباط الإداري والقضائي داخل المحكمة، وتحسين آليات العمل والمتابعة، بما أسهم في رفع مستوى الأداء، وتسريع إنجاز المعاملات والقضايا. ونحن نُعَدُّ أن أي إنجاز تحقّقه المحكمة _ ليس منّة منها بل واجبًا عليها _ يصبُّ في خدمة المجتمع، ويعزز ثقة المواطنين بالقضاء بوصفه الحصن الحامي للحقوق والحريات.
سؤال: هل هناك تحدّيات تواجه عمل المحكمة؟
بالتأكيد، هناك العديد من التحدّيات التي تواجه عمل المحكمة، ففضلًا عن التحدّيات والمخاطر الأمنية التي ترافق المحكمة خصوصًا مع ما تمرُّ به البلاد، فإنّها تواجه تزايد القضايا وتعقيدات بعض الملفات الجنائية التي تتطلّب وقتًا وجهدًا كبيرين لاستكمال إجراءاتها القانونية بصورة دقيقة والوصول إلى الحقيقة فيها. كما أن بعض القضايا تتعلق بجرائم منظمة، ووقائع متعددة الأطراف، الأمر الذي يستوجب تحقيقات دقيقة وموسّعة وتنسيقًا مستمرًا بين مختلف الجهات المختصّة.
ومن التحدّيات التي تواجه المحكمة أيضًا محدودية الإمكانيات الإدارية والفنية، كذلك الحاجة إلى تطوير البنية التحتية للمحكمة بما يواكب حجم العمل المتزايد، وخطورة الجرائم، وتوفير بيئة عمل آمنة، فضلًا عن الحاجة المستمرة للتأهيل والتدريب لرفع كفاءة الكادر القضائي والإداري.
كذلك من التحدّيات عدم توفير الحماية الأمنية المرافقة للمتهمين، وعدم توفر وسائل نقل كافية، نظرًا لكثرة عدد المتهمين، وما يتسبّب عنه من عدم إحضار المتهمين لبعض الجلسات.
كما نعاني من ترامي الاختصاص الجغرافي وما يرافقه من صعوبة إحضار الشهود من بعض المناطق والمحافظات، فضلًا عن الحاجة إلى وجود مركز للطب الشرعي بالمكلا، فالحاجة ماسة له، علاوة على توفير _ على أقل تقدير _ لجنة مختصّة في الطب النفسي والعقلي خصوصًا لما يحتاج إليه في بعض القضايا، ولا تستطيع المحكمة والنيابة عرض المتهم لتشخيص حالته النفسية والعقلية.
ونحتاج إلى رفد إدارة الأدلة الجنائية بالأجهزة الفنية ومواد الفحص، وكلما يتطلّبه عملها من خبرة فنية وتأهيل نظرًا لأهمية ذلك، ونظرًا لتطور الإجرام، فالحاجة ماسة إلى دعم وحدة الأمن السيبراني وتعزيزها.. علاوة على صعوبة التعامل أو التجاوب من قبل بعض شركات الاتصالات التي لا تتواجد مقرّات إدارتها الرئيسة بالمكلا، وغير ذلك من التحدّيات مما لا يتسع المقام ولا يصلح لسردها.
ورغم كل هذه التحدّيات، فإنّنا نحرص على استمرار العمل القضائي بصورة منتظمة، وبذل أقصى الجهود لإنجاز القضايا وتحقيق العدالة، لأن المسؤولية الملقاة على عاتق القضاء تتطلّب الصبر والانضباط والعمل بروح الفريق الواحد.
سؤال: كيف توازنون بين سرعة الفصل في القضايا وضمان تحقيق العدالة؟
تحقيق العدالة لا يعني السرعة في الفصل بالقضايا فحسب، بل يعني قبل ذلك سلامة الإجراءات، وصحة الأحكام، واحترام حقوق جميع الأطراف، سواء المتهمين أو المجني عليهم. ولذلك تحرص المحكمة على تسريع إجراءات التقاضي وإنجاز القضايا في مدد معقولة، من دون الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة التي كفلها الشرع والقانون.
فالقاضي مطالب بالتدقيق في الأدلة والوقائع، والاستماع إلى دعوى النيابة وأدلتها وما تبديه من ردود، والاستماع إلى دفاع ودفوع وتعقيب المتهمين ومرافعاتهم، وتمكين كل طرف من عرض ما لديه من أقوال ودفوع وطلبات قبل إصدار أي حكم. كما أن بعض القضايا، بحكم طبيعتها وخطورتها، تتطلّب قدرًا أكبر من الدراسة والتمحيص لضمان الوصول إلى الحقيقة، وإصدار أحكام سليمة تستند إلى الأدلة والبينات.
والمحكمة وهي بصدد تحقيق هذا التوازن الدقيق بين سرعة الإنجاز وضمان العدالة، تضع نصب عينيها التوجيه النبوي الشريف الذي يُعَدُّ من أعظم قواعد القضاء العادل ومبادئه، وهو قوله(صلى الله عليه وسلم): “لا يقضي أحدكم حتى يسمع من الطرف الآخر كما سمع من الأول”،. كما تحرص المحكمة على كفالة حقّ الدفاع بوصفه أحد أهم ضمانات المحاكمة العادلة، وذلك من خلال تمكين كل متهم من الاستعانة بمحامٍ للدفاع عنه أو تكليف محام له من قبل المحكمة في حال عجز عن توكيل محام، وإتاحة الفرصة الكاملة للمحامي للقيام بواجبه المهني في إبداء الدفوع والمرافعات، وتقديم ما يراه محقّقًا لمصلحة موكله في إطار القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن غاية المحكمة ليست مجرد الفصل السريع في القضايا، وإنما الوصول إلى حكم عادل تتوافر له جميع مقومات العدالة القانونية والشرعية، لأن العدالة الناجزة الحقيقية هي التي تجمع بين سرعة الإنجاز ودقّة الإجراءات وسلامة الأحكام، بما يعزّز ثقة المجتمع بالقضاء، ويرسخ سيادة القانون.
ومن المهم الإشارة إلى أن المتتبّع لسير إجراءات نظر الدعاوى أمام المحكمة سيجد حالات التأجيل لا تعود في الغالب إلى أسباب راجعة للمحكمة، إذ تحرص المحكمة على عقد جلساتها في مواعيدها المحدّدة والسير في القضايا بصورة منتظمة.. وإذا ما حدث تأجيل في بعض الجلسات أو القضايا فإنَّه يكون غالبًا لأسباب أمنية أو إجرائية أو لظروف تتعلق بأطراف الدعوى لا علاقة للمحكمة بها، ومع ذلك فإن المحكمة تحرص كل الحرص على الحدّ من هذه التأجيلات، وتتخذ كل ما يتيحه القانون ويسمح به، من إجراءات وقرارات ومذكرات وجزاءات وغرامات لضمان انتظام حسن سير العدالة، ومنع أي تعطيل غير مبرر لإجراءات التقاضي.
سؤال: ما الدور الذي تلعبه الجلسات العلنية في تعزيز ثقة المجتمع بالقضاء؟
تُعَدُّ علنية الجلسات من أهم الضمانات القضائية التي تعكس نزاهة القضاء وشفافية إجراءاته، وهي مبدأ أساسي يكفل للمجتمع الاطلاع على سير العدالة، ويعزّز ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية.
فانعقاد الجلسات بصورة علنية ومنتظمة يؤكّد أنَّ القضاء يعمل وفقًا للقانون، وأنَّ الأحكام تصدر استنادًا إلى الأدلة والوقائع بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى. كما أن العلنية تسهم في ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، وتؤكّد أنَّ الجميع يخضعون للعدالة من دون استثناء.
فضلًا عن ذلك، فإن الجلسات العلنية، تكون أكثر إقناعًا للجمهور بعدالة الأحكام مهما كانت شدة العقوبات، وتسهم في رفع الوعي القانوني وتعزيزه لدى المجتمع، بخطورة بعض الجرائم وشدة العقوبات المترتبة عليها، وبما يصبُّ في الأخير في تحقيق الردع العام، وحماية المجتمع.
سؤال: شهدت المحكمة إصدار أحكام في قضايا عصابات مسلحة، ماذا يمثل ذلك بالنسبة للمجتمع؟
القضاء على العصابات المسلحة والتنظيمات الخارجة عن القانون يمثّل ضرورة وطنية لحماية المجتمع والحفاظ على الأمن والاستقرار، لأن مثل هذه الجرائم تشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الاجتماعي، وهيبة الدولة، وسيادة القانون.
والمحكمة تنظر في هذه القضايا وفقًا للقانون والإجراءات القضائية المعمول بها، وبعد استكمال كافة إجراءات التقاضي وسماع الأدلة ودفوع الأطراف المختلفة.. وعندما تصدر الأحكام فإنَّها تستند إلى وقائع مثبته وبأدلة قاطعة، تكون قد حصلت بإجراءات قانونية سليمة لا غبار على صحتها، بما يحقّق الردع العام والخاص، ويحفظ حقوق المجتمع.
كما أن إصدار الأحكام في هذه القضايا يبعث برسالة واضحة مفادها أنَّ القضاء يقوم بدوره في مواجهة الجرائم الخطيرة، وأن كل من يهدّد أمن المجتمع واستقراره ستطاله يد العدالة، وسيخضع للمساءلة القانونية وفقًا للقانون.
سؤال: ماذا عن قضايا الاقتصاد القومي التي نظرتها المحكمة؟
القضايا المتعلقة بالإضرار بالاقتصاد القومي تُعَدُّ من القضايا المهمة والحساسة، لأنَّها تمسُّ مصالح المجتمع والدولة بشكل مباشر، وقد يكون لها تأثير واسع على الوضع الاقتصادي والاستقرار العام.
والمحكمة تتعامل مع هذه القضايا بقدر كبير من المسؤولية والاهتمام، نظرًا لما تتطلّبه من دقّة قانونية وفنية في دراسة الوقائع والأدلة المرتبطة بها. وخلال المدّة الماضية نظرت المحكمة في عدد من القضايا المرتبطة بالإضرار بالاقتصاد القومي إلى جانب قضايا جنائية أخرى، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بشأنها وفقًا للقانون.
ونحن نؤكّد أنَّ حماية الاقتصاد الوطني جزء من حماية أمن المجتمع واستقراره، وأنَّ القضاء يؤدي دوره في التصدّي لأي أعمال أو جرائم من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة.
سؤال: كيف تقيّمون أداء الكادر الإداري بالمحكمة؟
لدينا كادر إداري يبذل جهودًا كبيرة في ظل ظروف عمل ليست سهلة، وهناك حرص واضح من الجميع على أداء المهام بمهنية ومسؤولية عالية، بما يسهم في استمرار العمل القضائي، وإنجاز القضايا بصورة منتظمة.
وأنا أقدّر كثيرًا الجهود التي يبذلها جميع موظفي المحكمة، لأن العمل القضائي هو عمل تكاملي يعتمد على تعاون الجميع داخل المحكمة.. فنجاح المحكمة في إنجاز القضايا وتحقيق العدالة، هو نتيجة عمل جماعي متواصل.
كما أن روح الانضباط والالتزام التي يتمتع بها الكادر الإداري أسهمت بشكل كبير في تحسين مستوى الأداء، وتجاوز الكثير من الصعوبات والمعوقات التي تواجه سير العمل.
ويتمتع الكادر الوظيفي بالأمانة والنزاهة، وعدم الخضوع لأي مغريات مهما كانت، وهذا أمر جعل المحكمة تعمل وكلها ثقة واطمئنان.
سؤال: هل هناك توجّهات لتطوير العمل القضائي داخل المحكمة؟
نعم، هناك توجّه مستمر نحو تطوير العمل القضائي والإداري داخل المحكمة، لأن تطوير الأداء يُعَدُّ ضرورة لمواكبة تطور الإجرام وحجم القضايا والتحدّيات المتزايدة.. كما نعمل على تحسين آليات العمل، وتعزيز الانضباط الإداري، والاستفادة من الوسائل الحديثة في تنظيم الملفات والأرشفة والمتابعة، بما يسهم في تسريع الإنجاز، ورفع مستوى الكفاءة.
ونحن بحاجة إلى التدريب والتأهيل؛ لأن التطوير المستمر للقدرات والمهارات يسهم في تحسين جودة العمل، وتعزيز الأداء، ونأمل في الاهتمام بهذا الجانب من أجل تطوير القضاء حيث لا يقتصر الأمر على البنية التحتية فحسب، بل يشمل أيضًا تطوير الكفاءات، وتحسين بيئة العمل، وتعزيز الالتزام بالقانون والإجراءات القضائية السليمة.
سؤال: كيف تنظرون إلى أهمية استقلال القضاء؟
استقلال القضاء يمثل حجر الأساس لتحقيق العدالة، فالقضاء العادل المستقل هو المكان الوحيد الذي يستطيع فيه كل إنسان أيّ كان أن يتنفس الحرية بكل كرامة وأمن واطمئنان وعدل ومساواة، ويُعَدُّ ترسيخًا لسيادة القانون وقوة الدولة واحترام مؤسساتها، ولا يمكن لأي مجتمع أن ينعم بالأمن والاستقرار من دون وجود قضاء مستقل ونزيه يطبق القانون على الجميع من دون تمييز.
فالقاضي يجب أن يحتكم إلى القانون وما يثبت أمامه في مجلس قضائه من وقائع فقط، بعيدًا عن أي تأثيرات أو ضغوط أو اعتبارات أخرى، فاستقلال القضاء هو الضمان الحقيقي لحماية الحقوق والحريات، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية.
كما أن استقلال القضاء يسهم في ترسيخ هيبة الدولة واحترام القانون، ويؤكّد أنَّ العدالة هي المرجعية الأساسية والطريقة الناجعة في معالجة النزاعات والقضايا المختلفة داخل المجتمع.
سؤال: ما الرسالة التي توجهونها للمجتمع بشأن دور القضاء؟
رسالتي للمجتمع أن القضاء هو صمام الأمان لحماية الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة بين الناس، فالقضاء مقدس ويجب أن ينظر له المجتمع على هذا الأساس، فاحترام القضاء هو احترام للقانون، وصون للحقوق والحريات؛ والتعاون مع المؤسسات القضائية والجهات الضبطية يسهمان في بناء مجتمع آمن ومستقر ومزدهر ترعاه العدالة، ويسوده القانون.
كما أدعو الجميع إلى دعم جهود مكافحة الجريمة، والابتعاد عن كل ما يهدّد أمن المجتمع واستقراره، خصوصًا آفة المخدرات، والجرائم المنظمة، والاشتراك في العصابات المسلحة التي تمثّل خطرًا كبيرًا على الشباب، ومستقبل المجتمع.
وأؤكّد كذلك أهمية تعزيز الوعي القانوني لدى المواطنين، لأن معرفة الحقوق والواجبات ومعرفة خطورة الجرائم وشدة العقوبة المقرّرة لها يسهمان في احترام القانون، وفي الحدّ من النزاعات والجرائم، ويعززان الاستقرار المجتمعي.
سؤال: وماذا تقولون في ختام هذا الحوار؟
في ختام هذا الحوار أشكر صحيفة «القضائية» على اهتمامها بتسليط الضوء على دور المؤسسات القضائية، وعلى جهودها الإعلامية في نشر الوعي القانوني والردع، وتعزيز ثقافة العدالة، وسيادة القانون.
كما أؤكّد أنَّ المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصّصة بمحافظة حضرموت _ وبعون الله وحفظه وتوفيقه _ ستواصل أداء واجبها بكل كفاءة واستقلال ونزاهة ومسؤولية وحرص في تطبيق القانون وتحقيق العدالة، والعمل على حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات وفقًا للدستور والقوانين النافذة.
ونسأل الله التوفيق للجميع لما فيه خدمة الوطن والمواطن، وتعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ مبادئ العدالة، وسيادة القانون.
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق