رئيس نيابة استئناف تعز القاضي محمد سلطان الفقيه لـ(القضائية): نسب الإنجاز تعكس تحسنًا ملحوظًا رغم التحديات


القاضي الفقيه: نيابة الاستئناف صمام أمان لضبط الأداء النيابي وتوحيد الاجتهاد القضائي

القاضي محمد سلطان الفقيه: نواجه الغلاء والتعديات والأدوية المهربة بحزم ونعزز التنسيق المؤسسي

القضائية – عماد حيدره

تشهد النيابات العامة في اليمن، وعلى وجه الخصوص في محافظة تعز، حراكًا ملحوظًا في مسار تطوير الأداء وتعزيز كفاءة العمل، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الظروف الاستثنائية خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تبرز نيابة الاستئناف بوصفها إحدى الركائز الأساسية في المنظومة العدلية، لما تضطلع به من أدوار إشرافية ورقابية، تسهم في ترسيخ سيادة القانون وتحقيق العدالة.

يأتي هذا الحوار مع القاضي محمد سلطان العسلي ليسلط الضوء على طبيعة عمل نيابة استئناف تعز، وأبرز مهامها واختصاصاتها، فضلا عن استعراض المؤشرات الإحصائية للأداء، ومستوى الإنجاز في التعامل مع القضايا، سواء الجسيمة منها أو ذات الأبعاد المجتمعية الحساسة، في ظل بيئة عمل لا تزال تواجه العديد من التحديات.

كما يناقش القاضي محمد سلطان العسلي خلال هذا الحوار جملة من القضايا الراهنة التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل ارتفاع الأسعار، والتعديات على أراضي الدولة، وانتشار الأدوية المهربة، إلى جانب الوقوف على جهود النيابة في مواجهتها، ورؤيتها المستقبلية لتطوير العمل النيابي، وتعزيز الشراكة مع الأجهزة الأمنية والإعلامية.

إلى نص الحوار

ـ كيف يمكن توصيف الدور الذي تضطلع به نيابة الاستئناف ضمن هيكل النيابة العامة؟

نيابة الاستئناف تمثل حلقة محورية في البناء التنظيمي للنيابة العامة، إذ لا يقتصر دورها على مجرد التصرف في القضايا الجسيمة، بل يتجاوز ذلك ليشمل الإشراف والرقابة على أداء النيابات الابتدائية، وضمان التزامها بصحيح القانون والإجراءات.

كما تضطلع بمراجعة عدد من القضايا ذات الأهمية الخاصة أو الحساسة، سواء من حيث طبيعتها أو آثارها، بما يعزز من توحيد الاجتهاد القانوني ويرسخ معايير العدالة. وبذلك، فإن دورها يجمع بين الوظيفة القضائية والرقابية، بما يسهم في رفع جودة العمل النيابي بشكل عام.

ـ ما طبيعة القضايا التي تصل إلى نيابة استئناف تعز؟ وكيف يتم التعامل معها؟
القضايا التي تصل إلى نيابة الاستئناف تمر بعدة مراحل، تبدأ من التحقيقات الأولية لدى النيابات الابتدائية، حيث يتم جمع الأدلة وسماع أقوال الأطراف.

وبعد استكمال هذه المرحلة، تُحال القضايا الجسيمة، كجرائم القتل والجرائم المنظمة والاعتداءات الكبيرة على المال العام، إلى نيابة الاستئناف للتصرف فيها.

وتتم دراسة هذه القضايا بصورة دقيقة وشاملة، من حيث سلامة الإجراءات، وكفاية الأدلة، ومدى انطباق النصوص القانونية، قبل اتخاذ القرار المناسب، سواء بالإحالة إلى المحكمة المختصة أو استكمال النواقص أو غير ذلك من الإجراءات.. كما تتدخل النيابة في بعض القضايا غير الجسيمة إذا كانت ذات أبعاد خاصة تستدعي إشرافًا أعلى.

ـ هل يمكن إطلاعنا على أبرز المؤشرات الإحصائية لأداء النيابات في تعز؟
بلغ إجمالي القضايا في نيابات تعز خلال عام 2025 عدد (6191) قضية، وهو رقم يعكس حجم الضغط الكبير على العمل النيابي. وقد تم إنجاز (5801) قضية منها، بنسبة إنجاز بلغت 93%، وهي نسبة تُعد مرتفعة في ظل الظروف الحالية.

أما على مستوى نيابة الاستئناف، فقد استقبلت (1586) قضية، تم الفصل في (1566) قضية، بنسبة إنجاز وصلت إلى 98.74%، ما يدل على كفاءة عالية في التعامل مع القضايا الجسيمة، وسرعة في اتخاذ الإجراءات اللازمة.

وتعكس هذه الأرقام تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالأعوام السابقة، نتيجة تكثيف الجهود، وتحسين آليات العمل.

ـ كيف تقيمون وضع تراكم القضايا أو ما يُعرف بتكدس الملفات؟
بشكل عام، لا يوجد تكدس بالمعنى المقلق، وإنما يمكن القول إن هناك عددًا محدودًا من القضايا التي تأخرت لاعتبارات موضوعية. ومن أبرز أسباب التأخير صعوبة استكمال الأدلة في بعض القضايا، أو عدم التمكن من ضبط المتهمين، أو تعقيدات إجرائية مرتبطة بظروف استثنائية.

ومع ذلك، يتم التعامل مع هذه القضايا وفق أولويات واضحة، من خلال متابعتها بشكل مستمر والعمل على معالجتها أولًا بأول. كما أن الجزء الأكبر من القضايا المتبقية من الأعوام السابقة تم إنجازه خلال المدة الماضية، وهو ما يعكس نجاح الجهود المبذولة في تقليص أي تراكم محتمل.

ـ ما أبرز الصعوبات التي تعيق سير العمل النيابي في المحافظة؟
التحديات متعددة ومتشابكة، وتأتي في مقدمتها ضعف البنية التحتية، حيث تعاني بعض النيابات من نقص في المباني المناسبة أو عدم توفر بيئة عمل ملائمة، إلى جانب غياب أنظمة أرشفة حديثة، نتيجة لتدمير البنية التحتية بسبب الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من عشر سنوات.

كما يمثل النقص في الكادر البشري تحديًا كبيرًا، نتيجة الظروف التي مرت بها البلاد، وما ترتب عليها من فقدان عدد من الكوادر المؤهلة.. يضاف إلى ذلك بعض الصعوبات المرتبطة بالتنفيذ، خاصة في ما يتعلق بضبط المتهمين أو تنفيذ أوامر النيابة في بعض المناطق.

ورغم هذه التحديات، فإن العمل مستمر بوتيرة متصاعدة، وهناك جهود واضحة لتجاوز هذه المعوقات تدريجيًا.

ـ إلى أي مدى كان إسهام إعادة تفعيل مؤسسات العدالة في تحسين الأداء؟
إعادة التفعيل شكّلت نقطة تحول مهمة، حيث ساعدت في إعادة انتظام العمل النيابي والقضائي، واستعادة الثقة في مؤسسات العدالة.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على مستوى الإنجاز، والانضباط الوظيفي، وتحسين آليات التنسيق بين الجهات ذات العلاقة.
كما أتاح هذا التفعيل فرصة لإعادة تقييم الأداء، وتصحيح الاختلالات، ووضع أسس أكثر فاعلية للعمل، الأمر الذي أسهم في تحقيق نتائج ملموسة خلال مدة زمنية قصيرة نسبيًا.

ـ هل هناك توجهات لاعتماد التحول الرقمي أو تحديث آليات الأرشفة؟
التحول الرقمي يُعد من الأولويات المستقبلية، لما له من دور كبير في تسهيل الإجراءات، وتسريع إنجاز القضايا، إضافة إلى الحد من الأخطاء البشرية.

وهناك توجه لاعتماد أنظمة إلكترونية في إدارة القضايا والأرشفة، بما يضمن حفظ البيانات، وسهولة الرجوع إليها.
غير أن تنفيذ هذه التوجهات يتطلب توفير الإمكانات الفنية والمالية، إلى جانب تدريب الكوادر على استخدام هذه الأنظمة، وهو ما نعمل على تحقيقه ضمن خطط التطوير.

ـ كيف يتم التعامل مع القضايا ذات البعد المجتمعي أو الحساسية الخاصة؟
تحظى هذه القضايا باهتمام خاص، حيث يتم التعامل معها بمستوى عالٍ من الدقة والمسؤولية، نظرًا لتأثيرها المباشر على المجتمع. ونحن نحرص على استيفاء كافة الإجراءات القانونية، وضمان تحقيق العدالة دون إخلال بالحقوق أو الضمانات.
كما يتم مراعاة الجوانب الاجتماعية والإنسانية عند التعامل مع هذه القضايا، بما يحقق التوازن بين تطبيق القانون والحفاظ على استقرار المجتمع.

ـ ما دور التنسيق بين النيابة والأجهزة الأمنية في إنجاز القضايا؟
التنسيق مع الأجهزة الأمنية يُعد ركيزة أساسية في العمل النيابي، إذ يسهم بشكل مباشر في تنفيذ أوامر الضبط والإحضار، وجمع الأدلة، وتأمين سير الإجراءات. وكلما كان مستوى التنسيق أعلى، انعكس ذلك إيجابًا على سرعة إنجاز القضايا وجودة مخرجاتها.

وهناك جهود مستمرة لتعزيز هذا التعاون، من خلال التواصل المباشر وتبادل المعلومات، بما يخدم تحقيق العدالة.

ـ كيف تتعامل النيابة مع قضايا ارتفاع الأسعار والاستغلال التجاري؟
تولي النيابة العامة اهتمامًا متزايدًا بقضايا الغلاء غير المبرر والاستغلال التجاري، بوصفها قضايا تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. ويتم التعامل مع هذه القضايا بالتنسيق مع الجهات المختصة، مثل مكاتب الصناعة والتجارة والجهات الرقابية، حيث تُباشر التحقيقات في البلاغات المتعلقة برفع الأسعار أو الاحتكار أو الغش التجاري.

كما تعمل النيابة على اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، بما في ذلك الإحالة إلى القضاء، ومصادرة المواد المخالفة عند ثبوت الجريمة.

ونؤكد هنا أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تتطلب أيضًا دورًا تكامليًا من الجهات التنفيذية والرقابية، إلى جانب وعي مجتمعي فاعل بالإبلاغ عن أي تجاوزات.

ـ ما أبرز جهود النيابة في التصدي للتعديات على أراضي الدولة؟
التعدي على أراضي الدولة يُعد من القضايا الخطيرة التي تمس المصلحة العامة، وقد أولت النيابة هذا الملف اهتمامًا خاصًا خلال المدة الماضية حيث يتم استقبال البلاغات والتحقيق فيها بشكل جاد، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه في الاعتداء على أملاك الدولة.

كما يتم التنسيق مع الجهات المختصة، مثل مكاتب الأشغال وهيئات الأراضي والسلطات المحلية، لضبط المخالفات، وإيقاف التعديات في مراحلها المبكرة.

وتسعى النيابة إلى حماية هذه الأراضي بوصفها ثروة وطنية، والعمل على استعادتها عند التعدي عليها، بما يعزز هيبة الدولة، ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة.

ـ كيف تتعاملون مع ظاهرة انتشار الأدوية المهربة وارتفاع أسعارها؟
تُعد قضية الأدوية المهربة من القضايا الحساسة، نظرًا لما تشكله من خطر مباشر على صحة المواطنين، فضلا عن تأثيرها على السوق الدوائي. وتتعامل النيابة مع هذه الظاهرة من خلال تلقي البلاغات، والتنسيق مع الجهات الصحية والرقابية المختصة، مثل مكاتب الصحة والهيئة العليا للأدوية.

ويتم تنفيذ حملات تفتيشية، وضبط الأدوية المخالفة أو المهربة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين في تداولها. كما يتم التحقيق في حالات رفع الأسعار بشكل غير قانوني، لما لذلك من تأثير على وصول المواطنين إلى الدواء.

ونؤكد أن حماية القطاع الدوائي تتطلب تكاملًا بين الرقابة القانونية والإجراءات الإدارية، إلى جانب تعزيز الوعي بخطورة التعامل مع الأدوية غير المرخصة.

ـ ما أولوياتكم خلال المرحلة المقبلة لتطوير العمل؟
تركز المرحلة القادمة على عدد من الأولويات، في مقدمتها رفع كفاءة الأداء، وتقليص مدة التقاضي، ومعالجة أوجه القصور التي قد تظهر من خلال التقييم الدوري، كذلك نعمل على تعزيز الرقابة والمتابعة، وتطوير قدرات الكادر البشري، إلى جانب السعي لتحديث البنية التحتية.

والهدف من ذلك هو الوصول إلى منظومة نيابية أكثر فاعلية، قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة، وتحقيق العدالة الناجزة.

ـ كيف تنظرون إلى الدعم المقدم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية لمرتبات السلطة القضائية وتشغيلها؟
لا شك أن الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية، خصوصًا في ما يتعلق بالمرتبات والتشغيل، كان له أثر إيجابي في استقرار العمل داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلطة القضائية، فقد أسهم هذا الدعم في تخفيف الأعباء على الكوادر، وتعزيز قدرتهم على الاستمرار في أداء مهامهم في ظل الظروف الصعبة.

كما ساعد في توفير الحد الأدنى من الإمكانيات التشغيلية التي تضمن استمرار سير العمل القضائي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى الأداء والإنجاز. ونؤكد أن استقرار الكادر الوظيفي يُعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق العدالة، وأي دعم في هذا الاتجاه يُسهم في تعزيز سيادة القانون، وخدمة المجتمع.

ـ كيف تنظرون إلى دور الإعلام في دعم عمل النيابة؟
الإعلام شريك أساسي في تعزيز الوعي القانوني، وله دور مهم في توجيه الرأي العام، ونشر ثقافة احترام القانون.

ونأمل أن يسهم بشكل أكبر في توعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وتسليط الضوء على القضايا المجتمعية، بما يعزز من سيادة القانون.

ـ ما الرسالة التي تودون توجيهها للمواطنين؟
نؤكد للمواطنين أن النيابة العامة تعمل من أجل حماية حقوقهم وحرياتهم، وتسعى إلى تطبيق القانون بعدالة وحياد. كما ندعوهم إلى التعاون مع الجهات المختصة، والإبلاغ عن أي مخالفات، والالتزام بالقانون، لما في ذلك من مصلحة للجميع.
فسيادة القانون لا تتحقق إلا بتكامل الجهود بين المؤسسات والمجتمع.

كلمة أخيرة ؟
الشكر الجزيل للصحيفة القضائية لما تقدمه من نشر للوعي المجتمعي بما تقدمه أجهزة القضاء في تحقيق العدل، وندعو وسائل النشر الأخرى إلى أن تحذو حذوها لتحقيق إعلام هادف وبناء، يرفع من مستوى الوعي بين كافة شرائح المجتمع.

في ختام هذا الحوار، يؤكد القاضي محمد سلطان العسلي، رئيس نيابة استئناف محافظة تعز، أن النيابة تمضي بخطى ثابتة نحو تعزيز كفاءة العمل النيابي، رغم ما يحيط بها من تحديات معقدة، مستندة إلى جهود مستمرة في التطوير والتنسيق المؤسسي.

كما يشدد على أن تحقيق العدالة لا يقتصر على تطبيق القانون فحسب، بل يتطلب تكاملًا بين مختلف الجهات الرسمية والمجتمع، بما يعزز الثقة بمؤسسات العدالة، ويرسخ قيم النزاهة وسيادة القانون في الواقع العملي.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد