مكافحة الفساد والدور المناط لجهات الرقابة وإنفاذ القانون


الدكتور خالد بن شجاع

يُعدُّ الفساد ظاهرة اجتماعية واقتصادية وسياسية تؤرق أغلب المجتمعات والدول، ولكن تختلف من دولة إلى أخرى ومن نظام إلى آخر، وينتشر الفساد بالذات لدى دول العالم الثالث نتيجة الفقر، والبطالة، والحروب، وضعف الرقابة، وعدم الشفافية والمساءلة، وضعف التعليم، وقلة الوعي والثقافة والقيم الاجتماعية، ويقصد بالفساد سوء استخدام السلطة أو المنصب لتحقيق مكاسب شخصية أو مالية بطريقة غير قانونية أو غير أخلاقية، ويأتي بعدة صور وأشكال مثل الرشوة، والاختلاس، والسرقة، والمحسوبية، والتلاعب بالعقود والمناقصات، وغسل الأموال…إلخ.


ويشمل الفساد مجالات وقطاعات مختلفة الحكومي منها والخاص والمنظمات غير الحكومية.


تأثير الفساد على جميع جوانب الحياة يؤدي إلى تدمير الثقة في المؤسسات، وتدهور الخدمات العامة، وزيادة الفقر والبطالة، وتعطيل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لذلك يحتم الأمر أن يكون هناك دور للفرد بالمجتمع في الالتزام بالأخلاق والقيم والنزاهة والمشاركة في الحملات المناهضة للفساد، والإبلاغ عن حالات الفساد، ودعم المؤسسات، ونشر الثقافة والتوعية، وتعزيز التعليم والشفافية والمساءلة والرقابة، وتطبيق القانون والقيام بالمشاركة المجتمعية.


ومما لا شك فيه أن مكافحة الفساد لا تقتصر على الأفراد بالمجتمع فحسب وإنما لابد من وجود تشريعات وتدابير وآليات وطنية ودولية لمكافحته على المستوى الإقليمي والدولي، الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، فقد أكدت الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد تعزيز أدوار الأجهزة الرقابية المعنية بذلك في المادة (6) منها على إنشاء هيئة أو هيئات مكافحة الفساد الوقائية، والتي تضمنت تكفل كل دولة طرف، وفقًا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني، وجود هيئة أو هيئات، حسب الاقتضاء، تتولى منع الفساد، وتقوم كل دولة طرف، وفقًا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني، بمنح الهيئة أو الهيئات المشار إليها أعلاه من هذه المادة ما يلزم من الاستقلالية، لتمكين تلك الهيئة.


وعلى الصعيد الوطني صدر قانون مكافحة الفساد رقم (39) لسنة 2006م، واللائحة التنفيذية لقانون مكافحة الفساد بالقرار الجمهوري رقم (19) لسنة 2010م بعد مصادقة بلادنا على اتفاقية مكافحة الفساد الدولية بالقانون رقم (47) لسنة 2005م، وقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م وتعديلاته واللائحة التنظيمية لمجلس القضاء الأعلى والتشريعات واللوائح المتعلقة بالأجهزة ذات العلاقة.
وتضمن قانون مكافحة الفساد في الباب الأول الأحكام العامة، وعرفت المادة (2) الفساد بأنه استغلال الوظيفة العامة للحصول على مصالح خاصة سواء كان ذلك بمخالفة القانون أو استغلاله أو باستغلال الصلاحيات الممنوحة.


ونص المشرع في المادة (3) الأهداف التي تسعى الهيئة إلى تحقيقها منع الفساد ومكافحته، ودرء مخاطره وآثاره، وملاحقة مرتكبيه، وحجز الأموال والعائدات المترتبة عن ممارسته واستردادها، وتعزيز مبدأ التعاون والمشاركة مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية في البرامج والمشاريع الدولية الرامية إلى مكافحة الفساد، وإرساء مبدأ النزاهة والشفافية في المعاملات الاقتصادية والمالية والإدارية بما يكفل تحقيق الإدارة الرشيدة لأموال وموارد الدولة وممتلكاتها، والاستخدام الأمثل للموارد، وتفعيل مبدأ المساءلة، وتعزيز الدور الرقابي للأجهزة المختصة، والتيسير على أفراد المجتمع في إجراءات حصولهم على المعلومات، ووصولهم إلى السلطات المعنية، وتشجيع دور مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وتفعيلها في المشاركة الفاعلة والنشطة في محاربة الفساد ومكافحته، وتوعية أفراد المجتمع بمخاطره، وتوسيع نطاق المعرفة بوسائل وأساليب الوقاية منه.


وتطرق المشرع في الباب الثاني إلى الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد وإنشائها وتشكيلها، وحددت المادة(8) المهام والاختصاصات التي تتولها وتمارسها الهيئة.


ونظم المشرع استقلالية الهيئة في المواد (13-19) وتضمنت أن تقوم الهيئة بتأهيل الكادر العامل فيها وتدريبه بما يمكنه من أداء مهامه واختصاصاته في مكافحة الفساد. وكذلك يتمتع موظفو الهيئة الذين يحددهم رئيس الهيئة بقرار منه بصفة الضبطية القضائية، وتبين اللائحة الأعمال التي يقوم بها موظفو الهيئة بناءً على هذه الصفة. وأن تؤدي الهيئة مهامها واختصاصاتها باستقلالية وحيادية كاملة وفقًا لأحكام هذا القانون، ولا يجوز لأي شخص أو جهة التدخل في شؤونها بأية صورة كانت، ويُعدُّ مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم، ولا يجوز لموظفي الهيئة أن يباشروا أي عمل أو نشاط يمس _ بصورة مباشرة أو غير مباشرة _ باستقلالية الهيئة وحياديتها.


وشمل القانون أن يكون للهيئة موازنة مستقلة تدرج رقمًا واحدًا ضمن الموازنة العامة للدولة يقترحها رئيس الهيئة، ويتبع في إعدادها القواعد والإجراءات المنظمة للموازنة العامة للدولة، وأن لرئيس الهيئة الصلاحيات المخولة لوزير المالية ووزير الخدمة المدنية.


وتضمن القانون في الباب الثالث تدابير مكافحة الفساد بالمواد (20-29) التدابير التشريعية وتطوير النظم ومشاركة المجتمع والتثقيف والإعلام التوعوي والتعاون الدولي واسترداد الأموال الناتجة من جرائم الفساد وعائداتها، ودعم جهود الرقابة، حيث تقوم الهيئة بالتنسيق مع الجهات المختصة بدراسة وتقييم التشريعات العقابية المتعلقة بجرائم الفساد واقتراح تطويرها، كما تقوم الهيئة وفق المادة(22) بالتنسيق مع الجهات المختصة بدراسة وتقييم وتطوير النظم المالية، ونظم المشتريات، والمناقصات والمزايدات الحكومية، ونظم إدارة الموارد والاستخدامات والممتلكات العامة، وتطوير آليات الرقابة بمختلف أنواعها ومعايير المحاسبة والمراجعة المحاسبية بما يكفل حسن إدارة المال العام والممتلكات العامة، وضمان حمايتها والحفاظ عليها، فضلًا عن قيامها وفق المادة (23) بالتنسيق مع الجهات المختصة.


وتضمنت اللائحة التنفيذية للقانون المادة (88) أن الهيئة تعمل في إطار استراتيجية الوقاية من الفساد على دعم أجهزة الرقابة وتفعيلها من خلال العديد من الأنشطة والفعاليات والإجراءات، وأشارت المادة (89) إلى أن تعمل الهيئة على التنسيق مع مختلف الجهات الحكومية بما يؤمن _ وفقًا للقانون _ تحقيق حق المواطن في الوصول إلى المعلومات في مجالات نشاطها مع التزام هذه الجهات بإعداد أدلة إرشادية وإعلانها، ويجوز للهيئة وفقًا المادة (90) إذا ما كان هنالك وقائع مادية تفصح عن سوء إدارة من شأنها أن تنحرف بالوظيفة الحكومية أو بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين أو تخلق عدم رضا عام أن تستدعي الوزير أو المحافظ أو الرئيس الإداري المعني أو كبار مساعديه أو رؤساء الأجهزة المعنية إلى جلسات استماع تعقد لهذا الغرض كما يجوز للهيئة أن تدعو لهذه الجلسات كل ذي مصلحة أو ناله ضرر جراء ذلك.
ثم حدد المشرع الباب الرابع بالمواد (30-41) جرائم الفساد وإجراءات الضبط والتحقيق والمحاكمة والعقوبات المتعلقة بشأنها، ونصت المادة (30) بأن جرائم الفساد، هي: الجرائم الماسة بالوظيفة العامة المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات، والجرائم المخلة بسير العدالة المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات، واختلاس الممتلكات في القطاع الخاص المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات، وبينت المادة المذكورة بقية الوقائع التي تمثل جرائم فساد وأية جرائم أخرى ينص عليها القانون، ولا يجوز حسب المادة (33) لأي جهة أن تحجب أية بيانات مطلوبة للهيئة أو تمتنع عنها، وتوجب المادة (34) على الهيئة فور علمها عن وقوع جرائم الفساد القيام بأعمال التحري وجمع الاستدلالات بشأنها، ولها في سبيل ذلك الاطلاع على السجلات والمستندات والوثائق المتعلقة بالجريمة محل العلم، وكذا طلب موافاتها بأية بيانات أو معلومات أو وثائق متعلقة بها. وللهيئة وفق المادة (35) الحق في مخاطبة واستدعاء المعنيين من الموظفين العموميين أو موظفي القطاع الخاص أو أي شخص له علاقة للاستفسار والتحري حول واقعة تتعلق بالفساد وفقًا للتشريعات النافذة، وبحسب المادة (42) للهيئة بالتنسيق مع الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة جمع الأدلة والمعلومات المتعلقة بالفساد وإحالة المتهمين إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية وفقًا للقوانين النافذة، وتلزم المادة (43) كافة أجهزة الدولة بتذليل كافة الصعوبات والمعوقات بما يمكن الهيئة من أداء مهامها على الوجه الأمثل وفقًا لأحكام القانون، وتوجب المادة (44) على كافة أجهزة الدولة التعاون فيما بينها لكشف جرائم الفساد والبلاغ عنها إلى الهيئة أو سلطات الضبط والتحقيق مع إمدادها بالمعلومات المتعلقة بأية وقائع تتعلق بالفساد.


والدور القضائي المناط في مكافحة الفساد له أهمية في إنفاذ القانون وتطبيقه، والدور الفاعل لقيام محاكم الأموال الابتدائية والشعب الاستئنافية والنيابات الابتدائية والاستئنافية المتعلقة بالأموال العامة وقضايا الفساد، وقد صدر قرار مجلس القضاء الأعلى رقم (137) لعام 2008م بإعادة تنظيم محاكم الأموال العامة، وكذلك قـرار النائـب العـام رقم (22) لسنة 2010م بشأن إعادة تنظيم نيابات الأموال العامة، وتحديد اختصاصاتها، وذلك قبل صدور قانون السلطة القضائية رقم (27) لسنة 2013م ولائحته التنظيمية، وقد نصَّت المادة (1) … تختص نيابات الأموال العامة بالتحقيق والتصرف ورفع الدعوى ومباشرتها أمام المحاكم في الجرائـم التاليــة: الفقرة د- الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد.


بالأخير أن مكافحة الفساد يتطلب جهودًا تبذل وتعاون من قبل أفراد ومؤسسات المجتمع، وإعادة تشكيل الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد وتفعيلها من العاصمة المؤقتة عدن، والتي تم الإعلان عن ذلك من قبل مجلس القيادة الرئاسي إلا أن الإجراءات توقفت ولا نعلم سبب ذلك، حتى يتسنى للهيئة القيام بدورها المناط وفق القوانين واللوائح النافذة، ومن الأهمية بمكان حسن اختيار الكوادر والكفاءات من قبل مجلس القضاء الأعلى للقضاة وأعضاء النيابة ممن يتم نقلهم وندبهم للعمل في محاكم ونيابات الأموال العامة، ولابد من التنسيق والتعاون بين كافة جهات الرقابة، وإنفاذ القانون للقيام بدورها في مكافحة الفساد.

*القائم بإعمال مدير عام الدراسات والبحوث


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد