اتفاقات الصلح بوصفها سندًا تنفيذيًّا


القاضـي عـصـــام مـحمد بـن عبيـــد اللـــــه

إن من أهم أركان التنفيذ الجبري السند التنفيذي، الذي لا يجوز إجراء التنفيذ إلا بموجبه، وقد نصت المادة (326) من قانون المرافعات: على أنه لا يجوز إجراء التنفيذ إلا بسند تنفيذي اقتضاءً لحق محقق الموجود، معين المقدار، حال الأداء، ثم قررت المادة (328) من قانون المرافعات، ماهي السندات التنفيذية بقولها: تتحدد السندات التنفيذية فيما يلي: وذكرت ستة أنواع من السندات التنفيذية، وقد استقر القضاء أن السندات الواردة في المادة السابقة واردة على سبيل الحصر، وفقًا للحكم الصادر عن المحكمة العليا، في الطعن رقم (21085) لسنة 1425 هـ، جلسة 30 / صفر / 1426 هـ الموافق 29 / 4 / 2005 م، ومن هذا المنطلق فإن دراسة تلك السندات والاستفاضة في أحكامها أمر لازم، كون السند التنفيذي هو الوسيلة الوحيدة التي عدَّها القانون مؤكدة لحق الدائن عند إجراء التنفيذي الجبري، فالسند التنفيذي هو السبب في الحق في التنفيذ، كونه يعطي للدائن سلطة أو إمكانية إجرائية تخول صاحبها تحريك الجهاز القضائي للقيام بالتنفيذ لمصلحته، وبدون وجود هذا السند تنعدم أي سلطة للشخص في الحصول على أي حق تجاه مدينه، وتأسيسًا على ذلك فإن التنفيذ يكون باطلًا إذا ما بدأ قبل الحصول على السند التنفيذي، كما ينعدم إذا لم يكن ما بيد الدائن ليس أحد السندات الستة المحددة حصرًا في المادة (328) من قانون المرافعات.

وتركيز الجميع ينصرف للحديث عن الأحكام والأوامر وأحكام المحكمين، كونها الأهم والأكثر وجودًا في الواقع العملي بالمحاكم، ويغفل كثيرون عن التطرق إلى الحديث عن اتفاقات الصلح بوصفها أحد السندات التنفيذية، وهو ما أوجد بعض الاجتهادات الخاطئة التي تنم عن فهم غير صحيح لمفهوم الاتفاقات التي عناها المقنن في الفقرة الرابعة من المادة (328) من قانون المرافعات، التي نصت على: ((تتحدد السندات التنفيذية فيما يلي: – 4 – اتفاقات الصلح المصدق عليها من المحاكم.


فدلالة النص واضحة في أنه يعتد باتفاقات الصلح بوصفها أحد السندات التنفيذية، لكن الواقع العملي في كثير من المحاكم، أوجد تفسيرًا موسعًا لما عناه المقنن في النص المتقدم، فواقع الحال يثبت قيام كثير من محاكم التنفيذ بمباشرة الإجراءات التنفيذية لاتفاقات صلح لا ينطبق عليها الوصف الذي قصده المشرّع، في المادة(328ف4) من قانون المرافعات، ولاستجلاء حقيقة ما يقصده المشرّع باتفاقات الصلح المتمتعة بالقوة التنفيذية وفقًا للفقرة السابقة، فإننا نبين ما يقصده المشرّع باتفاقات الصلح، كما نقف على التطبيق الذي نراه تجاوز في فهمه للنص مع إيراد مبررات كل قول، وما ترجح لدينا آملين التوفيق للصوب.


فقد ظهر في الواقع العملي أن كثيرًا من محاكم التنفيذ تشرع في تنفيذ اتفاقات صلح متى صدَّق عليها أحد قضاة المحاكم، وبدون أن يتم ذلك التصديق في جلسة قضائية، ودون أن يرفع الأطراف أي دعوى أمام القضاء، فبمجرد مصادقة أحد القضاة على الصلح يعدونه سندًا تنفيذيًا يباشرون الإجراءات التنفيذية بناءً عليه، وسندهم في ذلك أنها اتفاقات صلح صدقت عليها المحاكم من خلال توقيع أحد القضاة عليها، والأصل عموم اللفظ، وقصره يحتاج لدليل، كما ردوا على أرباب المقيدين لمفهوم اتفاقات الصلح.


وتتمثل اتفاقات الصلح التي عناها المقنن في المادة (328 ف4) مرافعات، بأنها الاتفاقات التي صدقت عليها المحاكم بمناسبة دعوى قضائية مرفوعة أمامها، وذلك من خلال تقديم الأطراف لاتفاق الصلح بالجلسة المحددة لنظر الدعوى وذلك لإلحاقه بمحضر الجلسة للتصديق عليه، ومنحه قوة السند الواجب النفاذ، وهو ما يمثل الاتجاه المضيف لمفهوم اتفاقات الصلح.


وبهذا فقط ظهر اتجاهان، الأول: يأخذ بمفهوم موسع لاتفاقيات الصلح المصدقة، والاتجاه الثاني: يأخذ بالمفهوم المضيق لاتفاقات الصلح، وسنستعرض مبررات كل اتجاه، لنصل لما يترجح منها.


أما الاتجاه الأول: الذي يأخذ بالمفهوم الموسع لاتفاقات الصلح، فإن سنده في ذلك التمسك بعموم لفظ تصديق المحاكم، وكذا من خلال الرد على الاتجاه المضيق، أما الاستمساك بالعموم الوارد في الفقرة الرابعة من المادة (328) مرافعات، فالبين أنه وإن كانت القاعدة هي شمول العام لكل أفراده، واستغراقه لكل الصور الداخلة فيها، إلا أن العمل بالعام شرطه أن لا يرد ما يقيده أو يحد من إطلاقه، والاتجاه المضيق يورد عددًا من النصوص التي يراها مقيدة للعموم الوارد في الفقرة الرابعة، كما أن الاتجاه الموسع يرد على الاتجاه المضيق بالقول: إنه مع الأخذ بالاتجاه المضيق، فإنه يجعل من اتفاقات الصلح بمثابة أحكام قضائية، ومن ثم لم يعد لصورة اتفاقات الصلح أي مفهوم مستقل عن الأحكام، مما عدَّه معطلًا لعملها.


وأما الاتجاه المضيق فإن مبررات ما ذهب إليه هو النصوص الأخرى الواردة في شأن الصلح التي حدت من المفهوم الموسع لاتفاقات الصلح؛ لذا فإن مفهوم اتفاقات الصلح بوصفها أحد السندات التنفيذية، المقصود به الاتفاقات التي صدقت عليها المحاكم طبقًا للمادتين (165،214) مرافعات، والتي تشترط للتصديق أن يتم في محضر جلسة قضائية وبمناسبة دعوى قضائية مرفوعة أمام القضاء، حينها يتم التصديق ليس بمجرد توقع القاضي عليه فحسب؛ بل عقب إلحاق الصلح بمحضر الجلسة، إذ نصت المادة (165) مرافعات على: ((فإذا تصالح الخصوم فعليهم أن يثبتوا ما تصالحوا عليه في محضر الجلسة ويحرروا به عقد صلح ويقدموه للمحكمة لإلحاقه بمحضر الجلسة والتصديق عليه))، ونصت المادة (214) مرافعات على : ((يجوز للخصوم في أية حالة تكون عليها الخصومة أن يتصالحوا فيها ويقدموا ما اتفقوا عليه مكتوبًا وموقعًا منهم أو من وكلائهم المفوضين بالصلح، وتقرر المحكمة إلحاقه بمحضر الجلسة للتصديق عليه))، فهذان النصَّان يفسران ما أطلق في المادة (328ف4) مرافعات، وهو ما يقطع بأن المقصود بالصلح الذي يعد سندًا تنفيذيًا، هو ما كان عقب رفع دعوى أمام المحكمة وتم اعتماده والتصديق عليه أمام المحكمة بجلسة قضائية، وأُلحق بمحضرها، بعيدًا عما تم من قبل أحد القضاة عندما يباشر عمل الموثق في غير جلسة قضائية، إذ المادتان (165،124) مرافعات، تتحدثان صراحةً عن دعوى مرفوعة وإلحاق بمحضرها، والتصديق والتقرير بمنحه قوة السند؛ إنما يكون عقب القيام بذلك في محضر الجلسة المقدم فيها الصلح، ولهذا فإن نصوص المواد (165،324،338ف4) مرافعات، يجب أخذها معًا وتفسيرها بوصفها وحدة واحدة، كونها صادرة عن إرادة تشريعية واحدة، وبمناسبة قانون واحد ، فما أطلق في نص قيده النص الآخر، وما أُبهم في مادة فسرته المادة الأخرى، لذا فالكلام عن المادة (338 ف4) مرافعات، يجب ألا يفهم بمعزل عن المادتين (165،214) مرافعات، بل يتعين النظر للنصوص جميعًا للوصول إلى الإرادة التي عناها المقنن من هذه النصوص.


وأما تعلل أصحاب الاتجاه الموسع من القول: إن في الأخذ بمفهوم المصادقة في الجلسات القضائية إلغاء لأحد السندات؛ لأنها مع التصديق القضائي ستكون ضمن الأحكام القضائية، فهذا القول مردود عليه: من خلال التأكيد أن المحاكم عند تصديقها على الصلح بجلسة قضائية وفق المادتين (165،214) مرافعات، فإنها في الحقيقة لا تحكم بإلزام أي طرف بأداء شيءٍ محددٍ، بل كلما في الأمر هو إقرار الصلح والمصادقة عليه عقب إلحاقه بمحضر الجلسة القضائية، ومن ثم منحه القوة التنفيذية في مواجهة الأطراف؛ بعكس الحال في الأحكام القضائية التي تصدر بنصوص صريحة تحقق اليقين القانوني بإلزام المحكوم عليه بالقيام: بعمل أو الامتناع عنه أو بتسليم شيء، فيما المصادقة على الصلح لا يصدر فيها أي شيء من ذلك بالمطلق، بل إن القاضي يباشر اختصاص الموثق من خلال التأكد من أطراف الخصومة، وموافقتهم على ما دون بالصلح، وهو عمل بعيد كل البعد عن مفهوم الحكم المقترن بالإلزام من الناحية الشرعية، وبما أن عمل القاضي في الصلح المقدم بالجلسة هو المصادقة عليه لا أكثر، فإن هذه المصادقة لا تخرج عن عمل التوثيق، وما يقوم به الموثق تجاه المحررات المراد توثيقها، ولذا فالمادة (329) مرافعات، فرقت بين الأحكام، واتفاقات الصلح عندما نصَّت على أن المحكمة التي أصدرت الحكم أو التي صدقت على اتفاق الصلح يتوجب عليها أن تقوم بوضع الصيغة التنفيذية عليه، وهذا التفريق لا يثبت عمومية لفظ اتفاق الصلح، وإن لم يقدم في جلسة بل مرد هذه التفرقة هو النظر إلى طبيعة العمل الصادر عن المحكمة عند إصدارها للحكم القضائي، وعند مصادقتها على صلح، فالأخير وإن أخذ صورة الحكم، وصدر به حكم مطبوع كسائر الأحكام، إلا أن صفة الإلزام اللازمة للسندات المراد تنفيذها توجد في الأحكام بصفة بارزة ظاهرة، في حين أنها في اتفاق الصلح الإلزام يتعلق بالصلح ككل بكونه صار سندًا تنفيذيًا في مواجهة أطرافه؛ لذا فالفرق واضح بين الحالتين مما جعل المشرّع يفرق بين الأحكام واتفاقات الصلح بالاستناد إلى مضمون العمل القضائي الممارس وطبيعته في الحالتين، مما يجعل التعلل بهذه التفرقة لا تثبت الاتجاه الموسع بل تؤيد ما يراه الاتجاه المضيق، ولذا وجدنا هذا الفرق واضحًا في القانون المصري الذي لا يخضع الصلح لذات قواعد تنفيذ الأحكام، بل يصير محضر الصلح نافذًا على الفور بعيدًا عن القواعد التي تخضع لها الأحكام، ولا يكون ذلك إلا للصلح المثبت بمحضر الجلسة، إذ إن الصلح يستند في قوته التنفيذية إلى إرادة إثباته بمحضر الجلسة، ولا يعد حكمًا أو أمرًا من المحكمة؛ لذا لا يخضعونه لقواعد تنفيذ الأحكام بل يتمتع الصلح المثبت بالجلسة بالنفاذ الفوري.


ولعل ما يتم ممارسته ببعض المحاكم اليوم من تنفيذ بعض اتفاقات الصلح غير المقدمة بجلسة، إنما هو عمل بقانون المرافعات السابق الذي يعد من ضمن السندات التنفيذية المحررات الموثقة، وقد جاء في المذكرة التفسيرية لمشروع قانون المرافعات النافذ أن مبرر إسقاطها من السندات التنفيذية هو عدم دقتها وأن التزوير يتسرب إليها دائمًا، وكذا فإن القضاة في مصادقتهم على اتفاقات الصلح في غير جلسة قضائية إنما يمارسون أعمال التوثيق وفقًا للمادة(36) من قانون التوثيق الملغي رقم (26/1992م) التي أعطت للمحررات الصادرة عن القضاة المتولين حجية المحررات الرسمية، ولكن قانون التوثيق النافذ رقم (7/2010م) قد ألغى هذا الأمر، مما يجعل مصادقة القاضي على اتفاق الصلح بغير جلسة قضائية هو عمل توثيق صدر من موظف غير مختص، ومصادقة الموظف غير المختص لغو لا اعتبار لها، ويبقى المحرر المصادق عليه القاضي في غير جلسة قضائية هو محرر عرفي، ومن ثم فلا يتمتع بأي قوة تنفيذية.


وعلاوةً على ذلك فإن الأمر بتنفيذ الاتفاقات الموقعة من القضاة بغير خصومة، فيه اشغال للقضاة عن عملهم الرسمي، وجعلهم يفتحون الأبواب خارج الدوام الرسمي لاستقبال الأطراف للتوفيق بينهم حتى يتم التصديق على ما توصلوا إليه.


وخلاصة القول: إن المقصود باتفاقات الصلح بوصفها أحد السندات التنفيذية: هي الاتفاقات التي أُلحقت بمحاضر الجلسات، وصدق عليها القاضي المختص بمناسبة دعوى قضائية منظورة أمامه، وإن العموم الوارد في المادة (328/ ف4) مرافعات، لم يبق على عمومه، إنما فسره المقنن في المادتين (165،214) مرافعات، مما لا يصح معه تنفيذيًا أي صلح ما لم يتم المصادقة عليه بجلسة قضائية ويلحق بمحضرها.


وكان المؤمل من المحكمة العليا النهوض بإرسال مثل هذا الأمر إلا أن المقنن في المادة(501) مرافعات، قد منع الطعن في المنازعات التنفيذية، وفقاُ للتعديل الأخير لقانون المرافعات، ما جعل اجتهادات القضاء تختلف من محافظة إلى أخرى، بل من شعبة الى أخرى في ذات المحافظة، ما يحتم على التفتيش أو إصدار تعميم قضائي يمنع قبول تنفيذ هذه الاتفاقات غير المقدمة في مجالس القضاء.
والله الموفق..


*رئيس المحكمة التجارية الابتدائية بالمكلا


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد