جواد النابهي
في عِلمِ الإجرام والبحث الجنائي هناك مقولة فى غاية الأهمية تُعدُّ بمثابة قاعدة علمية، وهي “مسرح الجريمة هو مستودع سرها وهو ما يُطلق عليه بالشاهد الصامت”، وهو قول على بساطته بالغِ الدلالة والصحة، إذ يُعدُّ مسرح الجريمة هو الشاهد الصامت على ارتكابِ الجريمة وتحديد مرتكبيها؛ ويُعرّف بأنه المكان الذي شهد وقوع الجناية أو الكارثة، فيُشكّل نقطة انطلاق البحث والتحري، ويَشمل مسرح الجريمة على العديدِ من الأدلةِ والآثار وغيرها من الأمور المتعلقة بكيفية حدوث الواقعة.
وفي هذا المقال سوف نُسلط الضوء على أهمية مسرح الجريمة في الكشفِ عن هويةِ الجناة والفاعلين الأصليين أو الحقيقين في الوقت الذي يكون فيه من النادر أن يتمكن الفاعل الأصلي أو الجاني من إخفاء كل أثر له بمسرح الجريمة؛ حيث يخضع مسرح الجريمة والأماكن الأخرى التي مكث فيها الجناة قبل ارتكاب الجريمة أو بعدها لمعاينة دقيقة، هدفها تحديد الآثار المتخلفة عن الجناة التي يمكن أن تدل عليهم، إذ إن مسرح الجريمة هو المكان الذي يحتوي على الآثار المتخلفة عند ارتكابها، وتبرز الأهمية القصوى لمعاينة هذا المسرح بوصفه حجر زاويةٍ ينطلق منها مخطط البحث في أي جريمة، إذ إنها أفضل الطرق للوصول إلى إثباتِ أو نفي وقوع الفعل الإجرامي وكيفية وقوعه ومدى علاقة المتهم بالجريمةِ وظروفها.
أهمية مسرح الجريمة:
ما دور مسرح الجريمة (الشاهد الصامت)..
يُعدُّ مسرح الجريمة (الشاهد الصامت) الأساس العلمي، وأهم عناصر التحقيق الجنائي، بل يُعدُّ المصدر الرئيس للأدلة المادية والآثار الجنائية ، مثل آثار الدماء والبصمات وآثار البنادق، فضلًا عن ذلك فلمسرح الجريمة دور في بيان مكان وقوع الجريمة ونوعها ووقت العمل بها وتحديد الأسلوب الإجرامي وظروف ارتكابها.
وتبرز أهمية مسرح الجريمة في الآتي: –
١ ـ يَكشِف وقوع الفعل الإجرامي ماديًا أو عدم وقوعه، وكونه جنائيًا أو غير جنائي وكونه عمديًا أو غير عمدي.
٢ – يُلقي الضوء على الأماكن الواجب تفتيشها والأشياء اللازم البحث عنها وضبطها ونوعية الخُبراء المطلوب الاستعانة بهم والشهود الواجب سماعهم.
٣ – توضيح ظروف الجريمة ومدى علاقة المتهم بها وبواعث ارتكابها وتاريخ وقوعها والوصف القانوني لها.
٤ – يُحدد كيفية ارتكاب الحادث والأسلوب الإجرامي المستخدم والآلات والأدوات المستعملة في ارتكابه وطريقة دخول وخروج الجاني وموقعه من المجني عليه.
٥ – يوضح إلى حد بعيد عدد الجُناة ودور كل منهم ومعرفتهم لمكان الحادث ومدى معرفة الجاني للمجني عليه، ومعرفة شيء من صفات الجاني وعاداته وصناعته وجنسه وطوله والآثار المحتمل وجودها به أو بالمجني عليه وعلاقته بالجريمة.
٦ – يُمكن من خلال معاينة المسرح العثور على الآثار التي تُعدُّ الأدلة المادية القاطعة، كآثار البصمات والأقدام وبُقع الدم والآلات وآثار الشعر إلى غير ذلك الظاهر فيها والخفي.
٧ – تنقل هذه المعاينة للقاضي صورة لمسرح الجريمة وكيفية ارتكابها فيتيسر له بذلك تصور وقوعها ومتابعة إجراءات المحكمة عن اقتناع.
٨ – إثبات معاينة المسرح يبقي للقضية حيويتها مهما مر الزمن دون كشف غموضها أو تغيير فريق البحث العامل فيها.
ما هي حُدود مسرح الجريمة وكيف يتم الكشف عنها:
حُدود مسرح الجريمة تُحدد من قِبل بعض الأشخاص الذين اكتشفوا مسرح الجريمة ثم يتم التواصل من قبلهم مع الشرطة، وتأتي الشرطة والجهات المختصة، ويتم من قبلهم بإحاطة مكان الجريمة بوضع شريط بلاستيكي يُشكل محيط الجريمة كشكل أولي، ويمكن أن تتغير حدود مسرح الجريمة بتغير الأحداث وتطورها حسب تقييمها من قبل المحققين، وإذا تم اكتشاف مسرح جريمة آخر يتم التعامل معه بشكل مستقل، ويُمنع على أي شخص ليس له صلة أن يدخل إلى مسرح الجريمة عدا فريق الطب الشرعي والأجهزة الأمنية.
ولا بد قبل لمس أي شيء أو نقله القيام بالتوثيق من قِبل المصور الجنائي، وذلك بالتقاط صور لجميع الأدلة وكُل ماله صِله بالجريمة، ومن ثم يتم فحص مسرح الجريمة من قبل الطبيب الجنائي لإجراء المعاينة الفنية لرفع ما قد يُوجد من آثار وأدلة مادية والفحص الدقيق للأماكن والأشياء والأشخاص وكُل ما يُفيد التحقيق، وذلك باستخدام أدوات ومعدات خاصة، وهذه الأدلة تخضع للفحص والتحاليل المخبرية الجنائية باستخدام العلوم التطبيقية في الإدارات التخصصية كالمختبر الجنائي.
السؤال كيف يتم التمييز بين آثار المسعِفين والشرطة الذين لامسوا مسرح الجريمة؟
يتم التمييز بكشف البصمات، وهي أكثر عملية فعالة لتمييز الجُناة من المسعِفين والشرطة وغيرهم من فريق المسرح الجنائي.
كيف يتم الحفاظ على مسرح الجريمة والأدلة الموجودة فيه؟
يتم ذلك باتخاذ عِدة تدابير وقائِية لحماية مكان وقوع الجِناية، وذلك بداية بإبلاغ الجِهات المختصة بأسرع وقت ممكن، وعدم لمس أي شيء يتعلق بالجريمة من قِبل المخبرين وعدم الامتثال لذلك يؤدي بهم للمسائلةِ القانونية؛ فمكان مسرح الجريمة مكان حساس للغاية فأي خطوة أو لمسة قد تُؤثر عليه، فضلًا عن ذلك لا بُد من نقل الآثار المادية المختلفة الموجودة في مسرحِ الجريمة بُطرق فنيةٍ صحيحةٍ حتى لا تتأثر بذلك، بالتالي يتم حماية مسرحِ الجريمة وما فيها من آثار بكافة الأشكال والمعدات حتى يتم التحري الجيد والفحص الدقيق للمسرح، لكن على الرغم من ذلك من المستحيل أن يكون هنالك مسرح جريمة خالٍ من أي تغييرات؛ فعلى سبيل المثال لو كان مسرح الجريمة في مكانٍ مفتوح للهواء الطلق يُمكن لتلك العوامل الجوية أن تمحي الأدلة أو تقوم بتغييرها لذلك تُعطى تعليمات وإرشادات للانتباه جيدًا عند وصول مسرحِ الجريمة وجمع أدلته دون أي قلق أو توتر.
من هم فريق عمل مسرح الجريمة:
١- أجهزة الشرطة: فيتمثل دور رجال الشرطة الانتقال إلى مكان الواقعة ومعاينة الآثار والتحفظ عليها وإثبات حالة المكان والأشخاص وكل ما يفيد في كشف حقيقة الجريمة ويتخذون كافة الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على مكان الواقعة ومنع دخول الأشخاص إليه.
٢- الطبيب الشرعي: يتمثل دور الطبيب الشرعي بفحص الجُثة وكشف الحقائق العلمية حسب طلب المحققين الجنائيين كتحديد أسباب الوفاة ووقتها.
٣- المصور الجنائي: يتمثل دوره بتصوير مسرح الجريمة والآثار المتخلفة عن المجني عليه والإصابات والجروح إن وجدت والوضع الذي هو عليه.
٤- المحلل المخبري: يتمثل دوره بتحديد هوية المجرمين بالأدلة المادية من خلال إجراء عمليات التحليل الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية والفحص للمواد المتحصلة من مسرح الجريمة.
ودور كل شخص من الفريق مهم وضروري يستدعي من الجميع التعاون، وذلك كون مهمة كل منهم مكملة للآخر لمعرفة سبب وقوع الحادث وكيفيته، وظروف ارتكاب النشاط الإجرامي الذي قام به الجاني.
*ماجستير قانون خاص
طالب في المعهد العالي للقضاء
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق