القاضي شائف الشيباني
الفرع الأول
التزام المؤجر بتسليم العين المؤجرة للمستأجر
أولا – تحديد المقصود بتسليم العين المؤجرة للمستأجر:
يعرف تسليم العين المؤجرة وفقًا لنص المادة (31) من قانون العلاقة بين المؤجر والمستأجر بأنه: “تمكين المستأجر من الانتفاع من العين المؤجرة وملحقاتها وتسليمها له في حالة تصلح معها لأن تفي بما أعدت له من المنفعة أو بالغرض من الإيجار وفقًا للعقد أو طبيعة العين المؤجرة”.
- متى يتحقق التسليم؟
مادة (33) يسري على الالتزام بتسليم العين المؤجرة ما يسري على الالتزام بتسليم العين المبيعة من أحكام وعلى الأخص ما يتعلق بزمان التسليم وتحديد العين المؤجرة وملحقاتها.
وبالعودة إلى أحكام التسليم في المبيع تنصُّ المادة (529) على أن: “يلزم البائع تسليم المبيع الى المشتري بالحالة التي كان عليها وقت البيع ويشمل التسليم ملحقات الشيء المبيع وكل ما أعد بصفة دائمة لاستعماله طبقا لما هو منصوص عليه في المادة (516) وما بعدها.
ووفقا لهذا النص يلزم المؤجر تسليم العين المؤجرة إلى المستأجر بالحالة التي كانت عليها وقت الإيجار ويشمل التسليم”
ملحقات الشيء المستأجر.
كل ما أعد بصفة دائمة لاستعماله.
وتبين المواد (516، 517، 518) ملحقات الشيء المستأجر طبقًا لما يسري عليه عقد البيع مع مراعاة طبيعة عقد الإيجار والغرض منه التي تميزه عن عقد البيع، وهو ما يتعين على القاضي أن يدقق فيه ونشير إلى تلك المواد على النحو الآتي:
مادة (516) يدخل في المبيع ما يندرج تحت اسمه عرفًا، وما كان متصلًا به اتصال قرار تبعًا بلا ذكر ولا يقابله شيء من الثمن كفناء الدار وما يوجد بالأرض من أحجار.
وكل ما لا يتناوله اسم المبيع عرفًا وليس متصلًا به اتصال قرار لا يدخل في المبيع إلا بذكره إن كان من حقوق المبيع ومرافقه.
مادة (517) يدخل في بيع الدار والمنزل والحانوت ونحوها طرقها، وكل ما لصق بها، مما ينتفع به في مكانه دون نقل.
مادة (518) يدخل في بيع الأرض الماء من سيل أو غيل ما لم يكن مستخرجًا بيد عاملة أو بعرف قاض بعدم الدخول وتدخل السواقي والمساقي والجدران والطرق المعتادة، كما يدخل الشجر الثابت فيها، مما يراد به البقاء لا مالا يراد به ذلك من غصن أو ورق أو ثمر أو زرع فإنها لا تدخل إلا بالنص عليها.
ثانيًا – ما الذي يترتب على عدم التسليم وفقًا لما تقدم
تنصُّ المادة (32) إذا لم يتم تمكين المستأجر من الانتفاع أو سلمت العين المؤجرة في حالة لا تصلح معها للانتفاع الذي أجرت من أجله أو إذا نقص هذا الانتفاع نقصًا كبيرًا جاز للمستأجر أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة مع التعويض في الحالتين إذا كان له مقتض.
أكدت المادة (723) من القانون المدني ما ورد في المادتين السابقتين وتقرر بأنه: يلزم المؤجر أن يسلم المستأجر العين المؤجرة وملحقاتها في حالة تصلح معها لأن تفي بما أعدت له من المنفعة، وفقًا لما تم عليه الاتفاق ولطبيعة العين، وإذا سلمت العين المؤجرة في حالة لا تكون معها صالحة للانتفاع الذي أجرت من أجله أو إذا نقص الانتفاع نقصًا كبيرًا جاز للمستأجر أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة بقدر ما نقص من الانتفاع ما لم يكن قد قبل العين على تلك الصفة.
يستفاد مما تقدم من المواد سالفة الذكر ما يلي:
يلزم المؤجر أن يسلم المستأجر العين المؤجرة وملحقاتها في حالة تصلح معها لأن تفي بما أعدت له من المنفعة وفقًا لما تم عليه الاتفاق ولطبيعة العين.
وإذا سلمت العين المؤجرة في حالة لا تكون معها صالحة للانتفاع الذي أجرت من أجله أو إذا نقص الانتفاع نقصًا كبيرًا جاز للمستأجر أن:
يطلب فسخ العقد.
أو إنقاص الأجرة بقدر ما نقص من الانتفاع ما لم يكن قد قبل العين على تلك الصفة.
التعويض في الحالتين إذا كان له مقتضى.
الفرع الثاني
التزام المؤجر بضمان عدم التعرض للمستأجر بأية أعمال من شأنها أن تحول أو تنقص من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة.
أولًا – فكرة الضمان بعدم التعرض:
تقوم فكرة ضمان منع التعرض عمومًا سواء كانت من المؤجر نفسه أو من أحد اتباعه أو من غيره على أساس ضمان تنفيذ العقد والتعامل بحسن نية، فهي من الأفكار التي تؤثر في وجود العقد وتنفيذه، وتساعد على حماية المستأجر من أي ضرر يمكن أن يلحق به نتيجة حرمانه من الانتفاع بالعين المؤجرة.
ويُعدُّ ضمان عدم التعرض من الضمانات المهمة في الفقه القانوني والحياة العملية، فهو المحور لبيان مدى تنفيذ كل طرف لالتزاماته من عدمه، ويضمن المؤجر عدم التعرض للمستأجر نفاذًا لأحكام القانون المدني،
وفيما يتعلق بضمان عدم التعرض الصادر من المؤجر أو أتباعه تنص المادة (36): “على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول أو ينقص من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، ويضمن الأعمال التي تصدر منه أو من أتباعه أو أي تعد أو أضرار له يد فيها”.
وتقابل هذه المادة نص المادة (729) توجب على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، ويضمن المؤجر الأعمال التي تصدر منه أو من أتباعه، وكل تُعدُّ أو إضرار مبني على سبب منه.
ويلغى كل اتفاق ينصُّ على أن تبرأ ذمة المؤجر من ذلك أو من العيوب جملة”.
وهذه النصوص المشار إليها آنفًا تقابل المادة (571) من القانون المدني المصري وتنصُّ على أن “على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ولا يجوز له أن يحدث بالعين أو بملحقاتها أي تغيير يخل بهذا الانتفاع”.
وبناء على ما تقدم يُعدُّ التزام المؤجر بعدم التعرض التزام قانوني، ولا يجوز للمؤجر أن يتحلل منه في أي حال من الأحوال، ويتفرع عن هذا الالتزام ضمان عدم التعرض سواء وقع التعرض أو التعدي أو الإضرار من المؤجر نفسه، أو من أتباعه.
فعلى المؤجر أن يمتنع عن كل ما يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، وهذا الضمان لا يتقادم فيلتزم به المؤجر مادام عقد الإيجار مازال قائمًا ولم يقض بفسخه رضاءً أو قضاءً، كما يتعين على المؤجر دفع التعرض الصادر من أتباعه وهو التزام بتحقيق نتيجة.
ثانيًا – شروط قيام الضمان بمنع التعرض، وهي:
صدور التعرض للمستأجر.
أن يكون التعرض صادرًا في أثناء سريان عقد الإيجار.
أن يحول التعرض دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة،
ألا يستند المؤجر في تلك الأعمال التي يقوم بها إلى حق ثابت.
هل يجوز رفع دعوى ضمان عدم التعرض وإزالة العدوان الصادر من المؤجر؟
طالما أن عقد الإيجار لا يزال قائمًا يجب على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول أو ينقص من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ويضمن الأعمال التي تصدر منه أو من أتباعه أو أي تعد أو إضرار له يد فيها م/ 36 من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وبناءً على التزام المؤجر وفقًا لهذه المادة بضمان الأعمال التي تصدر منه أو من أتباعه أو أي تعد أو إضرار له يد فيها يملك المستأجر أن يرفع دعوى ضمان عدم التعرض تأسيسًا على عقد الإيجار خلال مدة الإيجار لا على أساس الحيازة، ويتعين عليه أن يسلك أولًا دعوى ضمان عدم التعدي وإزالة العدوان وفقًا لمبادئ القضاء المستعجل المادة (240) الفقرة (7)().
كما يكون له رفع الدعوى المتعلقة بأصل الحق الذي يدعيه وفقًا لما تقرره قواعد المسؤولية الجنائية والمدنية التي سنشير إليها في البند التالي.
ثالثا – المسؤولية الجنائية والمدنية المترتبة على تعرض المؤجر للمستأجر بالمضايقة أو الضغط عليه بالإخلاء خلال سريان مدة العقد:
مادة (102) يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز مائة ألف ريال كل مؤجر قام بعمل يقصد به مضايقة المستأجر والضغط عليه لإخلاء العين خلال مدة الإيجار أو زيادة الإيجار المحدد في العقد.
- الأركان الخاصة لجريمة مضايقة المستأجر:
الركن المادي للجريمة:
أي عمل من شأنه مضايقة المستأجر والضغط عليه لإخلاء العين المؤجرة أو زيادة الإيجار، وقد يكون هذا العمل ماديًا كدخول العين المؤجرة، أو إغلاقها بأقفال وعدم تمكينه من العين المؤجرة، أو إحداث أية أضرار بها بحيث يجعلها غير صالحة للانتفاع بها، وغير ذلك من المضايقات مثل إطفاء التيار الكهربائي، أو قطع الماء، أو تسديد المجاري، أو إلقاء القمامة أمام العين المؤجرة، أو إحداث ضوضاء مزعجة للمستأجر.
وقد يكون سلوك غير مادي مثل إساءة استخدام حق التقاضي، ومن ذلك رفع دعوى ضد المؤجر بتأخير الإيجارات، أو عدم الوفاء بها، أو اتهامه بإحداث أضرار بالعين المؤجرة، أو تأجيرها من الباطن، أو استخدامها في غير الغرض الذي جرى عليه عقد الإيجار، وقد يكون بطلب إخلاء العين المؤجرة بقصد الصيانة أو الترميم، ثم يتبين أن كل ذلك كذبٌ، وإنما هو يقصد مضايقة المستأجر أو الضغط عليه لإخلاء العين المؤجرة.
القصد الجنائي:
قصد خاص يتجه لتحقيق نتيجة خاصة، وهي (إخلاء العين المؤجرة خلال مدة الإيجار، أو زيادة الإيجار المحدد في العقد).
وفي هذه الحالات يملك المستأجر كذلك المطالبة بالتعويض وفقًا لقواعد المسؤولية المدنية المقررة في القانون المدني.
هل تقع جريمة الإضرار بالعين المؤجرة إذا كان ذلك الضرر حصل بفعل المؤجر؟
تنص المادة (321) من قانون الجرائم والعقوبات على أن: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من هدم أو خرب أو أعدم أو أتلف عقارًا أو منقولًا أو نباتًا غير مملوك له، أو جعله غير صالح للاستعمال أو أضر به أو عطله بأية كيفية…”.
ومن هذا النص يظهر أن لقيام المسؤولية الجنائية عن الأعمال المبينة فيه بكافة صورها أن تصدر عن شخص غير مالك للعقار أو المنقول أو النبات، وبالتالي لا تقوم جريمة الأضرار بالعين المؤجرة إذا وقعت من المالك؛ لأنه لا يسأل الشخص عن أضراره فيما يملك، إلا في حالة أن وقع الضرر بشيء يخصُّ المستأجر في هذه الحالة تقوم الجريمة وفقًا لنص المادة المتقدم ذكرها.
أما إذا وقع الاعتداء أو الأضرار من المؤجر أو أحد أتباعه بقصد مضايقته والضغط عليه من أجل إخلاء العين المؤجرة، أو رفع الإيجار فيلزم حينئذ تكييف الواقعة وفقًا للمادة (102) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وعلى النحو الذي تقدم إيراده مفصلًا.
هل تقع جريمة انتهاك حرمة السكن أو العقار إذا حصل بفعل المؤجر؟
تُعدُّ جريمة انتهاك حرمة المسكن خلافًا لإرادة صاحب الشأن وفي غير الأحوال الجائز قانونًا من جرائم الاعتداء على الحرية الشخصية أو الحق في الخصوصية، وقد يتضمن فعل المؤجر انتهاكًا غير قانوني إذا دخل أي مكان معد للسكن أو أحد ملحقاته، وكذلك إذا بقي فيه خلافًا لإرادة المستأجر لما تمثله هذه الجريمة من وصف لا يتعلق بملكية المسكن، ولكن من حيث المصلحة التي يحميها القانون لصاحب الشأن والمتمثلة بالحق في سكن آمن والحق في الخصوصية.
لذلك قنن المشرع اليمني هذه الجريمة ضمن جرائم الاعتداء على الحرية الشخصية، وبصورة أوسع ضمن الجرائم الواقعة على الأسرة.
والحق بها جريمة انتهاك حرمة المكان المعد لحفظ المال أو العقار إذا وقعت جريمة الانتهاك بذات الصور الخاصة بانتهاك حرمة المسكن (الدخول في تلك الأماكن أو البقاء فيها خلافًا لإرادة صاحب الشأن وفي غير الأحوال الجائزة قانونًا)، ويعاقب من يرتكب هذه الجريمة بذات العقوبة المقررة لجريمة انتهاك المسكن.
وثمة فرق بين الاعتداء أو الإضرار بملك غير المعاقب عليها بالمادة (321) من قانون الجرائم والعقوبات وبين جريمة انتهاك حرمة المسكن بما في ذلك الصور الملحقة بها المعاقب عليها طبقًا للمادة (253) من قانون الجرائم والعقوبات التي تنصُّ على أن: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من دخل مكانًا مسكونًا أو معدًا للسكن أو أحد ملحقاته أو أي محل معدًا لحفظ المال أو عقارًا خلافًا لإرادة صاحب الشأن وفي غير الأحوال المبينة في القانون، وكذلك من بقي فيه خلافًا لإرادة من له الحق في إخراجه.
فالمادة (321) تحمي الملكية من الأضرار بها والمادة (253) تحمي السكن وملحقاته أو الصور الأخرى الملحقة به من مجرد الانتهاك فقط حماية للحرية الشخصية، والحق في الخصوصية وهاتين الصورتين المتمثلتين (بانتهاك العقار أو المكان المعد لحفظ المال من جرائم الشكوى وفقًا لنص المادة (27) إجراءات جزائية مثلها مثل جرائم الإضرار بملك الآخر.
وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات أو الغرامة إذا وقعت الجريمة ليلا أو بواسطة العنف على الأشخاص أو الأشياء أو باستعمال سلاح أو من شخصين فأكثر أو من موظف عام أو ممن ينتحل صفته.
ولكن هل يُعدُّ المستأجر الذي يبقى في العين المؤجرة مرتكبًا لجريمة انتهاك حرمة السكن، أو العقار وفقًا لنص المادة (253) من قانون الجرائم والعقوبات؟
هذا السؤال مهم جدًا وكثيرًا ما يتم تداوله بين رجال القانون والقضاء، ويمكن فهم إرادة المشرع بوضوح من خلال المقارنة بين النصين التاليين:
- المادة (90) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر التي تنصُّ على أن: “يتم إخلاء العين المؤجرة وتسليم المفتاح للمؤجر في نهاية آخر يوم من الأيام المدفوع عنها أجرة أو نهاية آخر يوم من مدة العقد، ولا يجوز للمؤجر أن يطلب من المستأجر التخلية قبل هذا الوقت ما لم يتم الاتفاق على غير ذلك، وإذا لم يقم المستأجر بإخلاء العين المؤجرة عُد غاصبًا ويحكم عليه بالتخلية ودفع أجرة مدة الغصب وبالتعويض إذا كان له مقتضٍ”.
- مادة (37) من القانون نفسه وتنصُّ على أن: “لا يضمن المؤجر للمستأجر الغصب والتعدي من غيره، ويضمن الغاصب والمتعدي كل خسارة لحقت بالمستأجر أو المؤجر مع رفع أيديهما، ومع عدم الإخلال بما نص عليه قانون العقوبات، ولا يلزم المستأجر بالأجرة في مدة الغصب ما لم يكن متواطئًا أو متسببًا، ويكون للمؤجر الرجوع على الغاصب والمتعدي.
أوجه المقارنة:
أولًا- في المادة (90) أوجب النص على المستأجر إخلاء العين المؤجرة، وتسليم المفتاح للمؤجر في نهاية آخر يوم من الأيام المدفوع عنها أجرة أو نهاية آخر يوم من مدة العقد.
وإذا لم يقم المستأجر بإخلاء العين المؤجرة عُد غاصبًا ويحكم عليه بالتخلية ودفع أجرة مدة الغصب وبالتعويض إذا كان له مقتضٍ”.
ولكي يُعدَّ المستأجر غاصبًا وفقًا لأحكام هذه المادة يتعين عدم الإخلال بأحكام التمديد القانوني لعقد الإيجار، وفقًا للمواد (79، 80، 81) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وفقًا لما تقدم بيانه وتفيد تلك المواد أن المستأجر يستطيع البقاء في العين المؤجرة بعد انتهاء مدة العقد بالأجرة نفسها وبالتأمينات نفسها وشروط العقد السابقة إلى وقت: مطالبة المالك بالتخلية. أو تجديد العقد بما يتراضيان عليه.
وبالتالي لا يمكن أن يُعدَّ المستأجر غاصبًا للعين المؤجرة وفقًا للمادة (90) إلا في حالة عدم التمديد القانوني لعقد الإيجار ومطالبة المالك له بالتخلية.
ثانيًا – في المادة (37) بين النص أن الغاصب والمتعدي يضمنان كل خسارة لحقت بالمستأجر أو المؤجر مع رفع أيديهما أي (أيدي الغاصب أو المعتدي)، مع عدم الإخلال بما نص عليه قانون العقوبات.
ومن خلال ما تقدم يتمثل وجه المقارنة في تحديد المشرع للمسؤولية القانونية حيث تضمن نص المادة (90) المسؤولية المدنية (التعويض) في حين أن نصَّ المادة (37) رتب على الغصب الصادر من غير المسؤوليتين، (المسؤولية المدنية، والمسؤولية الجنائية)، وذلك واضح من قوله (مع عدم الإخلال بما نص عليه قانون العقوبات).
ومن خلال هذه المقارنة يتضح أن المشرع قد حسم الجدل القانوني بهذا الشأن، ومن ثم لا يكون للمؤجر في مواجهة المستأجر الذي يبقى في العين المؤجرة بعد مطالبة المؤجر له بإخلاء العين المؤجرة إلا بوصفه غاصبًا، وحقه في رفع دعوى بطرده جبرًا قضائيًا مع مطالبته بالتعويض وفقًا لقواعد المسؤولية المدنية.- الفرع الثالث
التعرض من غيره
أولًا – التعرُّض القانوني:
لا يقتصر ضمان المؤجر على الأعمال التي تصدر منه أو من أتباعه بل يمتد هذا الضمان إلى كل تعرض مبني على سبب قانوني يصدر من أي مستأجر آخر، أو من أي شخص تلقى الحق عن المؤجر.
وقد تضمن القانون رقم (22) لسنة 2006م بشأن تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر دعوى ضمان عدم التعرض من غيره في المادة (39) وتنص على أنه” إذا ادَّعى غيره حقًا في العين المؤجرة يتعارض مع حقوق المستأجر بمقتضى العقد وجب على المستأجر أن يبادر إلى إخطار المؤجر بذلك للدفاع عن حقوقه وكان له أن يخرج من الدعوى في هذه الحالة ولا توجه الإجراءات إلا إلى المؤجر، فإذا ترتب على هذا الادعاء حرمان المستأجر فعلًا من الانتفاع الذي له بموجب عقد الإيجار جاز له أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة بقدر ما نقص عليه من حقه أو التعويض”.
يقابل النص المشار إليه آنفًا ما كان يتضمنه القانون المدني في المادة (725)، مضيفًا إليه صراحة وعلى سبيل الجواز أن يخرج المستأجر من الدعوى في هذه الحالة ولا توجه الإجراءات إلا إلى المؤجر “وغاية ما ألزمه القانون هو أن يبادر إلى إخطار المؤجر بمضمون الحق الذي يدعيه غيره في العين المؤجرة كي يدافع المؤجر عن حقوقه.
من النص يتضح المشار إليه آنفًا يتبين أن تعرض غيره للمستأجر قد يقع من خلال حالتين:
الحالة الأولي: أن يستند التعرض لحق يدعيه غيره، وهنا يجب أن يضمن المؤجر هذا التعرُّض، وهذا واضح من النص بقوله: “إذا ادَّعى غيره حقًا في العين المؤجرة يتعارض مع حقوق المستأجر”، ومن قوله: “وكان له (للمستأجر) أن يخرج من الدعوى في هذه الحالة ولا توجه الإجراءات إلا إلى المؤجر”.
ثانيًا – التعرُّض المادي:
هذه هي الحالة الثانية التي قد يتعرض غيره للمستأجر، وفي هذه الحالة لا يستند التعرُّض لأي حق ولكنه مجرد تعرض مادي، وفي هذه الحالة لا يضمن المؤجر للمستأجر التعرُّض أو الاعتداء الصادر من غيره طبقًا لنص المادة (46)، وتنصُّ على أن: “لا يضمن المؤجر للمستأجر التعرُّض أو الاعتداء إذا صدر من غيره، ولم يكن له يد فيه، وللمستأجر أن يلجأ إلى الوسائل اللازمة لحماية حقه”.
وبناءً على هذا النص يتعين على المستأجر مواجهة التعرُّض المادي من غيره تأسيسًا على أن حيازة المستأجر تُعدُّ حيازة للمؤجر واستمرارًا لهـا، وإذا كـان القانون قد أجاز للمستأجر أن يلجأ إلى الوسائل اللازمة لحماية حقه طبقًا لنص المادة (46) المشار إليها آنفًا؛ لأن له مصلحة شخصية في الذود عن حيازة المؤجر ضد غيره الذي يعتـدى عليها، وذلك وفقًا للبند الآتي:
ثالثًا – صور استخدام المستأجر دعوى ضمان عدم التعرُّض:
الصورة الأولى – دعوى عدم التعرض المستعجلة:
يستخدم المستأجر ضمان عدم التعرُّض بطريقتين: الأول: دعوى منع تعرض مستعجلة في مواجهة غيره، ويراعى في هذه الدعوى ضرورة مراعاة شروط اختصاص القضاء المستعجل الواردة بالمادة (238) من قانون المرافعات، وهما شرطي الجدية والاستعجال، وعدم المساس بأصل الحق، إذ تنصُّ على أن: “القضاء المستعجل حكم مؤقت بتدبير وقتي أو تحفظي يصدر في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت دون التعرُّض لأصل الحق”.
وتُعدُّ دعوى طلب منع التعرض المادي وإزالة العدوان وفقًا للمادة (240) الفقرة (7) من حالات القضاء المستعجل.
الصورة الثانية – دعوى عدم التعرض أمام القضاء الموضوعي:
ترفع عادة مع انتفاء شروط اختصاص القضاء المستعجل، وتخضع الدعوى سواءً رفعت أمام القضاء المستعجل أو الموضوعي للقواعد العامة في قانون الإثبات.
ويمتد الضمان إلى كل تُعدُّ صادر من غيره، أو إضرار بحقوق المستأجر، فالتعرُّض قد يقوم على أعمال مادية بحتة، تحول دون حق المستأجر بالانتفاع بالعين المؤجرة كليًا أو جزئيًا.
ويتعين على المستأجر أن يرفع دعوى عدم التعرُّض على النحو المتقدم ذكره لا أن يظل مستحوذًا على العين المؤجرة دون أن يحرك ساكنًا في مواجهة ذلك التعرُّض أو العدوان وله، أن يطلب إدخال المؤجر في الدعوى، وذلك وفقًا للمادة (56) التي تلزم المستأجر بإخطار المؤجر بكل أمر يتعلق بالعين المؤجرة، ويستوجب تدخله كي يكون الحكم نافذًا تجاهه في حالة أن ترتب على الحكم فقدان المستأجر لحقوقه على العين المؤجرة.
هل يضمن المؤجر تعويض الأضرار التي تحصل بسبب غيره؟
مادة (37) لا يضمن المؤجر للمستأجر الغصب والتعدي من غيره، ويضمن الغاصب والمتعدي كل خسارة لحقت بالمستأجر أو المؤجر مع رفع أيديهما، ومع عدم الإخلال بما نص عليه قانون العقوبات، ولا يلزم المستأجر بالأجرة في مدة الغصب ما لم يكن متواطئًا أو متسببًا، ويكون للمؤجر الرجوع على الغاصب والمتعدي.
هذا النص يقابل أحكام الغصب الطارئ المقررة بالمادة (697) من القانون المدني، وهو ناسخ له كونه متأخرًا عليه، وقد أضاف بيانات أكثر بما يغني عن الركون إليه.
ووفقًا لما تقدم يجب أن نفرق بين حالتين، فمتى كان التعرُّض قانونيًا يضمن المؤجر للمستأجر تعويضه أما متى ما كان التعرض ماديًا لا يقوم على عقد بل على مجرد فعل غير مشروع حقق ضررًا، وتوافرت بينهما علاقة السببية بما يوجب تعويض المستأجر فإن غيره الذي تسبب بذلك الضرر هو المسؤول عن تعويض المستأجر، وكذلك يكون للمؤجر الرجوع على الغاصب والمتعدي في المطالبة بالإيجارات التي سقطت خلال مدة الغصب، ومع عدم الإخلال بما نص عليه قانون العقوبات (م/ 321) بشأن الإضرار بمال غيره.
فإذا كان المستأجر متواطئًا، أو قصر في رفع يد الغاصب، وكان ذلك ممكنًا له، ولم ينذر المؤجر بوقوع الغصب فلا تسقط عنه الأجرة، وله أن يرفع على الغاصب الدعوى بالتعويض.
كما يكون للمستأجر إذا ترتب على التعرُّض بنوعيه في حالة أن حُرِم المستأجر فعلًا من الانتفاع الذي له بموجب عقد الإيجار أن:
أن يطلب الفسخ مع التعويض عما لحقه من ضرر.
أو إنقاص الأجرة بقدر ما نقص من الانتفاع في حالة أن يكون الضرر جزئيًا.
ويكون التعويض وفقًا للمبادئ العامة المقررة في القانون المدني عن فقدان المستأجر حقه المشروع والطبيعي في الانتفاع بالعين المؤجرة، وكذلك عما فات من كسب وما لحق من خسارة..”تم بحمد الله تعالى”..
*رئيس دائرة التدريب والتأهيل بديوان النائب العام
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق