دعوى بطلان حكم التحكيم وفقًا للقانون اليمني


القاضي الدكتور فضل الفهد

حكم التحكيم شأنه شأن الحكم القضائي معرض للخطأ فيه من قبل المحكم، وبالتالي يمكن القول إن حدوث الخطأ من المحكم يُعدُّ أمرًا طبيعيًا يجب توقعه، وقد يكون الخطأ في تقدير المُحكم للأدلة والإثبات، وقد يكون الخطأ في تطبيق القانون على الوقائع أو غيرها من الأمور التي تصيب الحكم، وقد يكون الخطأ في إجراءات الخصومة التي انتهت بإصدار الحكم.

إلا أنه يجب أن لا تمتد صفة النهائية والإلزامية إلى الأحكام المعيبة، ومن المعترف به بأن أحكام التحكيم المعيبة هي أحكام باطلة ومنعدمة، وفي هذا المقال سنتحدث عن البطلان كونه الوسيلة الوحيدة للطعن على أحكام التحكيم وفقًا للقانون اليمني فطلب بطلان حكم التحكيم، يقصد به تقرير بطلان الحكم وليس إصلاحه أو تعديله، وذلك إذا توافرت حالة من الحالات التي نص عليها القانون، ويجب أن تتوافر في مقدم دعوى البطلان الصفة والمصلحة، فضلًا عن شروط أخرى نص عليها التشريع اليمني، وفي هذا المقال سنتناول المقصود بدعوى بطلان حكم التحكيم وشروطها والحالات التي توجب رفعها، وذلك على النحو الآتي:

فدعوى بطلان حكم التحكيم من حيث شروطها لا تختلف عن أي دعوى، ولذا عرف المشرع اليمني الدعوى بأنها “الوسيلة الشرعية أو القانونية، لكل ذي ادَّعاء أو دفاع، يرفعه إلى القاضي للفصل فيه وفقًا للقواعد الشرعية”.

تعريف دعوى بطلان حكم التحكيم بأنها “دعوى موضوعية تقريرية تهدف إلى إزالة الشك أو التجهيل القانوني في حكم التحكيم، ويرفعها من توافرت فيه شروط حق الدعوى، وشروط قبولها العامة والخاصة والمقررة في المواد (70)، (75)، (76)، (77) من قانون المرافعات اليمني”.

ويقصد بطلب بطلان حكم التحكيم، فقط تقرير بطلان الحكم وليس إصلاحه أو تعديله، ولذا تكون المحكمة المختصة بدعوى البطلان مقيدة بالأسباب التي حددها القانون، فلا يجوز لها أن تقضي بالبطلان لأي سبب آخر، وبالتالي تقتصر سلطة القاضي عند إصداره لأمر التنفيذ على التثبت من صحة حكم المحكمين من الناحية الإجرائية، وما يقتضيه ذلك من صدوره في حدود وثيقة التحكيم، وعدم وجود ما يمنع من تنفيذه، خاصة خلوه من العيوب التي تنص عليها المادة (53) من قانون التحكيم اليمني، ولهذا لا يجوز له أن يبحث موضوع الحكم لأنه ليس هيئة استئنافية”.

ولا يخضع للبطلان إلا حكم التحكيم القطعي سواء فصل في مسألة إجرائية أو موضوعية، على أنه إذا فصل الحكم في مسألة إجرائية يتعين أن يكون الحكم قطعيًا، وعلى ذلك يخضع للبطلان الحكم التحكيمي، الذي يقضي بعدم الاختصاص أو الحكم الذي يقضي بعدم قبول الدعوى التحكيمية، لانتفاء أحد شروط قبول الدعوى، أما الحكم الذي تصدره هيئة التحكيم برفض الدفع بعدم اختصاصها، أو برفض الدفع بعدم قبول الدعوى التحكيمية، فإنه لا يخضع للبطلان إلا مع الحكم الفاصل في موضوع الدعوى.

ويجب أن ترفع دعوى البطلان في الدولة التي صدر فيها حكم التحكيم، ولو اتفق الأطراف على خضوع التحكيم لقانون تحكيم أجنبي، أو لقواعد مؤسسة تحكيمية توجد في الخارج مثل غرفة التجارة الدولية بباريس.

ويشترط لقبول دعوى بطلان حكم التحكيم، توافر شرطي الصفة والمصلحة، شأنها في ذلك شأن أي دعوى قضائية، كما ورد ذلك في قوانين المرافعات، واشترط قانون التحكيم فضلًا عن ذلك شرط الالتزام بميعاد رفع الدعوى، وحدد من له الحق في رفع الدعوى، وسنتعرف على هذه الشروط على النحو الآتي:

أولًا: الشروط العامة لقبول الدعوى:
لابد لأي دعوى قضائية أو تحكيمية من توافر شرطي الصفة والمصلحة في رفع هذه الدعوى، فدعوى البطلان لا تقبل إلا إذا كان لرافعها مصلحة قائمة أو محتملة، كما لا تقبل دعوى البطلان إلا من أطراف الدعوى التحكيمية، وهو ما أكد عليه المشرع اليمني في المادة (53) من قانون المرافعات اليمني رقم (40) لسنة 2002م على أنه “لا يجوز التمسك بالبطلان، إلا ممن شرع البطلان لمصلحته، ولا يجوز التمسك به من الخصم الذي تسبب فيه، وذلك فيما عدا الحالات المتعلقة بالنظام العام. كما نصَّت المادة (54) على أنه “يزول البطلان إذا تنازل عنه من شرع لمصلحته صراحة أو ضمنًا، فيما عدا الحالات المتعلقة بالنظام العام”.
وسنتعرف على ذلك من خلال الآتي:
المصلحة:

تُعدُّ المصلحة في رفع دعوى البطلان، هي الفائدة العملية المشروعة التي ينبغي تحقيقها في الدعوى، وشرط المصلحة لقبول الدعوى يتعلق بالنظام العام، فللمحكمة أن تثير تخلف المصلحة من تلقاء نفسها، في صورة الحكم بعدم قبول الطلب لانتفاء المصلحة، ولضمان جدية الدعوى وعدم خروجها عن الغاية التي رسمها القانون، والحد من استعمالها دون مقتضى، من أجل تخفيف العبء عن القضاء، مما يؤدي إلى سير مرفق القضاء سيرًا حسنًا، وهذا يحقق المصلحة العامة في المجتمع، كما يجب أن تتوافر المصلحة في كل ما يتمسك به المدعى عليه من طلبات ودفوع، وتتمثل مصلحته في هذه الحالة فيما يبديه من دفوع، لتفادي الحكم عليه بطلبات المدعي كلها أو بعضها، كما أن المصلحة ليست شرطًا لقبول الدعوى فحسب، بل هي شرط لقبول أي طلب أو دفع أو طعن في الحكم.

ويلاحظ أنه لا يكفي توافر المصلحة فقط لحظة رفع الدعوى، بل يتعين استمرارها في أثناء نظر طلب الدعوى حتى الفصل فيها، فإذا زالت في أثناء سير الإجراءات، فإنه يحكم بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة، وإذا رفعت الدعوى دون أن تكون المصلحة محققة لحظة رفعها، ثم تحققت المصلحة قبل الحكم بعدم القبول، فإنه لا يحكم بعدم القبول؛ لأنه لا يجوز الحكم بذلك في دعوى أن أعيد رفعها فورًا لكانت مقبولة، ويشترط في المصلحة أن تكون قانونية، وقائمة وحالة.


ب: الصفة:
وهي السلطة أو الولاية في مباشرة الدعوى، ويستمدها المدعي من كونه صاحب الحق المدعى به، أو نائبًا عن صاحب الحق، وأما الصفة في المدعى عليه، فتتمثل في كونه الذي ترفع الدعوى في مواجهته.

ويجب أن تستمر صفة المدعي والمدعى عليه معًا طوال مراحل الدعوى، فإذا تخلفت الصفة في الدعوى أو زالت في أثناء نظر الدعوى، كانت الدعوى غير مقبولة، فإذا رفعت من شخص لم يكن طرفًا في حكم التحكيم، كانت غير مقبولة لرفعها من غير ذي صفة، ولا تقبل دعوى البطلان إلا من المحكوم عليه، وإذا تعدد المحكوم عليهم كان لكلٍّ منهم أن يرفع الدعوى ببطلان الحكم بالنظر إلى السبب المتعلق به، دون غيره من أسباب البطلان المتعلقة بغيره من الخصوم.

ويجب على هيئة التحكيم التأكد من صفة رافع دعوى البطلان، إلى جانب شرط المصلحة في رفع الدعوى، وعلى هيئة التحكيم – كما هو شأن القضاء – التأكد من توافر شروط قبول الدعوى أمامها، قبل الخوض في نظر موضوع النزاع. نصت المادة (75) من قانون المرافعات اليمني على أنه “لا تقبل أي دعوى أو طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون، ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه”، كما نصَّت المادة (76) على أن “تحكم المحكمة بعدم قبول الدعوى أو الطلب أو الدفع إذا تبينت – ولو من تلقاء نفسها – أن لا صفة أو مصلحة فيها، في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

ويجب على أطراف الدعوى التحكيمية، أن تتمسك بانعدام صفة طرف فيها في الوقت المقرر قانونًا، وإلا سقط حقه بعد ذلك في التمسك بانعدام الصفة أمام محكمة البطلان، وهو الميعاد المتفق عليه بين الطرفين، أو الذي تعينه هيئة التحكيم لذلك.

وإلى جانب الشروط العامة لرفع الدعوى المحددة في قانون المرافعات، هناك شروطٌ خاصة يشترط قانون التحكيم توافرها لرفع دعوى البطلان، والهدف من هذه الشروط هو تمسك صاحب المصلحة في رفع الدعوى، وذلك برفعها بمجرد تحقق العيب الموجب للبطلان، وحتى لا تستمر خصومة التحكيم حتى نهايتها، ثم يتفاجأ المحكوم له برفع خصمه دعوى ببطلان الحكم، لعيب كان يمكنه التمسك به في أثناء الخصومة، فيضيع الوقت والجهد والنفقات، وسنتحدث عن هذه الشروط في الفقرة الآتية.
ثانيًا: الشروط الخاصة لقبول دعوى البطلان:
وردت هذه الشروط في قانون التحكيم، فيجب لرفع دعوى البطلان الالتزام برفعها في الميعاد الذي حدده القانون لرفعها، كما يجب عدم التنازل عن هذا الحق.

وسنتعرف على هذين الشرطين على النحو الآتي:
الالتزام بميعاد الطعن:

يُعدُّ ميعاد رفع دعوى بطلان حكم التحكيم، شرط من شروط الدعوى، يترتب على عدم الالتزام به عدم قبول الدعوى، وهذا الجزء من النظام العام تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها.
واختلفت التشريعات في تحديد المدة التي يجب خلالها رفع دعوى البطلان، حيث حددها المشرع المصري بتسعين يومًا من تاريخ إعلان المحكوم عليه بالحكم، بينما حدد المشرع اليمني تلك المدة بستين يومًا.

ب: عدم التنازل عن حق الاعتراض مسبقًا:
ويجب لقبول دعوى البطلان، إلا يكون مدعي البطلان، قد تنازل عن حقه في البطلان، كأن يكون قد قبل –في أثناء خصومة التحكيم- الإجراء، الذي يتمسك بتعييبه في دعوى البطلان، وقد يكون هذا القبول صريحًا أو ضمنيًا، ولهذا فإنه إذا أقر الطرف صراحة، بقبول تشكيل هيئة التحكيم دون اعتراض على أي من المحكمين، فلا يقبل منه التمسك ببطلان الحكم، بسبب عدم اتباع الإجراءات القانونية السليمة في تعيينهم، كما أن عدم اعتراض الطرف على إجراء معين في أثناء الخصومة، مع تمكنه من ذلك يُعدُّ قبولًا ضمنيًا له، ونزولًا له عن حقه في التمسك بعيوب هذا الإجراء وقد نصت المادة (9) من قانون التحكيم اليمني على ذلك.

حالات بطلان حكم التحكيم
تقضي المادة (53) من قانون التحكيم اليمني بأنه ” 1- لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الأحوال الآتية:
(أ) إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلًا وفقًا للقانون.
(ب) إذا كان أحد أطراف التحكيم فاقد الأهلية.
(ج) إذا كانت الإجراءات غير صحيحة.
(د) إذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها.
(ه) إذا تم تشكيل لجنة التحكيم، بصورة مخالفة لاتفاق التحكيم.
(و) إذا لم يكن حكم التحكيم مسببًا.
(ز) إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام، وفيما عدا هذه الأحوال المبينة في هذا القانون فإن أحكام التحكيم التي تصدر وفقًا لهذا القانون لا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات.

ونصَّت المادة (55): يجوز لمحكمة الاستئناف أن تحكم ببطلان حكم التحكيم، حتى ولو لم يطلب منها ذلك في الأحوال التالية: أـ إذا صدر حكم في مسألة لا تقبل التحكيم. ب. إذا تضمن الحكم ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام.

وفيما عدا الحالات السابقة، فإن أحكام التحكيم الصادرة وفقًا لقانون التحكيم، لا يجوز الطعن عليها بأي طريقة من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات.

*عضو شعبة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بديوان النيابة العامة


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد