في وقف الدعوى الجزائية وقفًا تعليقيًا


الدكتور/ عبدالباري الخراساني

في كثير من الأحوال قد يتعذر التصرف والفصل في الدعوى الجزائية نتيجة لارتباطها ارتباطًا وثيقًا ومصيريًا بدعوى أخرى، سواء أكانت هذه الدعوى الأخرى مدنية أم جزائية، وسواء أكانت هذه الدعوى الأخرى منظورة أمام الجهة القضائية المطروحة أمامها الدعوى الجزائية المتعذر الفصل فيها بسبب الدعوى الأخرى أم أمام جهة قضائية أخرى، وسواء أكانت هذه الجهة القضائية هي المحكمة الجزائية أيّا كانت درجتها، أم كانت النيابة العامة، فإن هذه المسألة لا تخلو من فرضين:

الفرض الأول: إذا كانت هذه الجهة هي النيابة العامة

1 – إذا كانت الدعوى الأخرى هي دعوى غير جزائية، والدعوى غير الجزائية يقصد بها المدنية والتجارية والشخصية، بل يقصد بها – في هذا المقام أيضًا – الدعوى الإدارية.
وقد وضعت التعليمات العامة للنيابة العامة قاعدة واجبة الاتباع من أعضاء النيابة العامة في كيفية التحقيق والتصرّف في القضية في هذه الحالة، حيث نصّت المادة 227 من التعليمات العامة للنيابة العامة، على أنه: إذا ثار نزاع في حق المجني عليه بسبب مدني فإن هذا لا يؤدي إلى حفظ الدعوى لعدم الجريمة بل يجب الاستمرار في التحقيق، وأن يتناول التحقيق في النزاع متى كان عنصر من عناصر إحدى الجرائم، فإذا نازع المتهم في ملكية المجني عليه للمنقول المدعى بسرقته، فيجب السير في التحقيق توصلًا لمعرفة ما إذا كان المنقول المدعى بسرقته ملكًا للمتهم أو ليس ملكًا له باعتبار هذه الملكية عنصرًا من عناصر جريمة السرقة، وكذلك إذا قام نزاع حول حيازة عقار، فيجب بحث ذلك لمعرفة مدى توفر أركان الجريمة المنصوص عليها في المادة 253 من قانون الجرائم والعقوبات.

والمادة 227 من التعليمات العامة للنيابة العامة وإن كانت تحدثت عن تعليق التحقيق في الدعوى الجزائية على مسألة مدنية، فإنما ذلك من باب التمثيل فحسب، إذ حكمها ينسحب على كل مسألة يتعلق بها التحقيق في الدعوى الجزائية ولو كانت هذه المسألة تجارية أو شخصية أو إدارية.

2 – إذا كانت الدعوى الأخرى هي أيضًا دعوى جزائية، ففي هذه الحالة تسير النيابة العامة في تحقيق الدعوى الجزائية اللاحقة أيضًا، غير أنها تكون ملزمة بالنتيجة التي يتوصل إليها التحقيق في القضية الثانية، ويختلف ذلك فيما إذا كان الفعل المؤذي الآخر يتمتع بظرف مانع من العقاب أو بظرف مخفف من العقاب، فعلى سبيل المثال، إذا تصادف فعلان مجَرّمان بحسب الأصل (على أساس أن كلا الفعلين مؤذٍ لمن وقع عليه)، فعل يمثل إيذاء من شخص على شخص أو على ماله أو على عرضه، وقوبل هذا الفعل برد فعل من الشخص نتج عنه إيذاء الشخص الأول في جسمه أو ماله، فهنا تسير النيابة في تحقيق الفعلين معًا، ويتوقف تصرفها في الفعل اللاحق على نتيجة تصرفها في الفعل السابق، فإذا توافرت حالة الدفاع الشرعي فإنه – بلا ريب – يجب على النيابة التقرير بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية عن الفعل الذي يمثل دفاعًا شرعيًا؛ لأن المدافع في هذه الحالة يتمتع بسبب من أسباب الإباحة مانع من العقاب.

أما إذا كان الفعل الآخر غير مانع من العقاب، وإن كان من باب ردّ الفعل الجائز شرعًا وقانونًا إلا أنه ظرف مخفف من العقاب فإن النيابة في هذه الحالة لا تملك التقرير بالأوراق فيه بألا وجه لإقامة الدعوى الجزائية، بل تحيل الدعوى الجزائية إلى المحكمة الجزائية ولكن مصحوبة بقيد ووصف غير الوصف المعتاد للفعل السابق غير المقترن بظرف مخفف من العقاب، ومثال ذلك حالة الشخص الذي يضبط زوجته أو أحد محارمه في حالة زنا فيقتلها هي ومن يزني بها حال ضبطهما يزنيان، ففي هذه الحالة ترفع الدعوى الجزائية على المتهم المرتكب لجريمة القتل العمد، ولكن بوصفها جريمة غير جسيمة معاقبًا عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة طبقًا لنص المادة 232 عقوبات.

مدى توافر السلطة لمحكمة ما على النيابة، تفرض على الأخيرة التوقف عن التحقيق في الدعوى الجزائية:

يحدث – غالبًا – أن يتقدم شخص ما بشكوى جزائية أمام النيابة العامة ضد شخص آخر بارتكاب جريمة على حق من الحقوق المالية للشاكي، كأن يدعي خيانة أمانة من شريكه أو من العامل الذي يعمل لديه في محله التجاري، وتشرع النيابة العامة في التحقيق باستدعاء المشكو به وسماع أدلة الشاكي، وقد تأمر النيابة العامة بإحضار المشكو به قهرًا أو بالقبض عليه لامتناعه عن الحضور باختياره، فيعمد المشكو به إلى رفع دعوى مدنية أو تجارية في موضوع سبب الحق الذي بنى عليه الشاكي شكواه الجزائية، كأن يتقدم بدعوى إثبات انتهاء الشراكة أو سبق تصفية الحساب أو انتهاء عقد المضاربة، ويطلب من المحكمة المدنية أو التجارية توجيه أمر أو مذكرة إلى النيابة بوقف التحقيق وبكف الخطاب عن المشكو به تحت مبرر أن له دعوى منظورة أمام المحكمة، وتتلقى النيابة العامة مثل هذه المذكرة بالقبول وتوقف التحقيق، بل تقرر حفظ الأوراق بحجة أن النزاع مدني ومنظور أمام المحكمة المختصّة، وهذا ما يحدث – للأسف الشديد – من بعض القضاة وأعضاء النيابة العامة.

فهل يجوز توجيه هذه المذكرة إلى النيابة العامة؟

الجواب: لا يجوز لهذه المحكمة توجيه هكذا مذكرة إلى النيابة العامة، ويُعدُّ القاضي الذي وجّه هذه المذكرة قد ارتكب خطأ مهنيًا جسيمًا يوجب مساءلته تأديبيًا، ويجوز مخاصمته من المضرور بطريق رفع دعوى مخاصمة، وذلك لما يلي:

أ – النيابة العامة ليست تابعة لهذه المحكمة ولا تخضع لإشرافها، فلا تأتمر بأوامرها ولا تنتهي بنواهيها فيما هو حق وواجب أصيل لها، وهو التحقيق والتصرُّف في الدعوى الجزائية طبقًا للقانون.

أ – موضوع الشكوى الجزائية (خيانة الأمانة) غير موضوع الدعوى المدنية أو التجارية (إثبات انتهاء الشراكة أو المضاربة أو تصفية الحساب).

ب – الشكوى مرفوعة أولًا إلى القضاء الجزائي (النيابة العامة)، والواجب على المشكو به تقديم دفاعه أمام هذا القضاء بعدم وجود أمانة لديه أصلًا؛ لانتهاء الشراكة أو المضاربة أو تصفية الحساب، ويجب على النيابة تحقيق ذلك إعمالًا لنص المادة 227 من التعليمات العامة للنيابة العامة، فإذا ثبت للنيابة صحة ما يتمسك به المشكو به فإنها ملزمة بحفظ الأوراق؛ لانعدام الجريمة.

حتى لو كان الشاكي لم يسلك الطريق الجزائي ورفع هو أولًا الدعوى بخيانة الأمانة مدنيًا أو تجاريًا أمام المحكمة المختصة، فلا يجوز لأي محكمة أخرى رفعت إليها الدعوى الثانية أن توجّه مذكرة للمحكمة الأولى بوقف السير في الدعوى، بل تحيل المحكمة الثانية إلى المحكمة الأولى القضية بناءً على دفع بالإحالة للارتباط وفقًا للقانون.

هل يجوز للنيابة العامة قبول مذكرة المحكمة المدنية المشار إليها آنفًا، وكف الخطاب عن المشكو به، ووقف التحقيق أو حفظ الأوراق؛ لهذا السبب؟

الجواب: لا يجوز للنيابة العامة ذلك للأسباب المذكورة آنفًا من جهة، ومن جهة أخرى؛ لأن النيابة العامة ممنوعة من ذلك بناء على المادة 22 إجراءات جزائية التي تنص على أنه: (لا يجوز للنيابة العامة وقف الدعوى الجزائية أو تركها أو تعطيل سيرها أو التنازل عنها أو عن الحكم الصادر فيها أو وقف تنفيذها إلا في الأحوال المبينة في القانون).

فإذا ما أقدم عضو النيابة المتصرّف بالتحقيق على قبول مذكرة المحكمة المشار إليها آنفًا، وأنهى التحقيق في القضية، فإنه يُعدُّ مرتكبًا لخطأ مهني جسيم ولجريمة إنكار العدالة؛ لأنه امتنع عن نظر طلب قُدِّمَ إليه وفقًا للقانون، وامتنع عن الفصل فيه بدون مسوغ قانوني، بل أقدم على ذلك مخالفًا للقانون مخالفة صارخة، بما يوجب مساءلته تأديبيًا وجنائيًا فضلًا عن جواز مخاصمته مدنيًا بطريق دعوى مخاصمة يرفعها المضرور طبقًا للقانون.

الفرض الثاني: إذا كانت الدعوى منظورة أمام المحكمة

هذا الفرض عالجته المواد 255 و256 و257 إجراءات جزائية كما يلي:

1 – إذا كانت الدعوى الأخرى مدنية: فقد نصَّت المادة(255) على أنه: (تختص المحكمة عند نظر الدعوى الجزائية بالفصل في جميع المسائل التي يتوقف عليها الحكم فيها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، وإذا عرضت للمحكمة مسألة غير جزائية يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجزائية وجب عليها وقف الفصل في الدعوى الجزائية حتى يتم الفصل في المسألة غير الجزائية، ويجب على المحكمة عند العودة للفصل في الدعوى الجزائية أن تأخذ بما حكم به في الدعوى غير الجزائية).

فإذا ادعى المتهم بسرقة ملكيته للمال المسروق، أو أنه صاحب الزرع أو الغرس الذي قام بقلعه من أرض غيره، أو أنه مالك الأرض أو الحائز لها التي قام بإحداث أي شيء فيها، واتهمته النيابة بالسرقة أو إتلاف الزرع والغرس أو انتهاك حرمة العقار على أنه ملك غيره، وجب على المحكمة أولًا أن ترجئ الفصل في الدعوى الجزائية حتى تبحث مسألة ملكية المتهم للمال المسروق أو للزرع والغرس أو للأرض، فإذا ثبت للمحكمة صحة ادعائه حكمت ببراءته، وإلا حكمت بإدانته، بشرط أن يثبت أن هذه الأموال هي ملك للمجني عليه المذكور في قرار الاتهام، أما إذا كانت مملوكة للغير فإن الشكوى التي جرى تحقيقها ورفع الدعوى الجزائية بناء عليها تكون قد رفعت من غير ذي صفة ومصلحة فتحكم المحكمة بعدم قبول الدعوى الجزائية ولا تحكم ببراءة المتهم؛ لأن الفعل المجرم ثابت من جهته غير أنه لم يُدع عليه وفقًا للقانون من صاحب الحق المحمي جزائيًا ومدنيًا.

2 – إذا كانت الدعوى الأخرى جزائية: فقد نصَّت المادة (256) على أنه: (إذا كان الحكم في دعوى جزائية يتوقف على نتيجة الفصل في دعوى جزائية أخرى وجب على المحكمة وقف الفصل في الدعوى الأولى حتى يتم الفصل في الدعوى الأخرى، ويتعين على المحكمة الأخذ بالنتيجة التي انتهت إليها الدعوى الأخرى).

ومن التطبيقات العملية لهذه المادة عندما تقدم النيابة العامة إلى المحكمة الجزائية شخصًا هو (أ) متهمًا بقتل شخص آخر هو (ب)، وأثناء سير القضية أمام المحكمة يقوم (ج) بوصفه وليًا لدم المقتول (ب) يقوم بقتل (أ) ثأرًا منه، فتسير النيابة العامة في تحقيق القضية الثانية وتقدم (ج) متهمًا بقتل (أ)، وفي المحكمة يدفع (ج) هذه التهمة بأنه إنما استوفى القصاص بنفسه من (أ) بوصفه قتل مورثه عمدًا عدوانًا مستندًا في دفعه إلى قوله تعالى: { وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُوما فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِیِّهِۦ سُلۡطَـٰنا فَلَا یُسۡرِف فِّی ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورا } [سُورَةُ الإِسۡرَاءِ: ٣٣]، ومستندًا أيضًا إلى المادة 902 مدني التي تنصُّ على أنه: (…. وتصح الوكالة في إثبات الحدود والقصاص واستيفائها)، وأن ما يصح للأصيل التوكيل فيه يصح توليه بنفسه.
ففي هذه الحالة يجب على المحكمة وقف السير في قضية القتل الثانية حتى تفصل في قضية القتل الأولى، فإذا تبين للمحكمة في قضية القتل الأولى أن (أ) قتل (ب) عمدًا عدوانًا موجبًا للقصاص فإنه يجب عليها أن تحكم في قضية القتل الثانية ببراءة المتهم (ج)؛ لأنه إنما قتل (أ) استعمالًا لحق مقرر بمقتضى الشرع والقانون، وهو استيفاء للقصاص عملًا بنص الآية الكريمة 33 من سورة الإسراء، وعملًا بمفهوم الموافقة لنص المادة 902 مدني، فلا يعد استيفاؤه للقصاص جريمة طبقًا للمادة 26 عقوبات، هذا ما يجب على المحكمة قوله في القضية الثانية بحسب ما تمليه القواعد العامة في استعمال الحق، غير أن ما جرى عليه في القضاء اليمني هو الحكم على من استوفى القصاص بنفسه بالتعزير بالحبس مدة لا تزيد على سنة بوصفه مفتئتًا على سلطان الدولة.

هل يترتب على وقف الفصل في الدعوى الجزائية تعليقيًا عدم السير في إجراءاتها حتى يتم الفصل في الدعوى الجزائية أو غير الجزائية المتوقفة على الفصل فيها؟

الجواب :
من نصوص المواد 255 و 256 و 257 إجراءات جزائية، يتبين أن المراد بوقف الدعوى إنما هو وقف الفصل فيها قبولًا أو رفضًا كليا أو جزئيًا، ولذلك يحب على المحكمة تحقيق الدعوى الجزائية بكافة إجراءات تحقيقها بما في ذلك الاستماع إلى شهادة الشهود، وندب الخبراء والاستجواب، وقد نصَّت المادة(257) على أنه: (لا يمنع وقف الدعوى من اتخاذ الإجراءات والتحقيقات الضرورية والمستعجلة).

وبناءً على هذا النص فإنه إذا لزم اتخاذ إجراءات احتياطية أو تحفظية أو مستعجلة في القضية الجزائية الموقوف الفصل فيها فيجب على المحكمة اتخاذها، والمحكمة الجزائية تقوم بكل هذا حتى لا تتعرض الأدلة والحقوق للضياع، ومتى استقرت المحكمة على عقيدة في الشق المدني فصلت فيه ورتبت على ذلك أمر الفصل في الدعوى الجزائية، وليس المراد بوقف الدعوى الجزائية هو تجنيبها وعدم تناول إجراءاتها كما يتبادر إلى الذهن.
والله أعلى وأعلم وفوق كل ذي علم عليم.

*أستاذ مواد المرافعات بكلية الحقوق بجامعة تعز


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد