القاضي محمود الكلدي رئيس الشعبة الجزائية المتخصّصة بعدن لـ (القضائية): العدالة الناجزة والردع القضائي ركيزتان لترسيخ الأمن وسيادة القانون


القاضي الكلدي: التنسيق بين القضاء والنيابة والأجهزة الأمنية أسهم في تسريع حسم القضايا الجسيمة

القاضي محمود الكلدي: تطوير القضاء المتخصّص والتحول الرقمي ضرورة لمواجهة الجرائم الحديثة

حوار/ عماد حلبوب

في ظل التحديات الأمنية والظروف الاستثنائية التي تمرُّ بها البلاد، يبرز القضاء الجزائي المتخصّص بوصفه إحدى الركائز الأساسية في حماية الدولة، وترسيخ سيادة القانون، من خلال اضطلاعه بمهمة النظر في القضايا المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة التي تمسُّ الأمن والاستقرار. 

تمكنت الشعبة الجزائية المتخصّصة بالعاصمة عدن، خلال هذه السنة، من مواصلة أداء رسالتها القضائية رغم شح الإمكانيات وتعقيدات المرحلة، مؤكدةً حضورها بوصفها إحدى المؤسسات القضائية الفاعلة في مواجهة أخطر التهديدات الجنائية.

في هذا الحوار الخاص، يتحدث رئيس الشعبة الجزائية المتخصّصة بالعاصمة عدن، القاضي محمود منصور عاطف الكلدي، عن طبيعة اختصاص الشعبة وأبرز إنجازاتها خلال المدّة الأخيرة، والتحديات التي تواجه عملها، والضمانات التي تكفلها لتحقيق المحاكمة العادلة، ورؤيته لمستقبل القضاء الجزائي المتخصّص وخطط تطويره، فضلًا عن رسائله للقضاة الشباب والمواطنين بشأن أهمية دعم مسيرة العدالة، وترسيخ سيادة القانون.

إلى نصّ الحوار..

س1: بدايةً، كيف تقيّمون دور الشعبة الجزائية المتخصّصة في تعزيز سيادة القانون وحماية الأمن والاستقرار؟

تضطلع الشعبة الجزائية المتخصّصة بدور محوري واستراتيجي في المنظومة القضائية، كونها تختصُّ بالنظر في القضايا ذات الطبيعة الجسيمة التي تمسُّ أمن المجتمع واستقراره في الصميم، وفي مقدمتها قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود. ومن هذا المنطلق، فإن دورها لا يقتصر على مجرد إصدار الأحكام والفصل في الخصومات الجنائية فحسب، بل يمتد ليكون أداة رادعة تسهم بشكل مباشر في ترسيخ هيبة الدولة، وبسط سيادة القانون، وتوجيه رسالة حازمة بأن العدالة قادرة على الوصول لكل من يهدد السكينة العامة.

كما أن وجود قضاء متخصّص ومحترف في هذا النوع من القضايا المعقدة يمثل صمام أمان وضمانة أساسية لتحقيق العدالة الناجزة؛ إذ تتطلب هذه الملفات خبرة قانونية نوعية، ودقة متناهية في فحص عرائض الاستئناف والردود عليها، وكذا إجراءات محكمة أول درجة وأحكامها، فضلًا عن الضرورة القصوى لتحقيق التوازن الدقيق بين حماية المجتمع ومكافحة الجريمة من جهة، وضمان الحقوق الدستورية والقانونية للمستأنفين من جهة أخرى، وهو ما تحرص الشعبة على تطبيقه بكل أمانة وحياد.

وقد أثبتت الشعبة، خلال هذه السنة، قدرة استثنائية على التعامل مع العديد من القضايا الشائكة والمعقدة، مستمدةً قوتها من نزاهة كادرها والالتزام الصارم بالنصوص القانونية، وذلك رغم الظروف الأمنية والسياسية الاستثنائية الصعبة التي تمرُّ بها البلاد. هذا الأداء الصلب أسهم بشكل ملموس في تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية، بوصفها الملاذ الآمن والملجأ الأخير لتحقيق العدالة، وإنصاف المظلومين، وحفظ الحقوق والحريات.

س2: ما طبيعة القضايا التي تدخل ضمن اختصاص الشعبة الجزائية المتخصّصة؟

ينصبّ الاختصاص الولائي للشعبة الجزائية المتخصّصة في النظر والبت في الطعون الاستئنافية المتعلقة بالأحكام والقرارات الصادرة عن المحكمة الابتدائية المتخصّصة في القضايا الإجرامية وشديدة الخطورة التي حدّدها المشرّع حصرًا. وتأتي في طليعة هذه الملفات قضايا الإرهاب والاشتراك في عصابات مسلحة، والجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي، وقضايا الجريمة المنظمة، والجرائم المرتبطة بتهريب وتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية، والقرصنة البحرية، وغيرها من الجرائم التي تحمل خطورة إجرامية خاصة، تهدد كيان الاقتصاد والأمن القومي.

وتتميز هذه القضايا بتركيبتها الفنية وتشعب إجراءاتها الجنائية، حيث تشتمل غالبًا على أطراف متعددة، وأدلة مادية وتقنية معقدة، وتحقيقات واسعة النطاق. الأمر الذي يفرض على الشعبة إجراء دراسة فاحصة ومعمقة لكل عريضة استئناف والردود عليها، وما يُقدَّم من دفوع، ومراجعة الحكم الابتدائي وتدقيقه؛ لضمان بناء الأحكام على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين.

وعلاوة على ذلك، فإن الشعبة تضع نصب عينيها في أثناء نظر هذه الجرائم الخطيرة الالتزام المطلق بالضمانات والمواثيق القانونية ومبادئ المحاكمة العادلة؛ إذ لا يبرّر خطر الجريمة مطلقًا التنازل عن سلامة التطبيق الإجرائي. وبهذا النهج، نضمن حماية المجتمع من مخاطر المجرمين، وفي الوقت ذاته نحمي حقوق المتقاضين، مكرسين مبدأ أن العقوبة لا بد أن تصدر وفق مسار قضائي سليم لا تشوبه شائبة بطلان.

س3: ما أهمية وجود قضاء متخصّص للنظر في الجرائم الجسيمة وقضايا الإرهاب والجريمة المنظمة؟

تكمن أهمية القضاء المتخصّص في طبيعة العصر الحديث الذي شهد تطورًا هائلًا ونوعيًا في أساليب ارتكاب الجرائم، حيث لم تُعَد الجريمة تقتصر على النمط التقليدي الفردي، بل تحولت إلى تنظيمات شبكية عابرة للحدود تستخدم التقنيات الحديثة والوسائل اللوجستية المعقدة. هذا التحول النوعي جعل من الضروري إيجاد قضاء نوعي يمتلك قضاة يتوفر لديهم التأهيل التخصصي العالي، والقدرة على فهم واستيعاب تكتيكات الجريمة المنظمة والإرهاب، والتعامل مع أدلتها الرقمية والمادية بكفاءة وسرعة.

فضلًا عن ذلك، فإن القضاء المتخصّص يحقّق مبدأ “العدالة الناجزة” التي تتطلب الفصل السريع والمنضبط في قضايا الرأي العام والجرائم التي تمسُّ الأمن القومي؛ إذ إن بقاء مثل هذه الملفات الحساسة لفترات طويلة في أروقة المحاكم العادية يضعف من الأثر الردعي للعقوبة، ويثير القلق في الأوساط المجتمعية. فالسرعة المدروسة والخبرة المتراكمة لدى قضاة الشعبة المتخصّصة تسهم في حسم هذه النزاعات الخطيرة من دون إخلال بضمانات التقاضي.

كما أن هذا التخصّص يمنح المنظومة القضائية ميزة التوحيد الاستراتيجي للاجتهادات القضائية في مواجهة الجرائم الاستثنائية، مما يسهل على أجهزة إنفاذ القانون والنيابة العامة فهم المعايير الصارمة التي تتطلبها المحكمة لقبول الأدلة وإدانة المتهمين. وهذا بدوره يرفع من كفاءة سلسلة العدالة الجنائية كاملة، ويعزّز من مصداقية الدولة في مكافحة هذه الآفات الخطيرة على المستويين الإقليمي والدولي.

س4: ما أبرز القضايا التي نظرتها الشعبة والأحكام التي أصدرتها خلال المدّة الأخيرة؟

شهدت الشعبة الجزائية المتخصّصة خلال المدّة الأخيرة زخمًا كبيرًا ونظرًا مكثفًا لعدد من القضايا الاستراتيجية والجسيمة التي شغلت الرأي العام، ومست الأمن والاستقرار بشكل مباشر في العاصمة عدن والمحافظات المجاورة. وتنوعت هذه القضايا بين ملفات الخلايا الإرهابية المتورطة في التفجيرات والاغتيالات السياسية، وعصابات تهريب المخدرات الدولية وتجارتها، وقضايا التقطع والحرابة والاشتراك في مجموعات مسلحة خارجة عن القانون.

وقد توجت هذه الجهود بإصدار الشعبة لأحكام قضائية في العديد من هذه الملفات، حيث بلغ ما ورد للشعبة (100 قضية) وبلغ إجمالي الأحكام الصادرة خلال المدّة المنصرمة نحو (53) حكمًا قضائيًا. خلال مدة استلام الشعبة عملها _ كان منها شهران إجازة قضائية _ وتنوعت منطوق هذه الأحكام بين تأييد العقوبات الرادعة الصادرة عن محكمة أول درجة كالإعدام والسجن المشدّد بحقّ المدانين بجرائم الإرهاب والحرابة، أو تعديل بعض الأحكام وإلغاء بعضها الآخر وتبرئة متهمين، التزامًا بروح الحقّ والعدالة التي تقتضي ألا يدان أحد إلا بدليل قاطع.

وتؤكد الشعبة أن كل حكم صدر عنها قد جاء بعد مداولات مستفيضة، وتدقيق عميق في كافة الحيثيات والملابسات، مستندًا بالدرجة الأولى إلى نصوص الدستور والقوانين النافذة ومبادئ الشريعة الإسلامية الغراء. وتظل هذه الأحكام قابلة للطعن أمام المحكمة العليا وفقًا للمسار الذي رسمه القانون، مما يؤكد شفافية ونزاهة القضاء المتخصّص وحرصه على توفير أعلى درجات الأمان القضائي لكافة أطراف الخصومة الجنائية.

س5: كيف تقيّمون مستوى الإنجاز القضائي للشعبة خلال العام القضائي الحالي؟

يسعدنا التأكيد على أن العام القضائي الحالي قد شهد طفرة ملحوظة ونشاطًا استثنائيًا في مستوى الإنجاز والفصل في القضايا، متجاوزين الكثير من العقبات اللوجستية والأمنية المحيطة. وحسب الإحصائيات الرسمية الموثقة، وكما سبق الإشارة فقد بلغ إجمالي عدد القضايا الواردة والمرحّلة إلى الشعبة خلال هذه المدّة نحو (100) قضية، في حين تمكنت الشعبة، بفضل الله وبجهود قضاتها، من الفصل وإصدار الأحكام في (53) قضية، وهو معدل إنجاز رفيع يعكس حجم المجهود المبذول.

وقد ركزت خطة العمل خلال هذا العام على تقليص حجم القضايا المتراكمة من الأعوام السابقة عبر تكثيف الجلسات وعقدها بشكل متتابع ومنتظم، وإعطاء الأولوية للقضايا التي يوجد على ذمتها محابيس قضوا رهن التحقيق أو المحاكمة لمدد طويلة، والحرص الكامل على سرعة البت في الملفات المستوفية لجميع إجراءاتها القانونية والموضوعية. هذا النهج العملي أسهم في تسريع عجلة التقاضي والتخفيف من معاناة المتقاضين، وترك أثرًا إيجابيًا ملموسًا على انتظام سير العدالة.

ويعود هذا التميّز الإنجازي بالدرجة الأولى إلى تظافر الجهود وتكاملها بين أعضاء الشعبة، والتعاون الوثيق مع النيابة العامة المتخصّصة، والتفاني المشهود من الطاقم الإداري والكتابي للشعبة. يضاف إلى ذلك التنسيق الفاعل والدائم مع وزارة العدل، ومجلس القضاء الأعلى، والجهات الأمنية المعنية بتأمين الجلسات وإحضار المتهمين من المنشآت العقابية، ممّا مكننا من تجاوز التحديات، وتحقيق هذه الأرقام المشرّفة.

س6: هل أسهمت سرعة الفصل في القضايا في تعزيز ثقة المواطنين بالقضاء؟

بكل تأكيد، إن السرعة في الفصل في القضايا _ مع الحفاظ التام على جودة الأحكام وسلامة الإجراءات _ تُعَدُّ الركيزة الأساسية والترمومتر الحقيقي لقياس ثقة المواطن بالمنظومة القضائية. فعندما يرى المواطن أن قضايا الإرهاب والحرابة والتقطع والجرائم الجسيمة التي تروع الآمنين يتمُّ النظر فيها وحسمها بأحكام عادلة ورادعة من دون تسويف أو مماطلة، يتولد لديه شعور عميق بالأمان والاطمئنان بأن هناك دولة وقضاء يحميان المجتمع، ويضربان على أيدي العابثين.

إن البطء في إجراءات التقاضي، وتحديدًا في القضايا الجزائية الخطيرة، قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج سلبية، وربما يدفع بعضهم إلى اليأس أو التفكير في اقتضاء الحقوق خارج إطار القانون، مما يهدد السلم الأهلي. لذلك، حرصنا في الشعبة على تفعيل شعار العدالة الناجزة، وهو ما انعكس إيجابًا في تزايد لجوء المواطنين ومؤسسات الدولة إلى القضاء بوصفه قناةً شرعيةً وحيدةً لإنصافهم، وتنامي القناعة العامة بأن القضاء المتخصّص هو الدرع الحصين للعدالة.

وقد تلمسنا هذا الأثر الإيجابي من خلال المتابعة المستمرة لردود أفعال المجتمع والارتياح العام الذي ساد بعد صدور عدة أحكام استئنافية حاسمة في قضايا كبرى. هذا التأييد المجتمعي يلقي على عاتقنا مسؤولية مضاعفة للاستمرار في هذا النهج، وتطوير آليات العمل لضمان بقاء القضاء في العاصمة عدن منارةً للحق، ومصدرًا ملهمًا للأمن والاستقرار، ومحط ثقة الجميع واحترامهم.

س7: ما أبرز الإنجازات التي حقّقتها الشعبة رغم الظروف الاستثنائية التي تمرُّ بها البلاد؟

إن الإنجاز الأكبر والأبرز الذي حقّقته الشعبة الجزائية المتخصّصة يكمن في استمرارها وثباتها في أداء رسالتها القضائية المقدّسة دون انقطاع، والرفض القاطع لتعطيل مصالح المواطنين أو إيقاف جلسات المحاكمات، رغم حدّة الظروف الاستثنائية المحيطة، وشح الإمكانيات، والتهديدات الأمنية المتكرّرة. لقد نجحنا في الحفاظ على انتظام الجلسات وهيبة المنصة، مكرسين حقيقة أن القضاء سلطة مستقلة لا تتأثر بالاضطرابات ولا تنحني أمام الصعاب.

كذلك، نجحت الشعبة في تفعيل قنوات التنسيق القضائي والأمني لإعادة تسيير ملفات القضايا التي تضرّرت أو توقفت نتيجة الأحداث السابقة، وتمكنا من إعادة بناء وتوثيق العديد من الملفات والوثائق القضائية الحيوية وحمايتها من التلف والضياع. هذا العمل التنظيمي الدؤوب جرى بالتوازي مع عقد جلسات محاكمة علنية وشفافة حظيت بحضور وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، مما أثبت للعالم أجمع التزامنا الصارم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان والمحاكمة العادلة في أحلك الظروف.

كما استطاعت الشعبة، من خلال أحكامها المتزنة والقوية، إيجاد بيئة ردع قضائية حقيقية أسهمت بشكل غير مباشر في مساندة جهود الأجهزة الأمنية في تثبيت الأمن بالعاصمة عدن والمحافظات المجاورة، حيث شكلت الأحكام القضائية الصارمة حائط صد جنائي أمام انتشار العصابات المسلحة ومافيا تهريب الممنوعات. هذا الصمود والتميّز القضائي يُعَدُّ قصة نجاح مؤسسية تؤكد صلابة الإرادة القضائية، وعزمها على حماية الوطن والمواطن.

س8: هل هناك قضايا نوعية ما زالت منظورة أمام الشعبة؟

نعم، توجد حاليًا أمام الشعبة الجزائية المتخصّصة مصفوفة من القضايا النوعية والحساسة التي ما زالت قيد النظر والمحاكمة، وتتسم هذه القضايا بتعقيدها البالغ وأبعادها المتعددة المرتبطة بالأمن القومي، والسلم الاجتماعي.

ومن بين هذه الملفات قضايا تتعلق بخلايا تخريبية متهمة بالتخابر والتخطيط لعمليات إرهابية نوعية، وتهريب شحنات ضخمة من المواد المخدرة والأسلحة عبر المنافذ البحرية والبرية.

وانطلاقًا من الالتزام الأخلاقي والقانوني الصارم بمبدأ سرية المداولات القضائية، واحترامًا لقدسية سير إجراءات التقاضي، فإنَّه يمتنع علينا الخوض في التفاصيل الدقيقة أو الأسماء أو الوقائع الخاصة بتلك القضايا المنظورة حتى لا يؤثر ذلك على مجريات العدالة أو يخل بحقوق الأطراف.

 إلا أنّنا نؤكّد للرأي العام أنَّ هذه الملفات تُدرَس بعناية فائقة، ويتم التعامل معها بأعلى درجات الحيادية والمهنية والموضوعية؛ لضمان كشف الحقيقة كاملة.

ونود الإشارة إلى أن جميع القضايا المنظورة تحظى بذات القدر من الاهتمام القانوني من دون تمييز، وأن المعيار الأوحد والفيصل النهائي للفصل فيها هو مدى استكمال الإجراءات الشكلية والموضوعية، وتوافر الأدلة الدامغة والبينات الشرعية.. فالعدالة في محراب هذه الشعبة لا تخضع للمؤثرات الخارجية، بل تستند حصرًا لضمير القاضي والنصوص القانونية الثابتة، وسيجري الفصل فيها وإعلان أحكامها في جلسات علنية بمجرد جهوزيتها قانونًا.

س9: ما أبرز التحديات التي تواجه عمل الشعبة الجزائية المتخصّصة؟

تواجه العمل القضائي في بلادنا بصورة عامة، والشعبة الجزائية المتخصّصة بصورة خاصة، تحديات جمة ومعقدة تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة، ويأتي في مقدمة هذه التحديات شح الإمكانيات المتاحة، مقارنة بالتدفق الكمي والنوعي الضخم للقضايا الجسيمة المعروضة علينا.. فالشعبة بحاجة ماسة لتحديث بنيتها المكتبية والتقنية، وتعزيز الميزانيات التشغيلية التي تتناسب مع طبيعة وحجم المهام الجسيمة الملقاة على عاتقها.

كما تشكل الجوانب الأمنية واللوجستية تحديًا لعمل الشعبة وقضاتها وطاقمها الإداري؛ نظرًا لخطورة ونوعية المتهمين في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة، الذين يتبعون في كثير من الأحيان شبكات وعصابات مسلحة شرسة.

 هذا الوضع يتطلب توفير بنية تحتية أمنية لمبنى المحكمة، وتأمين تنقلات القضاة، وضمان حماية الشهود والمتقاضين، فضلًا عن الصعوبات اللوجستية المرتبطة بنقل المتهمين الخطرين من السجون المركزية إلى قاعة المحكمة بانتظام.

ورغم ثقل هذه التحديات فإنّنا مستمرون في أداء رسالتنا القضائية بكل أمانة، ومسؤولية، واقتدار، لا يثنينا عن ذلك نقص إمكانيات أو خطورة ظرف؛ انطلاقًا من إيماننا الراسخ وعقيدتنا القضائية بأن العدالة هي الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع، وأن غياب القانون هو المنزلق الأخطر الذي يجب حماية الوطن من الوقوع فيه مهما كلف الثمن.

س10: هل تعاني الشعبة من نقص في الكادر القضائي أو الإداري؟

في الواقع، يمثل نقص الكادر القضائي المؤهل والطاقم الإداري المساعد أحد التحديات البارزة التي نلمس أثرها بشكل دائم؛ إذ إن حجم القضايا المحالة إلينا في المحكمة الابتدائية قد بلغ 300 قضية، ويوجد قاضيان فيها، وهي في تزايد مستمر نتيجة للجهود الأمنية المكثفة في مكافحة الجريمة، بينما يظل عدد القضاة والموظفين الإداريين لا يتناسب طرديًا مع هذا التوسع.. هذا النقص يضع أعباءً وظيفيةً وضغوطًا ذهنيةً وبدنيةً مضاعفةً على الكادر الحالي للاستمرار في الفصل في القضايا من دون حدوث تراكم أو تأخير.

ولا يقتصر الاحتياج على الجانب العددي فحسب، بل يمتد إلى الحاجة الماسة للكادر الإداري التخصصي والفني المؤهل لمواكبة الجرائم الحديثة؛ والخبراء التقنيين في مجال جرائم المعلوماتية والأدلة الرقمية.. فالقاضي يحتاج إلى طاقم معاون يمتلك مهارات نوعية ليتمكن من معالجة ملفات الجريمة المنظمة بكفاءة واحترافية تامة، وضمن السقوف الزمنية المحدّدة.

وحتى يتحقّق ذلك، نعتمد على استراتيجية تنظيمية لإدارة الوقت، وتوزيع المهام، وتكثيف ساعات العمل اليومية لضمان عدم تأثر مصالح المتقاضين، واستمرار التدفق الطبيعي لمعاملات المواطنين وملفاتهم.

س11: إلى أي مدى تؤثر الإمكانيات الفنية والبُنْية التحتية على سير العمل القضائي؟

إن الإمكانيات الفنية والبُنْية التحتية المتطورة لم تُعَد مجرد وسائل ترفيهية أو تكميلية، بل غدت في العصر الحالي ركيزة بنيوية تؤثر تأثيرًا مباشرًا وحاسمًا على دقة سير العمل القضائي وسرعته، فالقضاء ما زال يعتمد في كثير من أعماله على النظام الدفتري والورقي التقليدي، وهو نظام مستهلك للوقت والجهد، ومعرّض لمخاطر التلف أو الفقدان نتيجة الرطوبة أو الحرائق أو الظروف الأمنية، فضلًا عمَّا يتطلبه من مساحات تخزينية هائلة ومؤمنة بصعوبة.

لذلك، فإن توفير بنية تحتية رقمية ومبنى قضائي حديث مجهز بالوسائل الفنية المتقدمة _ مثل أنظمة المحاكمة المرئية عن بُعد لقضايا الإرهاب شديدة الخطورة، وقاعات التداول المخصّصة والمحمية تقنيًا _ من شأنه أن يعجز بالجريمة، ويوفر بيئة آمنة ترفع من كفاءة القضاة بنسبة كبيرة.

س12: ما احتياجات الشعبة التي ترون أنَّها ستسهم في رفع مستوى الأداء؟

تتلخص احتياجات الشعبة الجزائية المتخصّصة في حزمة من المتطلبات حيث يأتي في مقدمتها التحول الرقمي والأرشفة الإلكترونية لجميع ملفات الشعبة، وتزويدها بشبكة حواسب آلية حديثة، وبرمجيات متطورة لإدارة القضايا. 

هذا التحول سيمكننا من متابعة مسار الطعون بدقة، ويسهل على القضاة والمحامين الوصول للمستندات والأحكام بسرعة قياسية، مما يختصر نصف الوقت المستغرق حاليًا.

أمَّا الاحتياج الثاني فهو تعزيز المنظومة الأمنية للشعبة من خلال توفير مقر قضائي أفضل، مجهز بأحدث وسائل المراقبة الإلكترونية، وبوابات الفحص الأمني، وقاعات محاكمة بأعلى المعايير لحماية الأرواح والوثائق السيادية.. يرافق ذلك ضرورة توفير وسائل نقل آمنة، وتوفير الأجواء النفسية المستقرّة لأداء المهام الجسيمة بعيدًا عن ضغوط الاستهداف.

إن تلبية هذه الاحتياجات وتعزيز الموازنات التشغيلية، لن يكون مجرد دعم للشعبة، بل هو استثمار حقيقي ومباشر في تعزيز ركائز الأمن والاستقرار، والعدالة في العاصمة عدن والبلاد عامة.

س13: كيف تضمن الشعبة تحقيق معايير المحاكمة العادلة للمتهمين؟

تضع الشعبة الجزائية المتخصّصة مبادئ المحاكمة العادلة ومعاييرها في صدارة أولوياتها ومبادئها التوجيهية، وتجسد الشعبة هذا الالتزام من خلال التدقيق بما يُقدَّم لها من عرائض استئناف وردود عليها، وكذا سلامة جميع الإجراءات المتّخذة بمحاضر الاستدلالات وتحقيقات النيابة وفي المحكمة الابتدائية بحقّ المستأنف، كما تضمن الشعبة كفالة حقّ الدفاع بوصفه حقًّا أصيلًا لا يمكن المساس به أو تقييده تحت أي ظرف، حيث تتيح للمستأنفين ودوائر دفاعهم كامل الحرية والوقت الكافي لتقديم دفوعهم، ومرافعاتهم الشفوية والمكتوبة، وتلتزم الشعبة بعلنية الجلسات لضمان الرقابة الشعبية والحقوقية على مسار المحاكمات، ولا يتم اللجوء للمحاكمات السرية إلّا في النطاق الضيق جدًّا الذي يحدده القانون حصرًا لحماية الأمن القومي أو الآداب العامة.

إن عقيدتنا القضائية ثابتة بأن الغاية من القضاء ليست مجرد إنزال العقاب، بل الوصول إلى الحقيقة المجردة وضمان ألا يُظلَم أحد، أو يُمسُّ في حريته وحقوقه إلَّا بموجب نصوص واضحة وإجراءات قانونية سليمة بنسبة مائة بالمائة. فالعدالة الحقّة لا تستقيم أبدًا إذا هُدِرَت ضمانات المستأنف، وسير الإجراءات القانونية وسلامتها تُعَدُّ من سلامة الحكم وصحته، وهو ما نحرص على تبيانه وترسيخه في كافة الأحكام الصادرة عن هذه الشعبة.

س14: ما الضمانات القانونية التي تحرصون على تطبيقها في أثناء نظر القضايا؟

تتعدد وتتنوع الضمانات القانونية الإجرائية والموضوعية التي تحرص الشعبة على تطبيقها وتكريسها في أثناء نظر القضايا لضمان سلامة المنتج القضائي، وفي مقدمتها كفالة حقّ الاستعانة بمحامٍ؛ إذ لا يمكن للشعبة أن تباشر محاكمة المستأنف في قضية جسيمة من دون وجود محامٍ يدافع عنه، وفي حال عدم قدرة المستأنف المادية على توكيل محامٍ، تقوم الشعبة فورًا وبموجب القانون بانتداب محامٍ على نفقة الدولة ليتولى الدفاع عنه؛ لضمان تكافؤ الفرص أمام القانون.

وتلتزم الشعبة أيضًا باطلاع أطراف الخصومة على عريضة الاستئناف والردّ عليها، وإعطائهم كل الفرص للإثبات أو النفي، كما أن الشعبة تلتزم بالتسبيب القانوني والموضوعي الشامل لجميع أحكامها وقراراتها، بحيث يتضمن منطوق الحكم ردًّا سائغًا ومفصلًا على كافة ما جاء في أسباب الاستئناف، ممَّا يتيح للمتقاضين وللمحكمة العليا بسط رقابتها القانونية على الحكم ومعرفة الأسانيد التي بنى عليها القضاة قناعتهم الوجدانية. إن هذه المنظومة المتكاملة من الضمانات تمثل السياج القانوني المنيع الذي يحمي الحقوق، ويجسد التطبيق الأمثل والنزيه للعدالة.

س15: كيف توازنون بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق والحريات العامة؟

إن التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحماية السكينة العامة من جهة، وصيانة الحقوق والحريات العامة للمواطنين وضماناتها الدستورية من جهة أخرى، يمثل التحدي الأكبر والمعادلة الدقيقة التي يسعى القضاء الجزائي المتخصّص لضبطها بكل حكمة واقتدار. ونحن ننطلق من رؤية قانونية واضحة ترى أنَّه لا وجود لأمن حقيقي ومستدام من دون سيادة القانون واحترام الحريات، كما أنَّه لا يمكن للحريات والحقوق أن تُمارس وتُصان في بيئة يهددها الإرهاب والفوضى والجريمة المنظمة.

لذلك، فإن معيارنا الصارم في تحقيق هذا التوازن هو “الالتزام الحرفي بنصوص القانون”، فالأجهزة الأمنية شريك رئيس في مكافحة الجريمة، ولكن يجب أن تتحرك إجراءاتها وتدابيرها الضبطية والوقائية في إطار المربعات التي رسمها القانون وتحت الإشراف المباشر للنيابة العامة والقضاء. فالقضاء في شعبتنا يمثل صمام الأمان والرقيب القضائي الذي يمنع أي تجاوز أو تعسف قد يشوب التدابير الأمنية، من خلال إبطال أي إجراء أمني يتعدى على حريات المواطنين من دون مسوغ قانوني أو أمر قضائي مسبق.

وبهذه الطريقة، يصبح مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عملًا مؤسسيًا مشروعًا ومؤيدًا بقوة القانون، مما يكسب الدولة المصداقية الداخلية والدولية، ويقطع الطريق على المشككين. إن رسالتنا واضحة: نضرب بيد من حديد وبقوة القانون كل من يسعى لترويع المجتمع وتدمير أمنه، ولكننا في الوقت ذاته نحمي بحزم وقدسية كرامة وحقوق كل فرد وحريته، وضمن الحدود والضمانات التي شرّعها الدستور والقوانين النافذة.

س16: ما دور الطعن بالنقض في تعزيز ضمانات التقاضي؟ خاصة وأن أحكام الشعبة تكفل هذا الحقّ وفقًا للقانون.

يُعَدُّ الطعن بالنقض أمام الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا أعلى مراتب الضمانات القضائية في منظومتنا القانونية، ويمثل قمة الهرم الجنائي لحماية الحقوق؛ كونه يتيح جهة قضائية عليا ومحايدة تتولى مراقبة مدى التزام الشعبة الاستئنافية بالتطبيق السليم والتفسير الصحيح للقانون. إن إتاحة هذا الحقّ بقوة القانون لكافة المحكوم عليهم في الأحكام الصادرة عن الشعبة يمنح المتقاضين شعورًا عميقًا بالعدالة والأمان، ويزيل أي هواجس قد تنتابهم بشأن احتمالية حدوث خطأ بشري في الأحكام.

وتتجلى أهمية الطعن بالنقض في كونه “محكمة قانون لا محكمة موضوع”، حيث ينصب دورها على فحص الحكم الاستئنافي للتأكد من خلوه من عيوب الخطأ في تطبيق القانون، أو الخطأ في تأويله، أو البطلان في الإجراءات التي أثرت في الحكم، أو انعدام التسبيب. هذا التدقيق الرفيع يجبر قضاة الشعبة الجزائية المتخصّصة _ ونحن منهم _ على بذل أقصى درجات العناية الفنية والجهد القانوني عند صياغة الأحكام وتسبيبها؛ لضمان صدورها متكاملة الأركان ومحصّنة قانونًا أمام محكمة الرقابة العليا.

لذلك، فإن الشعبة تحرص بشدة، عند النطق بأحكامها، على إفهام المحكوم عليهم صراحةً بحقهم القانوني في الطعن بالنقض والمدد الزمنية المحدّدة لذلك، وتسهل كافة الإجراءات الإدارية لتقييد الطعون، وإرسال الملفات إلى المحكمة العليا. إن كفالة هذا الحقّ وتيسيره يعكس الشفافية المطلقة لقضائنا المتخصّص، ويؤكّد أنّنا لا نبتغي إلّا الحق والعدالة، مرسخين ثقافة مؤسسية تقوم على احترام تدرج التقاضي وضمان وصول كل ذي حقّ إلى حقّه كاملًا غير منقوصٍ.

س17: هل هناك تطور في أساليب الجريمة يستوجب تطوير التشريعات والإجراءات القضائية؟

بكل تأكيد، إن عالم الجريمة في تجدد وتطور دائم، والجماعات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة باتت تستغل، وبشكل واسع، التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات المشفرة، والعملات الرقمية الافتراضية لإدارة أنشطتها، وتمويل خلاياها، وتجنيد عناصرها عن بُعد، بعيدًا عن الرقابة التقليدية.. هذا التطور التكنولوجي للجريمة أفرز أنماطًا إجرامية جديدة ومركبة لم تكن معهودة من قبل في منظومتنا العقابية التقليدية.

هذا الواقع التقني الجديد يستوجب، وبشكل ملح، إحداث ثورة تشريعية وتحديث شامل للقوانين الجزائية الموضوعية والإجرائية الحالية، التي صِيغ معظمها في عقود سابقة ولم تُعَد تستوعب بمرونة الأدلة الرقمية السبرانية أو آليات مكافحة غسل الأموال والجرائم الإلكترونية المعقدة. 

إنّنا بحاجة إلى تشريعات ديناميكية متطورة تمنح جهات التحقيق والقضاء صلاحيات فنية واضحة للتعامل مع الأدلة الرقمية، وتحدد معايير حجيتها، وتجرم الأشكال المستحدثة للدعم اللوجستي والإلكتروني للإرهاب.

وحتى يتحقّق هذا التطوير التشريعي المنشود، فإن الشعبة لا تقف مكتوفة الأيدي، بل تعتمد على التفسير القانوني الواسع والمقاصدي للنصوص الحالية ومبادئ الشريعة الإسلامية العامة لضمان عدم إفلات المجرمين التقنيين من العقاب. 

ولكن يبقى التحديث التشريعي، ومواكبة الاتفاقيات الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، ضرورة قصوى لحماية أمننا القومي، وتحصين مجتمعنا من مخاطر الجيل الحديث من الجرائم.

س18: كيف تقيّمون مستوى التنسيق بين القضاء والأجهزة الأمنية والنيابة في مكافحة الجرائم المنظمة؟

إن مواجهة الجرائم المنظمة والإرهابية وتفكيك شبكاتها المعقدة لا يمكن أن تتأتى من خلال جهود فردية أو معزولة، بل تتطلب تكاملًا مؤسسيًا وتنسيقًا عالي المستوى بين مختلف الجهات المعنية بإنفاذ القانون.. فالمنظومة الجنائية عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات تبدأ من التحريات والضبط القضائي للأجهزة الأمنية، ومرورًا بالتحقيق والادعاء للنيابة العامة، وتتوج بالمحاكمة وإصدار الأحكام من قِبل القضاء.

ونحن نقيم مستوى التنسيق الحالي بأنَّه إيجابي وبنَّاء، وقد شهد تطورًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة؛ مما أسهم في سرعة إحالة العديد من القضايا الكبرى إلى القضاء، واستكمال إجراءاتها بصورة قانونية سليمة أدَّت إلى إصدار أحكام رادعة منعت إفلات مرتكبي الجرائم الخطيرة من العقاب، هذا التعاون المشترك أثمر في تجفيف كثير من بؤر الجريمة، ورفع كفاءة المواجهة الجنائية الشاملة ضد الإرهاب والتهريب في العاصمة عدن.

وفي المقابل، فإنّنا في الشعبة الجزائية المتخصّصة نحرص كل الحرص على أن يتم هذا التنسيق والتعاون في إطار من الاحترام الصارم لمبدأ الفصل بين السلطات، والالتزام الكامل بالقانون والحقوق الدستورية؛ إذ إن مكافحة الجريمة – مهما بلغت خطورتها – لا ينبغي ولا يسمح لها القانون بأن تكون على حساب الضمانات القانونية للمتهمين.. فالقضاء يظل حكمًا محايدًا ومستقلًا، يراقب مشروعية الإجراءات الأمنية ويصوبها؛ لضمان أن تكون مسيرة مكافحة الجريمة نظيفة، وقانونية، ومحقّقة للعدالة الحقّة.

س19: كيف ترون دور القضاء في تجفيف منابع التطرف والإرهاب؟

يلعب القضاء دورًا حاسمًا وغير مباشر في تجفيف منابع التطرف والإرهاب، فالردع القضائي المتمثل في إصدار الأحكام العادلة، والصارمة بحقّ قادة التنظيمات الإرهابية وعناصرها يمثل أقوى رسالة تحذيرية لكل من يفكر في السير في هذا الطريق المظلم، مما يثبط عمليات التجنيد الجديد ويحجم تمدد الفكر المتطرف.. فالعدالة الناجزة تقضي على شعور (الإفلات من العقاب) الذي تراهن عليه العصابات.

علاوة على ذلك، يمتد دور القضاء إلى تجفيف المنابع المالية واللوجستية للإرهاب من خلال تفعيل العقوبات التكميلية والموضوعية؛ مثل مصادرة الأموال، والأصول، والعقارات، والأدوات المستخدمة أو الناتجة عن هذه الجرائم، وتجميد الحسابات المصرفية المشبوهة المرتبطة بتمويل الإرهاب وغسل الأموال.. هذه التدابير القضائية الصارمة تقطع الشريان الاقتصادي المغذي للشبكات الإجرامية، وتجعلها عاجزة عن تمويل عملياتها أو استقطاب عناصر جديدة.

ومن الناحية الفكرية والمجتمعية، فإن قيام القضاء بضمان محاكمات علنية وعادلة ينكشف فيها زيف الادعاءات والشعارات التي ترفعها الجماعات المتطرفة، ويسهم في تحصين الوعي المجتمعي وكشف الوجه الإجرامي القبيح للإرهاب أمام عامة الناس.. فالعدالة عندما تطبق بنزاهة وشفافية تسحب البساط من تحت دعاوى المظلومية والتهميش التي تستغلها التنظيمات المتطرفة لتجعل منها بيئة خصبة للتجنيد، مرسخةً الاستقرار والأمن الفكري في المجتمع.

س20: ما خططكم المستقبلية لتطوير أداء الشعبة الجزائية المتخصّصة؟

نسعى إلى تطوير الشعبة والعمل القضائي والإداري بشكل أكبر ونرى أن المستقبل يسير نحو أتمتة القضاء بكافة مراحل سير الدعوى القضائية بدءًا من قيد الطعن الاستئنافي، ومرورًا بجدولة الجلسات وإصدار الإخطارات، ووصولًا إلى طباعة الأحكام وحفظها إلكترونيًا.

إن السير في هذا التوجه يتضمن إنشاء نظام متطور للأرشفة الإلكترونية والمسح الضوئي لكافة الملفات والسجلات، وحفظها في قواعد بيانات مركزية محمية بأعلى مستويات الأمن السيبراني.. هذا الإجراء لن يسهم في حماية وثائق الدولة السيادية وقضايا المواطنين الحساسة من مخاطر التلف أو الفقدان فحسب، بل سيتيح للقضاة وأطراف الدعوى إمكانية الاستعلام السريع والآمن عن مسار القضايا، ممّا يختصر الجهد والوقت ويقضي على البيروقراطية الإدارية.

كما أنّنا نرى أهمية تكثيف الدورات التدريبية التخصّصية للكادر الإداري لرفع كفاءتهم في التعامل مع الأنظمة الحديثة، مؤمنين بأن تطوير أدوات العدالة هو السبيل الوحيد لترسيخ هيبة القضاء، وتحقيق تطلعات المجتمع في قضاء عصري، ونزيه، وناجز.

س21: ما رسالتكم للقضاة الشباب والعاملين في السلك القضائي؟

رسالتي وتوجيهي لأبنائي وإخواني من القضاة الشباب والعاملين في السلك القضائي هي تذكيرهم بعظمة وقَدْر الرسالة السامية التي يحملونها على عاتقهم؛ فالقضاء ليس مجرد وظيفة أو مهنة رفيعة، بل هو ولاية شرعية وعبء أخلاقي ووطني ثقيل، جعلكم مستخلفين في الأرض لإقامة العدل بين الناس ونصرة المظلوم.

لذا، فإن أولى واجباتكم هي التمسك المطلق بالنزاهة، والاستقلالية، والتجرد التام، والنأي بأنفسكم وبالمحراب القضائي عن أي تجاذبات أو مصالح شخصية ضيقة.

وأحثكم بشدة على عدم التوقف عن طلب العلم والاستزادة المعرفية والبحث القانوني المستمر؛ فعالم القانون متطور، والجرائم تتجدد، والقاضي الناجح هو من يسلح نفسه بالاطلاع الدائم على أحدث التشريعات، والاجتهادات القضائية، والتقنيات الحديثة ليكون قادرًا على الفصل في الخصومات عن علم وبصيرة.. واجعلوا من الصبر، وسعة الصدر، وحسن الاستماع للمتقاضين ودوائر الدفاع ديدنكم في العمل، فإن كرامة المتقاضي وضمانات حريته هما مرآة لعدالة المحكمة ونزاهتها.

واعلموا أن التحديات والصعاب الحالية التي تمرُّ بها البلاد وشح الإمكانيات يجب ألّا تكون مبررًا للتقاعس أو الإحباط، بل هي الدافع والميدان الحقيقي لإثبات وطنيتكم وولائكم لقيم الحقّ والعدالة.

إن مستقبل القضاء في بلدنا يرتكز على سواعدكم وعقولكم النيرة، فكونوا على قدر هذه المسؤولية التاريخية، واجعلوا مخافة الله ونصوص القانون رائدكم الأوحد؛ لتسهموا في بناء دولة النظام والقانون التي ينشدها الجميع.

س22: ما رسالتكم للمواطنين بشأن دور القضاء بشكل عام والشعبة الجزائية المتخصّصة على وجه الخصوص؟

رسالتي الصادقة والموجهة لجميع الأخوة المواطنين هي أن القضاء كان وسيظل دائمًا الحصن المنيع والملجأ الآمن لحماية حقوقكم، وصيانة حرياتكم، والدفاع عن سكينتكم واستقراركم في مواجهة شتّى صور الجريمة.

إن العدالة هي الركيزة الأساسية والشرط الأول والوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة؛ فلا يمكن لبلد أن ينهض أو ينعم بالسلام من دون قضاء قوي ومستقل يبسط هيبة القانون فوق الجميع بلا تمييز.

ومن هنا، فإنّنا ندعو كافة المواطنين وفعاليات المجتمع المدني إلى تعزيز الثقة بالمؤسسات القضائية الرسمية، والالتزام الكامل بالطرق القانونية عند المطالبة بالحقوق أو رفع التظلمات، والابتعاد المطلق عن أي وسائل عشوائية أو عنيفة خارجة عن إطار القانون والنظام. 

إن وعي المواطن وتعاونه مع القضاء والأجهزة الأمنية، من خلال الإبلاغ عن الجرائم واحترام الأحكام القضائية، يمثل حجر الزاوية في إنجاح جهود مكافحة الجريمة والإرهاب.

ونؤكّد لكم بكل ثقة ويقين أن الشعبة الجزائية المتخصّصة بالعاصمة عدن ستواصل أداء رسالتها القضائية والدستورية بكل حياد، واستقلالية، وعزيمة لا تلين، وسنبذل في سبيل ذلك قصارى جهودنا وطاقاتنا للفصل العادل في قضاياكم وإنصاف المظلومين، سائلين المولى عز وجل أن يوفقنا لخدمة الحقّ، وترسيخ سيادة القانون في مجتمعنا.

س23: ختامًا: في ظل التحديات الراهنة، كيف تنظرون إلى مستقبل القضاء الجزائي المتخصّص في اليمن، وما هي رؤيتكم لتعزيز استقلاليته وفاعليته خلال المرحلة المقبلة؟

إنّنا ننظر إلى مستقبل القضاء الجزائي المتخصّص في بلادنا بعين من التفاؤل والأمل المستند إلى إرادة صلبة ورغبة حقيقية في الإصلاح والتطوير؛ فرغم قسوة التحديات والظروف الراهنة، فإن الأزمات تخلق الفرص لإعادة بناء المؤسسات على أسس أكثر متانة وحديثة.

إن القضاء المتخصّص هو حجر الزاوية في مرحلة التعافي وبناء الدولة؛ كونه يمثل الأداة القانونية الأقوى لحسم الملفات الكبرى وتجفيف منابع الفوضى، مما يهيئ البيئة الآمنة للاستقرار والتنمية وجذب الاستثمارات.

ولتعزيز استقلالية القضاء وفاعليته خلال المرحلة المقبلة يتطلب تطبيقًا حقيقيًا وملموسًا لمبدأ الفصل بين السلطات، ومنح السلطة القضائية المزيد من الاستقلال عن السلطة التنفيذية.. كما تتطلب الرؤية رعاية مادية وأمنية كريمة للقضاة ومساعديهم تتناسب مع حجم المخاطر الجسيمة التي يواجهونها في القضاء المتخصّص.

أمَّا على صعيد الفاعلية، فيجب مواصلة التحديث الهيكلي والتقني للمحاكم، ورفد القضاء المتخصّص بالكوادر النوعية المتميّزة وتأهيلهم دوليًا لمواكبة التطور العالمي في مكافحة الجريمة.. إن بناء قضاء جزائي متخصّص وقوي، محصن بالاستقلالية والنزاهة، ومزود بالوسائل الحديثة، ليس خيار تكميلي، بل هو ضرورة حتمية وواجب وطني مقدس لضمان مستقبل أمن هذا البلد وأجياله القادمة.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد