توضيح للرأي العام حول نشر أسماء المحكوم عليهم في الأحكام القضائية
جواد النابهي – القضائية
تصل إلى «القضائية» وإلى منصات الإعلام القضائي، بين حين وآخر، تساؤلات من عدد من المتابعين والمعلقين حول سبب الاكتفاء بذكر الأحرف الأولى من أسماء المحكوم عليهم عند نشر أخبار الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية، بدلًا من نشر الأسماء كاملة.
وتأتي هذه الملاحظة في إطار الاهتمام الذي يبديه الجمهور بما تنشره المنصات الإعلامية القضائية من أخبار وقرارات وأحكام، وهو اهتمام نرحب به، ونرى أن من المهم توضيح الأساس الذي يحكم هذه الممارسة الإعلامية.
*الحكم الابتدائي لا يمثل نهاية القضية
السبب الرئيس وراء ذلك هو أن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية يمثل مرحلة من مراحل التقاضي، وليس بالضرورة حكمًا نهائيًا باتًا؛ إذ يظل من حق أطراف الدعوى، وفقًا للقانون، سلوك طرق الطعن المقررة، ومن بينها الاستئناف، وما قد يترتب على ذلك من نظر القضية أمام درجة قضائية أعلى.
وبالتالي، فإن ما تنشره «القضائية» عن حكم ابتدائي يجب أن يُفهم في إطاره الصحيح: هو نقل لما قضت به المحكمة في تلك المرحلة من مراحل التقاضي، وليس إعلانًا بأن القضية وصلت إلى نهايتها القضائية.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز الإعلامي بين الحكم الابتدائي والحكم النهائي، خصوصًا في القضايا الجزائية التي تترتب على نشر تفاصيلها وآثارها الإعلامية اعتبارات قانونية واجتماعية تمس أطراف القضية.
*لماذا الأحرف الأولى؟
الاقتصار على الأحرف الأولى عند تناول الأحكام الابتدائية يأتي كنهج تحريري يراعي طبيعة المرحلة القضائية التي صدر فيها الحكم، ويحقق قدرًا من التوازن بين حق المجتمع في المعرفة والاطلاع على نشاط المحاكم، وبين عدم التعامل مع الحكم الابتدائي على أنه نهاية مطلقة للخصومة القضائية.
فالقضائية لا تتجاهل الحكم، ولا تقلل من قيمته، بل تنشر منطوقه وما يتصل به من وقائع وإجراءات قضائية وفق ما تسمح به طبيعة النشر، مع الإشارة إلى المحكمة التي أصدرته والجهة القضائية المختصة، بما يتيح للمتابع معرفة مضمون الحكم ومساره القضائي دون التوسع في نشر بيانات شخصية قد تتغير دلالتها القانونية مع استمرار مراحل التقاضي.
*من حق الجمهور أن يعرف.. ومن حق المتقاضي أن يستكمل دفاعه
الإعلام القضائي يقوم على معادلة دقيقة؛ فمن جهة، هناك حق المجتمع في معرفة ما تقوم به المحاكم والنيابات من أعمال، وتعزيز الثقة بمؤسسات العدالة، وإبراز ما يصدر عن القضاء من أحكام وقرارات.
ومن جهة أخرى، هناك حقوق قانونية للمتقاضين، وفي مقدمتها حقهم في الطعن في الأحكام وفق الإجراءات والمواعيد التي يحددها القانون.
ولهذا فإن نشر الحكم الابتدائي باعتباره حكمًا ابتدائيًا، مع الاكتفاء بالأحرف الأولى في بعض الحالات، لا يعني التشكيك في الحكم أو الانتقاص من القضاء، وإنما يعكس طبيعة المرحلة التي صدر فيها الحكم.
*وماذا بعد الاستئناف؟
عندما تنتقل القضية إلى مرحلة الاستئناف، يصبح من المهم إعلاميًا الإشارة إلى ما انتهت إليه المحكمة المختصة في الدرجة التالية، باعتبار أن القضية ما زالت تسير ضمن مسارها القضائي.
أما عند صدور حكم نهائي مستوفٍ لمراحل التقاضي المقررة قانونًا، فإن التعامل الإعلامي مع القضية يكون مختلفًا من حيث وصف الحكم ومساره، مع استمرار مراعاة القواعد القانونية والمهنية المنظمة للنشر وحماية الخصوصية والبيانات الشخصية.
*الإعلام القضائي.. نقل الحقيقة دون استباقها
الغاية من الإعلام القضائي ليست التشهير بأحد، ولا إصدار أحكام موازية خارج قاعات المحاكم، وإنما نقل ما يصدر عن السلطة القضائية بمهنية وموضوعية، وتعريف المجتمع بعمل المحاكم والنيابات ومسار العدالة.
ولهذا تحرص «القضائية» على أن تكون صياغتها منسجمة مع المرحلة التي وصلت إليها كل قضية، فتقول «المحكمة الابتدائية تقضي…» عندما يكون الحكم صادرًا في الدرجة الأولى، ولا تصفه بأنه حكم نهائي ما لم يكن كذلك.
فالقضية التي لم تستنفد مراحلها القضائية لا ينبغي إعلاميًا أن تُقدَّم للجمهور وكأنها وصلت إلى نهايتها.
*وفي النهاية..
إن الاكتفاء بالأحرف الأولى في نشر أسماء المحكوم عليهم في الأحكام الابتدائية هو جزء من منهج تحريري يهدف إلى تحقيق التوازن بين شفافية الإعلام القضائي وحق المجتمع في المعرفة، وبين احترام طبيعة مراحل التقاضي وحقوق أطراف الدعوى.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المتابع هي أن نشر الحكم الابتدائي يعني نقل ما قضت به المحكمة في تلك المرحلة، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام طرق الطعن التي كفلها القانون.
القضاء يقول كلمته في كل مرحلة.. والإعلام القضائي ينقلها بأمانة، دون أن يستبق الكلمة الأخيرة.
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق