القاضي الدكتور نبيل حسن المنحمي
أثير في الآونة الأخيرة نقاش حول صلاحية القضاة في تحرير العقود والتصرفات، وتداولت بعض الآراء التي دعت إلى مراجعة تنظيم وزارة العدل لعملية التوثيق.. ومن المهم توضيح الأساس القانوني الذي استندت إليه الوزارة في تنظيم هذا الاختصاص، باعتبار أن الهدف من هذه الإجراءات هو حماية استقلال القضاء وتنظيم أعمال التوثيق وفقاً للقوانين النافذة.
تستند مذكرات وزارة العدل إلى نص المادتين (7، 8) من القانون رقم (7) لسنة 2010م بشأن التوثيق، واللتان تنصان على مايلي “مادة (7) تتولى الوزارة تنظيم وتطوير مكاتب وأقلام التوثيق والإشراف والرقابة والتفتيش على أعمالها وتأهيل وتدريب العاملين في هذه المكاتب، وتبين اللائحة الأحكام والإجراءات المنظمة لذلك. مادة (8 ) يتولى موثقون معينون بقرار من الوزير مباشرة إجراءات التحرير والتوثيق في أقلام التوثيق وفقاً لأحكام هذا القانون واللائحة ويشترط في الموثق…الخ”.
وإلى المادتين (28، 154) من اللائحة التنفيذية للقانون الصادرة بقرار رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم (38) لسنة 2025م، واللتان تنصان كذلك على الاتي: “مادة (28): تبين التعليمات الوزارية الاجراءات التفصيلية الخاصة بمباشرة الموثقين لتحرير وتوثيق المحررات بحسب الاحوال.. مادة (145): يصدر وزير العدل كافة القرارات والتعليمات اللازمة لتنفيذ أحكام هذه اللائحة”، وبالتالي فان الوزارة تؤكد أن المذكرات صدرت باستناد قانوني صحيح، ولا تستهدف التقليل من مكانة القضاء أو الانتقاص من اختصاصاته، وإنما تهدف إلى تعزيز استقلال السلطة القضائية، وتمكين القاضي من التفرغ لمهمته الأساسية المتمثلة في الفصل في المنازعات، مع تنظيم أعمال تحرير العقود والتوثيق عبر الأمناء الشرعيين وأقلام التوثيق باعتبارها إجراءات تنظيمية وإدارية تحفظ للقاضي هيبته وتبعده عن ممارسة أعمال تحرير العقود مقابل الرسوم أو الأتعاب.
وتجدر الاشارة إلى أن هذا التنظيم يتكامل ويتناسق مع مضامين القانون رقم (1) لسنة 1991م بشأن السلطة القضائية، وتعديلاته، ويهدف الى ارساء سيادة القانون بتطبيق أحكام التشريعات الخاصة الذي حصرت مهمة تحرير العقود بالأمناء الشرعيين المرخص لهم والموثقين المعينين.. وهو ما يحقق الحماية القبلية لاستقلال القضاء ومنع تعارض المصالح، خصوصاً عند نظر القاضي لنزاعات قد تنشأ عن عقود سبق له تحريرها بنفسه.
كما أن الاستناد إلى قانون التوثيق الصادر عام 1992م لم يعد منسجماً مع المبدأ الاساسي بالتشريعي القائم، الذي نصت عليه المادة (54) من قانون التوثيق النافذ صراحة على إلغائه مع تعديلاته، وإلغاء كل حكم أو نص يتعارض مع أحكام القانون الجديد، يُضاف إلى ذاك أن النص الملغي الذي كان يجيز للقاضي ممارسة التوثيق كان مشروطاً بعدم وجود أقلام للتوثيق في المحكمة، ومع استكمال وزارة العدل إنشاء أقلام التوثيق في جميع المحاكم الابتدائية، وبالتالي فانتفاء الشرط، يجعل الاختصاص الأصيل في تحرير العقود والتوثيق معقوداً لأقلام التوثيق والأمناء المعتمدين وفقاً للقانون، وأي استناد لتطبيق نص قانوني ملغي انتفى شرط استثناؤه، يعد مخالفة قانونية، تستوجب بطلان مابني عليه.
ويؤكد التنظيم الحالي احدى المبادئ الهامة المنصوص عليها بالمادة (81) من قانون السلطة القضائية النافذ، التي تحظر الجمع بين وظيفة القضاء وأي عمل آخر لا يتفق مع واجبات القاضي واستقلاله وكرامته.
ومن هذا المنطلق، فإن مباشرة القاضي لتحرير العقود قد تضعه في موقف حرج يهدد حياديته عند نظر منازعات تتعلق بمحررات سبق أن قام بكتابتها، وهو ما قد يثير شبهة تعارض المصالح، الأمر الذي حرص المشرع على تجنبه حفاظاً على نزاهة القضاء واستقلاله.
وفي ظل إلغاء قانون 1992م، واستكمال إنشاء أقلام التوثيق، وتطبيق أحكام المادة (81) من قانون السلطة القضائية، ترى وزارة العدل أن المذكرات والتعليمات المنظمة لأعمال التوثيق تمثل تطبيقاً صحيحاً للقانون واللوائح النافذة، وليست تجاوزاً إدارياً، كما أن القياس على قاعدة “من ملك الأكثر ملك الأقل” لا يستقيم في ظل وجود نص قانوني خاص يمنع الجمع بين القضاء وممارسة أعمال تحرير العقود.
خلاصة القول، فإن تنظيم اختصاص تحرير العقود لا يستهدف تقييد القضاء، وإنما يهدف إلى ضمان التطبيق الصحيح للقانون، وتعزيز استقلال السلطة القضائية وحيادها، بإبعاد القاضي عن أي أعمال قد تنشأ عنها منازعات يكون هو المختص بالفصل فيها، وهو ما ينسجم مع أحكام قانون التوثيق وقانون السلطة القضائية، ويحقق الفصل الواضح بين وظيفة القضاء وأعمال كتابة العقود والتوثيق.
*رئيس المكتب الفني بوزارة العدل
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق