أثر التربية الأسرية في إصلاح سلوك الطفل.. دراسة قانونية واجتماعية


القاضي فائزة باحمدين

مقدمة

تُعد الأسرة البيئة الأولى التي ينشأ فيها الطفل، وفيها تتشكل شخصيته وتتكون اتجاهاته وقيمه وأنماط سلوكه. فالطفل لا يولد حاملاً للسلوك السوي أو المنحرف، وإنما يكتسب جانباً كبيراً من سلوكه من خلال التربية والمعاملة والقدوة والبيئة المحيطة به.

ومن هنا تبرز أهمية التربية الأسرية في الوقاية من السلوكيات المنحرفة وإصلاح السلوك غير السوي لدى الطفل، إذ إن الأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي لرعاية الطفل، وإنما هي المؤسسة الأولى المسؤولة عن إشباع احتياجاته النفسية والاجتماعية والتربوية، وتعليمه احترام القواعد والقانون والآخرين.

وقد أكدت التشريعات والمواثيق المتعلقة بحقوق الطفل أهمية توفير بيئة أسرية آمنة تحمي الطفل من العنف والاستغلال والإهمال، وتساعده على النمو بصورة سليمة. كما أن فلسفة عدالة الأحداث الحديثة لا تقوم على العقاب وحده، وإنما تركز على الإصلاح والتأهيل وإعادة دمج الطفل في أسرته ومجتمعه.

وعليه، فإن دراسة أثر التربية الأسرية في إصلاح سلوك الطفل تمثل موضوعاً ذا أهمية قانونية واجتماعية؛ لأن الوقاية المبكرة داخل الأسرة قد تمنع وصول الطفل إلى مرحلة الانحراف أو الجنوح، وقد تسهم في إعادة تأهيله إذا ظهر لديه سلوك مخالف نتطرق لبعض المفاهيم بصورة مختصرة

أولاً: مفهوم التربية الأسرية وأهميتها في تكوين شخصية الطفل

التربية الأسرية هي مجموعة الأساليب والقيم والممارسات التي يتلقاها الطفل داخل الأسرة، وتشمل طريقة التعامل معه، وتوجيهه، وتعليمه، ومراقبة سلوكه، وتعزيز السلوك الإيجابي لديه، وتصحيح الأخطاء بطريقة تربوية سليمة.

وتكمن أهمية الأسرة في أن الطفل يتعلم من خلال الملاحظة والتقليد والاحتكاك اليومي أكثر مما يتعلم من خلال الأوامر والنصائح المجردة. فإذا نشأ الطفل في بيئة يسودها الاحترام والحوار والرحمة والالتزام بالقانون، كان ذلك عاملاً مساعداً على اكتساب السلوك الإيجابي.

أما إذا نشأ في بيئة يسودها العنف أو الإهمال أو التفكك أو التمييز أو سوء المعاملة، فقد تظهر لديه مشكلات سلوكية ونفسية واجتماعية قد تنعكس على علاقته بأسرته و مدرسته ومجتمعه.

ولهذا فإن إصلاح سلوك الطفل يبدأ غالباً من إصلاح البيئة التي يعيش فيها، وليس من التركيز على الطفل باعتباره وحده مصدر المشكلة.

ثانياً: دور الأسرة في الوقاية من السلوك المنحرف

تلعب الأسرة دوراً أساسياً في الوقاية من الجنوح والانحراف من خلال عدة وسائل، من أهمها :-

  1. توفير القدوة الحسنة:
    الطفل يراقب سلوك الوالدين بصورة مستمرة، ولذلك فإن التزام الوالدين بالقواعد والأخلاق واحترام الآخرين والابتعاد عن العنف والسلوكيات المخالفة للقانون يمثل درساً عملياً للطفل.
  2. الحوار والاستماع إلى الطفل:
    من الأخطاء التي قد تؤدي إلى تفاقم المشكلات السلوكية تجاهل الطفل أو عدم الاستماع إلى مشكلاته.. فالحوار الأسري يساعد على اكتشاف الأسباب التي تقف وراء السلوك قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر.
  3. وضع قواعد واضحة:
    يحتاج الطفل إلى معرفة السلوك المقبول وغير المقبول، مع وضع قواعد أسرية واضحة ومتناسبة مع سنه وقدرته على الفهم، وأن تكون عملية تصحيح الخطأ قائمة على التوجيه وليس على الإهانة أو العنف.
  4. المتابعة الأسرية:
    تساعد متابعة الوالدين لدراسة الطفل وأصدقائه ووقت فراغه و استخدامه للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على اكتشاف المخاطر التي قد يتعرض لها مبكراً.
  5. تعزيز السلوك الإيجابي:
    لا ينبغي أن يكون اهتمام الأسرة منصباً على أخطاء الطفل فقط، بل ينبغي تشجيعه عندما يلتزم بالسلوك الصحيح، لأن التعزيز الإيجابي يساعد على تثبيت السلوك المرغوب.

ثالثاً: العلاقة بين التربية الأسرية وجنوح الأحداث

تظهر أهمية التربية الأسرية بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين بدأوا في ممارسة سلوكيات مخالفة للقانون.
فالسلوك الجانح قد تكون وراءه عوامل متعددة، منها التفكك الأسري، والإهمال، والعنف، والفقر، والتسرب من التعليم، وتأثير جماعة الرفاق، وسوء استخدام وسائل التواصل، أو التعرض للاستغلال.

ولا يعني ذلك أن الأسرة هي السبب الوحيد في جنوح الطفل؛ فالجنوح ظاهرة متعددة الأسباب، تتداخل فيها عوامل أسرية ومدرسية واقتصادية ونفسية ومجتمعية.

ومن ثم فإن التعامل القانوني مع الطفل الجانح ينبغي ألا يقتصر على مساءلته عن الفعل، وإنما ينبغي أن يمتد إلى فهم الظروف والعوامل التي أدت إلى ارتكابه، بما يساعد على اختيار التدبير الإصلاحي المناسب.

رابعاً: التربية الأسرية من منظور قانوني

تنظر القواعد المتعلقة بحماية الطفل إلى الطفل باعتباره شخصاً يحتاج إلى حماية ورعاية خاصة بسبب حداثة سنه وعدم اكتمال قدرته على إدراك نتائج أفعاله بصورة مماثلة للبالغ.

وتترتب على ذلك مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والدولة في توفير الحماية والرعاية والتوجيه.

وتبرز المسؤولية الأسرية بصورة خاصة في رعاية الطفل وحمايته من الإهمال وتوفير البيئة المناسبة لنموه ومتابعة تعليمه وتوجيهه وحمايته من الاستغلال والعنف ومساعدته على تصحيح أخطائه، وكذا التعاون مع المدرسة والجهات الاجتماعية والقضائية عند ظهور مشكلة سلوكية وفي مجال عدالة الأحداث، فإن الهدف الأساسي ينبغي أن يكون إصلاح الطفل وتأهيله وإعادة دمجه في المجتمع، مع مراعاة سنه وظروفه ومصلحته الفضلى.

ومن هنا تظهر أهمية الأسرة في تنفيذ التدابير الإصلاحية؛ إذ إن أي برنامج لإصلاح الطفل لن يكون فعالاً بصورة كاملة إذا عاد الطفل بعد انتهاء فترة العقوبة إلى البيئة نفسها التي ساهمت في ظهور السلوك المنحرف دون معالجة أسباب المشكلة.

خامساً: العنف الأسري وأثره في السلوك

من أخطر الأساليب التربوية استخدام العنف والإهانة والتهديد المستمر باعتبارها وسائل لتقويم الطفل.. فالتربية القائمة على الخوف قد تؤدي إلى الطاعة المؤقتة، لكنها لا تعني بالضرورة اقتناع الطفل بالسلوك الصحيح. وقد ينتج عنها الخوف أو العدوان أو الكذب أو العزلة أو فقدان الثقة بالنفس.

ولهذا فإن إصلاح السلوك لا يعني كسر شخصية الطفل، وإنما مساعدته على فهم الخطأ وتحمل المسؤولية وتعلم السلوك البديل.

ومن المنظور القانوني والاجتماعي، ينبغي التمييز بين التأديب التربوي المشروع وبين العنف أو المعاملة المهينة أو التي تلحق ضرراً بدنياً أو نفسياً بالطفل.

وهنا تظهر أهمية مفهوم الرعاية اللاحقة، إذ إن نجاح إصلاح الطفل لا يقاس فقط بانتهاء الإجراء القضائي، وإنما بقدرته على العودة إلى أسرته ومدرسته ومجتمعه والابتعاد عن السلوك المخالف للقانون.

وفي الأخير نستطيع أن نقول إن التربية الأسرية ليست مسألة اجتماعية فحسب، وإنما هي قضية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية الطفل والوقاية من الجنوح وتحقيق العدالة الإصلاحية.

*رئيس محكمة أحداث بمحافظة حضرموت


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد