غياب التوعية القانونية والنفسية والاجتماعية في اليمن: قصور تشريعي وتداعيات مجتمعية خطيرة


القاضي أميمة سعيد عريشي

مقدمة

تُعدُّ التوعية القانونية والنفسية والاجتماعية إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع متماسك، واعٍ بحقوقه وواجباته، ومحصّن ضد التفكك والانهيار. في اليمن، تبرز هذه الحاجة بشكل مضاعف نتيجة للحرب المستمرة، والانقسامات المجتمعية، والظروف الاقتصادية الصعبة، غير أن الواقع يكشف عن غياب شبه تام للبرامج التوعوية المتخصصة، وتراجع حاد في أداء مؤسسات الدولة، لاسيما في ظل قصور التشريعات القانونية في دعم هذا الجانب.

أولًا: غياب التوعية القانونية.. المجتمع في مواجهة الجهل بالحقوق

1. ضعف الثقافة القانونية العامة


يعاني المواطن اليمني، لاسيما في الأرياف، من جهل شبه كامل بالقوانين السارية، سواء في ما يتعلق بالحقوق الشخصية، أو بالمسؤوليات المدنية والجنائية. هذا الجهل لا يعود فقط لضعف التعليم، بل أيضًا لغياب منظومة توعية قانونية متكاملة.

2. دور مؤسسات الدولة الغائب


القانون اليمني لا يفرض على المؤسسات التربوية أو الإعلامية إلزامًا قانونيًا بتضمين التوعية القانونية في برامجها، كما أن وزارة الشؤون القانونية ووزارة الإعلام، رغم مسؤوليتهما المباشرة، لا تملكان برامجًا منهجيةً مستمرةً تستهدف مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.

3. القوانين ذاتها لا تدعم نشر الوعي


رغم أن بعض القوانين تشير إلى أهمية التوعية، إلا أنها غالبًا ما تُصاغ بلغة إنشائية لا تتبعها لوائح تنفيذية، فلا يوجد مثلًا نص قانوني يُلزم المحاكم أو النيابات بتوفير مواد تعريفية مبسطة للمتقاضين، أو حملات دورية للتثقيف القانوني.

ثانيًا: التوعية النفسية.. ملف مهمل في بلد يعيش الصدمة الجماعية

1. أزمة نفسية جماعية دون تدخل مؤسسي


منذ اندلاع الحرب في 2015، يعيش اليمنيون تحت وطأة صدمات نفسية هائلة: من فقدان الأحبة، إلى النزوح، مرورًا بانعدام الأمن الغذائي والخوف المزمن، ومع ذلك، لا توجد سياسات وطنية للتدخل النفسي أو دعم الصحة العقلية.

2. غياب التشريعات الخاصة بالصحة النفسية


لا يحتوي القانون اليمني على مواد واضحة تحمي المرضى النفسيين، أو تضمن حقوقهم، أو توفر الدعم النفسي للمواطنين، كما لا توجد هيئة مستقلة مختصة بالصحة النفسية، ولا مراكز إعادة تأهيل حكومية فعّالة.

3. الوصمة المجتمعية وغياب التوعية


تُعامل الأمراض النفسية في اليمن بوصفها “عارًا” أو “جنونًا”، بسبب انعدام التثقيف النفسي المجتمعي، وغياب أي دور فعّال لوزارة الصحة في تبني حملات إعلامية موجهة.

ثالثًا: التوعية الاجتماعية.. التفكك المجتمعي في ظل فراغ التوعية

1. انهيار القيم المجتمعية وضعف التربية المدنية


الاضطرابات السياسية والاجتماعية، إلى جانب الانقسام الحاد بين مكونات المجتمع، خلقت بيئة خصبة لانتشار الكراهية، والعنف، والتعصب. فضعف التوعية الاجتماعية أدَّى إلى تآكل الهوية الوطنية والشعور بالانتماء.

2. لا إطار قانوني لدعم التماسك الاجتماعي


القوانين اليمنية لا تتضمن أي مواد فعّالة تدعم التربية المدنية أو تقنن التوعية الاجتماعية كمكون أساسي في التعليم والإعلام، كما لا توجد قوانين تشجع على العمل التطوعي أو تدعم المبادرات المجتمعية في هذا الإطار.

3. دور الإعلام والمناهج الدراسية: غائب أو مشوّه


المحتوى الإعلامي اليمني يفتقر للرسائل التوعوية ذات الطابع الاجتماعي، وغالبًا ما يغرق في الخطابات السياسية أو الطائفية، أما المناهج الدراسية، فتعاني من تهالك المحتوى، وعدم ارتباطه بالواقع، وتغييب مفاهيم المواطنة والعيش المشترك.

رابعًا: الأسباب والتحديات
الحرب والاضطرابات السياسية: أبرز الأسباب التي أدَّت إلى تغييب دور الدولة وانشغال المؤسسات بالقضايا الأمنية على حساب التوعية.
ضعف البنية التشريعية: القوانين اليمنية تفتقر للمحتوى الإلزامي والمتقدم في مجال التوعية.
غياب التمويل والدعم الدولي الكافي: لا توجد ميزانيات مخصصة للبرامج التوعوية، إلا من خلال بعض المبادرات المحدودة من منظمات دولية.
الانقسام السياسي والجغرافي: أدَّى إلى انعدام سياسة وطنية موحدة للتوعية.

خامسًا: توصيات ومعالجات مقترحة:
تعديل التشريعات لتشمل إلزامًا واضحًا للتوعية في القطاعات كافة.
دمج التوعية القانونية والنفسية والاجتماعية في المناهج الدراسية من المراحل المبكرة.
إطلاق حملات إعلامية موسعة مدعومة من الدولة ومنظمات المجتمع المدني.
إنشاء هيئة وطنية مستقلة للتوعية، تعمل بتنسيق مع وزارات التعليم والصحة والشؤون القانونية.
تدريب كوادر مهنية في مجال التثقيف المجتمعي، وتوسيع برامج الدعم النفسي المجتمعي.

خاتمة
إن غياب التوعية القانونية والنفسية والاجتماعية في اليمن ليس مجرد خلل إداري، بل كارثة مجتمعية تقود إلى استمرار العنف، والظلم، والجهل، والتهميش. وما لم تُبادر السلطات، ومعها منظمات المجتمع المدني، إلى سد هذا الفراغ الكبير، فإن تداعياته ستظل تنعكس سلبًا على مستقبل أجيال كاملة.

*رئيس الشعبة الشخصية الثانية بمحكمة استئناف محافظة عدن


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد