القاضي الدكتور فضل الفهد
في العدد السابق للصحيفة تناولنا شروط أمر التنفيذ وفقًا لأحكام اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، فالأصل العام يتمثل في تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في الدولة المطلوب لديها التنفيذ متى توافرت شروط تنفيذه، والاستثناء هو رفض التنفيذ متى ثبت وجود حالة أو أكثر من الحالات التي نصَّت عليها الاتفاقية، والتي تتمثل في الآتي:
1ـ عدم قابلية حل موضوع النزاع عن طريق التحكيم:
نصَّت المادة (37/أ) من اتفاقية الرياض بأنه لا يجوز للمحكمة المختصة في الدولة المتعاقدة المطلوب لديها التنفيذ أن ترفض تنفيذ الحكم، إلا إذا كان قانون هذه الدولة لا يجيز حل موضوع النزاع عن طريق التحكيم. ونظرًا لصعوبة تحديد المسائل القابلة للتسوية عن طريق التحكيم في غالبية التشريعات فقد اكتفت بعضها بالنص بأنه: “لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح”، وبعض التشريعات استبعدت مسائل معينة عن مجال التحكيم، من ذلك ما نصَّت عليه المادة(5) من قانون التحكيم اليمني على: “لا يجوز التحكيم فيما يأتي:
أ ) الحدود واللعان وفسخ عقود النكاح.
ب) رد القضاة ومخاصمتهم.
ج) المنازعات المتعلقة بإجراءات التنفيذ الجبري.
د) سائر المسائل التي لا يجوز فيها الصلح.
ﻫ) كل ما يتعلق بالنظام العام.
فوفقًا لنص المادة (37/أ) من الاتفاقية والمشار إليها سابقًا، فإن قابلية أو عدم قابلية موضوع النزاع للتحكيم تخضع لقانون الدولة المطلوب لديها الاعتراف والتنفيذ، وعلى هذا فإذا طلب من قاضي إحدى الدول المتعاقدة تنفيذ حكم تحكيم أجنبي صدر في دولة متعاقدة أخرى، فله أن يرفض تنفيذ هذا الحكم إذا ما تبين له أن الحكم قد صدر في مسألة لا يجوز قانونًا حلَها عن طريق التحكيم، فإخضاع قابلية موضع النزاع للتحكيم لقانون دولة التنفيذ وفقًا للمادة (37/أ) هو الحكم نفسه الذي أوردته المادة (5/2/أ) من اتفاقية نيويورك حين أجازت للسلطة المختصة في البلد المطلوب لديها التنفيذ رفض الاعتراف وتنفيذ الحكم إذا كان قانونها لا يجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم.
ونعتقد أنه كان من الأفضل لو أن اتفاقية الرياض حددت الحالات التي لا يجوز فيها التحكيم، لأننا في هذه الاتفاقية الإقليمية الخاصة بالدول العربية نستطيع القول إن الدول الموقعة عليها تتفق في نقاط كثيرة في هذا الشأن على أساس أن ظروف هذه الدول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية متشابهة، كما أن عقيدتها الدينية واحدة، أو أن ينص في هذه الاتفاقية وفقًا لما اقترحه بعض الفقه بأن على المحاكم مراعاة قوانين الدول ذات الصلة بالنزاع، سواء كان قانون الدولة المطلوب تنفيذ الحكم على إقليمها أو قانون الدولة التي صدر فيها الحكم أو التي صدر بموجب قانونها.
2ـ إذا كان حكم التحكيم صادرًا وفقًا لشروط أو لعقد تحكيم باطل أو أنه لم يصبح نهائيًا:
تنصُّ المادة (37/ب) من اتفاقية الرياض بأن: “للمحكمة المختصة في الدولة المطلوب لديها الاعتراف والتنفيذ، أن ترفض ذلك إذا تبين لها أن هذا الحكم قد صدر طبقًا لشرط أو مشارطة باطلة أو أن هذا الحكم لم يصبح نهائيًا في الدولة التي صدر فيها أو التي صدر وفقًا لقانونها”. ويتضح من هذا الشرط أنه تناول حالتين لرفض الاعتراف والتنفيذ:
الحالة الأولى: عدم صحة اتفاق التحكيم.
الحالة الثانية: إن الحكم لم يصبح نهائيًا.
فبالنسبة للحالة الأولى، فإنه من المؤكد أن عدم صحة اتفاق التحكيم تؤثر على الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه، وعلة اشتراط مثل هذا الشرط أن قضاء المحكمين قضاء خاص يجد أساسه في شرط أو مشارطة التحكيم بحيث لو بطل هذا الشرط أو المشارطة بطل الحكم.
وقد أشارت اتفاقية نيويورك لهذه الحالة في المادة (5/1/أ) وأسندت إلى القانون الذي اتفق عليه الأطراف أو قانون الدولة التي صدر فيها الحكم معرفة صحة اتفاق التحكيم من عدمه. أما المادة (37/ب) من اتفاقية الرياض فلم تتعرض لبيان هذا القانون ولمحاولة معالجة هذه المسألة، يرى بعض الفقهاء، أن يتم الرجوع إلى قانون الدولة المطلوب لديها التنفيذ لتقدير سلامة اتفاق التحكيم من عدمه وفقًا لقواعد الإسناد الواجبة التطبيق. بينما يرى بعضهم الآخر أن تقدير سلامة أو عدم سلامة اتفاق التحكيم تخضع للقانون الذي اتفق عليه الأطراف ـ قانون الإرادة ـ وفي حالة عدم وجود مثل هذا الاتفاق، يتولى المحكم تعيين القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم أو موضوع النزاع من خلال ما يستخلصه من الإرادة المفترضة للأطراف والظروف.
أما من حيث القانون الواجب التطبيق للتأكد من نهائية حكم التحكيم، فإن اتفاقية الرياض لم تشر للقانون الواجب التطبيق لهذه الحالة، ولذلك يرى بعض الفقهاء أن يرجع في ذلك إلى قانون الدولة التي صدر فيها الحكم، أسوةً بما كانت تنصُّ عليه الفقرة (و) من المادة الثالثة من اتفاقية تنفيذ الأحكام، وهو ما أخذت به المادة (5/1/ه) من اتفاقية نيويورك.
3ـ عدم اختصاص المحكمين:
تقضي الفقرة (ج) من المادة (37) من اتفاقية الرياض: “بأن للدولة المطلوب لديها التنفيذ رفض الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم إذا كان الحكم صادرًا عن محكم غير مختص طبقًا لاتفاق التحكيم، أو طبقًا للقانون الذي صدر الحكم على مقتضاه”. ويرجع السبب في رفض طلب التنفيذ في هذه الحالة إلى أن الأصل العام هو أن هذه الدولة تتولى أداء العدالة بوصفها وظيفة من وظائفها تباشرها بواسطة سلطة من سلطاتها، وهي السلطة القضائية. على أن الدولة قد ترى في اعتبارات الملائمة من قصد التيسير على الخصوم وتقليل كلفة حسم المنازعات فيها بينهم ما يبرر أن تجيز لهم في الاتفاق على إقامة قضاء خاص بهم يفصل في هذه المنازعات، وتتحدد ولاية هذا القضاء الخاص إذن بإرادة المشرع أولًا، وذلك بإجازة التحكيم، وبإرادة الخصوم ثانيًا، وذلك بالاتفاق على التحكيم وتحديد المنازعات التي يتناولها، ويكون حكم المحكمين الصادر خارج هذه الحدود هو حكم صادر من قضاء لا ولاية له، فالأطراف في منازعات التحكيم هم الذين يحددون نطاق سلطان المحكمين والمسائل التي يحق لهم الفصل فيها، وتكون مخالفة المحكمين لهذا النطاق أو مجاوزتهم لهذه المسائل مدعاة لرفض تنفيذ ما يصدرونه من أحكام.
وقد حرصت اتفاقية الرياض على تحديد القانون الواجب التطبيق لتقدير ما إذا كان الحكم المطلوب تنفيذه صادرًا من محكمين مختصين أم لا، وذلك بالرجوع إلى القانون الذي يحكم اتفاق التحكيم أو القانون الذي صدر الحكم بمقتضاه. فيتعين على القاضي المطلوب منه التنفيذ الرجوع إلى القانون الذي يحكم الاتفاق على التحكيم وهو غالبًا قانون الإرادة أو القانون الذي صدر حكم التحكيم على مقتضاه.
ويجب الإشارة إلى أنه في حالة تجاوز المحكمين لاختصاصاتهم، سبق أن أشارت إليها أيضًا القفرةُ (ج) من المادة الثالثة من اتفاقية تنفيذ الأحكام، فأجازت للسلطة القضائية في الدولة المطلوب لديها التنفيذ أن ترفض تنفيذ حكم التحكيم إذا كان المحكم غير مختص طبقًا لاتفاق التحكيم أو طبقًا للقانون الذي صدر الحكم على مقتضاه، حيث نصت المادة (3/ج) من اتفاقية تنفيذ الأحكام بين دول جامعة دول العربية لسنة 1952م على: “لا تملك السلطة في الدول المطلوب لديها التنفيذ… وإنما لها أن ترفض طلب تنفيذ حكم المحكمين المرفوع إليها في الأحوال الآتية… إذا كان المحكمون غير مختصين طبقًا لعقد أو شرط التحكيم أو طبقًا للقانون الذي صدر قرار المحكمين على مقتضاه”. كما نجد أن المادة (5/1/ج) من اتفاقية نيويورك تجيز للدولة المطلوب لديها الاعتراف والتنفيذ أن ترفض ذلك إذا كان الحكم قد فصل في مسألة لم ترد في اتفاق التحكيم أو تجاوز هذا الاتفاق أو أن تشكيل هيئة التحكيم كان مخالفًا لما اتفق عليه الأطراف.
ونظرًا لأن المادة (37) من اتفاقية الرياض لم تشر لمصير الحكم الذي يصدر من هيئة تحكيم تم تشكيلها على نحو مخالف لما اتفق عليه الأطراف، فيرى بعض الفقهاء أنه يجوز رفض تنفيذ حكم التحكيم الذي تصدره هيئة تحكيم يخالف تشكيلها لما اتفق عليه الأطراف، إذ يُعدُّ مثل هذا الحكم صادرًا عن محكمين غير مختصين، وقد يقضي القانون الذي طبقة المحكمون في النزاع، بعدم اختصاص المحكمين بالفصل في مسائل معينة، وبالتالي يكون تعرض المحكمين للفصل في هذا المسائل مدعاة لرفض تنفيذ ما يصدرونه من أحكام.
4 ـ عدم إعلان الخصوم بالحضور:
وفقًا للمادة (37/د) من اتفاقية الرياض يجوز للمحكمة المختصة في الدولة المطلوب لديها الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم أن ترفض الاعتراف والتنفيذ: “إذا كان الخصوم لم يعلنوا بالحضور على الوجه الصحيح”. وكانت المادة (3/ د) من اتفاقية تنفيذ الأحكام تنص بحكم مماثل حيث تجيز للدولة المطلوب لديها التنفيذ رفض تنفيذ حكم المحكمين “إذا كان الخصوم لم يعلنوا على الوجه الصحيح”.
أما اتفاقية نيويورك فقد تناولت هذا السبب في المادة (5/1/ب) وأضافت إليه جواز رفض الاعتراف والتنفيذ “إذا كان من المستحيل على المحكوم عليه لسبب آخر أن يقدم دفاعه”، فعلى المحكوم عليه أن يثبت أنه لم يتمكن من إبداء دفاعه وكانت أسباب عدم قدرته راجعة لعيب إجرائي وليس إلى ظروف المحكوم عليه أو إهماله.
5ـ مخالفة الحكم للنظام العام:
تقضي المادة (37/ه) من اتفاقية الرياض بأنه: “يجوز للدولة المطلوب منها الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم، أن ترفض الاعتراف والتنفيذ…. ﻫ ـ إذا كان فيه ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام أو الآداب العامة لدى الطرف المتعاقد المطلوب إليه التنفيذ”.
وهذه الحالة تناولتها معظم التشريعات الوطنية، وكذلك المادة (5/2/ب) من اتفاقية نيويورك، وإن كانت هذه الاتفاقية قد أوردت هذه الحالة ضمن الحالات التي يجوز للمحكمة في الدولة المطلوب منها التنفيذ ومن تلقاء نفسها أن ترفض الاعتراف بحكم المحكمين أو تنفيذه إذا كان مخالفًا للنظام العام في هذا البلد. كما أشارت لهذه الحالة المادة (3/هـ) من اتفاقية تنفيذ الأحكام باستثناء أن المادة (37/ﻫ) من اتفاقية الرياض أضافت عبارة ألا يكون الحكم مخالفًا لأحكام الشريعة الإسلامية، وهي عبارة منطقية طالما الاتفاقية في إطارها الإقليمي العربي، الذي يُعدُّ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع.
وقد أعطت اتفاقية الرياض وكذلك اتفاقية تنفيذ الأحكام لقاضي الدولة المطلوب منها التنفيذ سلطة تقدير مخالفة الحكم للنظام العام فيها من عدمه، وإن كانت هذه الأخيرة قد أجازت تنفيذ الحكم تنفيذًا جزئيًا في شقه الذي لا يتعارض مع النظام العام في دولة التنفيذ حيث نصَّت على أن: “الدولة المطلوب لديها التنفيذ هي صاحبة السلطة في عدم تنفيذ ما يتعارض من الحكم مع النظام العام أو الآداب العامة”. بينما اتفاقية الرياض لم تنص على ذلك، والذي نراه أنه يمكن تطبيق هذا الحكم على الفقرة (ﻫ) من المادة (37) من اتفاقية الرياض رغم عدم وجود نص، وذلك بتنفيذ حكم التحكيم تنفيذًا جزئيًا إذا أمكن لقاضي التنفيذ فصل الجزء المتعارض مع النظام العام أو أحكام الشريعة الإسلامية أو الآداب العامة عن بقية أجزاء الحكم. ويرى بعض الفقهاء: أنه يمكن أن يدخل في مجال مخالفة الحكم للنظام العام حالة ما يكون الحكم متعارض مع حكم سبق صدوره من دولة التنفيذ.
*عضو شعبة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بديوان النيابة العامة
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق