جواد النابهي
في عيد الأضحى المبارك وبمناسبة اجتماعية أحد الأصدقاء يسألني عن سبب تحمس القانونين ودعمهم لشخص ينازع آخر في قطعة أرض معينة مدعيًا أحقيته بالانتفاع بها بالاستغلال والتصرف مطالبًا باسترداد حيازتها ورفع اليد الغاصبة عنها لكونها مملوكة لمورثه (أبيه – أمه – جده) وفقًا لوثيقة يزيد عمرها عن قرنٍ من الزمن؟ بالعامية لماذا «جَد» هذا الشخص لم يطالب بهذه الأرض إذا كانت فعلًا مملوكة له؟ طالما وهذه الأرض بيد شخص آخر ويستغلها استغلال المالك؟
في الحقيقة استوقفتني أسئلته قليلًا، وعليه أذكر بداية أنه في الآونة الأخيرة انتشرت وشاعت ظاهرة الاستيلاء على الأراضي والبسط عليها بوضع اليد عليها لحيازتها وفرض سياسة الأمر الواقع على المُلاك، ومن ثم فقد تداخلت مفاهيم البسط والحيازة وتوصل بهما الظلمة والمعتدون للاستيلاء على أموال الناس بالباطل، وإذا قيل لهؤلاء اتقوا الله قالوا: نحن حائزون ثابتون على الأرض بعد أبونا وجدنا، وتبعًا لذلك فإن الحيازة صارت الدافع الأهم والأعظم للاعتداء على الأراضي والبسط عليها تمهيدًا للسيطرة عليها، حيث اُستعملت وسيلة الحيازة استعمالًا سيئًا فصارت بابًا من أخطر الأبواب التي تفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وحيث الثابت أن الشريعة الإسلامية تُحرم وتُجرم غصب أموال الغير والبسط عليها، والأدلة في هذا الشأن من الكتاب والسنة كثيرة ومنها قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} البقرة [١٨٨] ، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} النساء [٢٩] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا …الحديث) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) ، وقوله عليه الصلاة والسلام : (ليس لعرق ظالم حق)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من غصب شِبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله يوم القيامة إلى سبع أرضين) …
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يُقصد بالحيازة وأنواعها (صورها)؟ وهل هي سبب من أسباب الملكية؟ وما هو موقف المقنن والقضاء اليمني من ذلك؟
وللإجابة على تلك التساؤلات يتوجب علينا توضيح معنى الحيازة في اللغة ثم بيانها في الاصطلاح والقانون، وتحديد صورها، وهل هي سبب من أسباب الملكية؟ وما هو موقف المقنن والقضاء اليمني من ذلك؟
أولًا: معنى الحيازة في اللغة وتعريفها في الاصطلاح والقانون:
الحِيازَة في اللغة: مصدر حازَ يحوز حوزًا، واحتاز الشي أي ضمه وجمعه وحصل عليه، ويقال حيازة الرجل: ما في حَوْزَتِه من مال أو عَقارٍ، وحِيازَةُ الأرض الزراعية تدخل في حيازة فرد أو هيئة (محدثة). (معجم الوسيط).
الحِيازَة في الاصطلاح: «هي تسلط شخص على شيء تسلطًا فعليًا بوصفه مالكًا له أو صاحب حق عيني عليه»، أي أنها واقعة مادية ظاهرة مجردة، تعني أن شخصًا ما واضعًا يده على مال أو حق ويتصرف به كأنه المالك الفعلي لهذا الشيء، ولذلك عرفت المادة (١١٠٣) مدني يمني الحيازة بأنها: (استيلاء الشخص على الشيء ووضع يده عليه).
ثانيًا : صور الحيازة :
إن استيلاء الشخص على الشيء ووضع يده عليه له حكمين الأولى حيازة مشروعة والأخرى غير مشروعة.
الأولى: حيازة مشروعة السبب: وهي التي تؤيدها مستندات شرعية تثبت ملكية الحائز لها. والثانية: حيازة غير مشروعة السبب: وهي التي يفتقر فيها الحائز للمستندات الشرعية التي توضح سبب حيازته لها، وهذه الحيازة، هي مجرد قرينة على أن الحائز هو المالك للأرض، وهذه القرينة بسيطة وليست قاطعة أي أنها تقبل إثبات العكس لكونها حيازة ناقصة، وفقًا للمادة (١١١١) مدني التي نصَّت بقولها: (من كان حائزًا لشيءٍ أو حق أُعتبر مالكًا له حتى يقوم الدليل على غير ذلك)، ولا تُعد سببًا للملك ولا تجعل الحائز يكسب ملكية الشيء الذي بحيازته مهما طالت مدة حيازته لذلك، وهو ما أخذ به المقنن اليمني عند تنظيمه لأسباب الملكية في المادة (١٢٢٤) مدني، ولم يكتفِ المقنن اليمني بذلك بل أهدر الحيازة وحدَّ من تأثيرها إذا قدَّم المدعي بينة على ملكيته للأرض محل النزاع.
أما موقف القضاء من ذلك يظهر جليًا في الحكم الصادر عن الدائرة المدنية في المحكمة العليا اليمنية بتاريخ 31/ 3/ 2007 م. الذي أقر قاعدة قضائية مفادها بأن: (الحيازة ليست دليلًا على الملك متى أقيمت البينة الشرعية بالكتابة أو الشهادة أو حتى القرائن)، وخلاصة وقائع تلك القضية أن أحد الأشخاص كان قد عثر على مستندات بصائر وإجارات تُفيد بأن أراضي كانت ملكًا لأبيه منذ ستين عامًا، ولكنها بحيازة شخص آخر يظهر عليها بمظهر المالك لها بوصفه حائزًا لها، فما كان منه إلا أن قام بالمطالبة الودية للحائز لتلك الأراضي الذي رد على المدعي بأنه ثابت وحائز للأراضي المدعى بها منذُ ستين عامًا من غير منازعة أو اعتراض، وعندئذٍ لم يجد المدعي من بُد إلا اللجوء إلى المحكمة الابتدائية المختصة حيث قام برفع الدعوى أمامها مطالبًا بالأراضي التي كانت ملكًا لأبيه والتي هي في وقت رفع الدعوى بحيازة المدعى عليه، وقد رد المدعى عليه على هذه الدعوى بأنه ثابت وحائز للأرض المدعى بها منذ ستين عامًا من غير منازعة أو اعتراض من أحد، وأن القانون المدني النافذ يكفل أحقيته في الأرض بوصفه حائزًا لها منذ ستين عامًا، وأن حيازته طوال هذه المدة كافية لثبوت ملكيته للأراضي المدعى بها، وبعد أن أمعنت المحكمة الابتدائية النظر في هذه القضية خلصت إلى الحكم بعدم قبول الدعوى لثبوت حيازة المدعى عليه للأرض المتنازع عليها واستقرار يده عليها، الأمر الذي دفع بالمدعي بطرق أبواب محكمة الاستئناف المختصة عارضًا أمامها القضية ومستنداتها، وبعد أن نظرت محكمة الاستئناف في الطعن والرد عليه، وبعد مطالعتها المستندات التي أبرزها المدعي أمام المحكمة الابتدائية مستدلًا بها على ملكية أبيه للأرض المتنازع عليها، وأيلولتها إليه من بعد أبيه، وعندئذٍ حصحص الحق، فلم تجد محكمة الاستئناف إلا أن تحكم بقبول الاستئناف شكلًا وموضوعًا، وتقرر أحقية وملكية المدعي للأرض محل النزاع، ورفض مزاعم المدعى عليه والمتضمنة تمسكه بالحيازة.
وحينئذٍ لم يقنع بهذا الحكم المحكوم عليه (المدعى عليه) الحائز للأرض حيث قام بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي مستندًا في عريضة طعنه إلى أنه حائز وثابت للأرض محل النزاع منذ ستين سنة، وبعد دراسة الدائرة المدنية بالمحكمة العليا للطعن وأوراق القضية خلصت الدائرة المدنية إلى تأييد الحكم الاستئنافي، ولم تكتفِ بذلك بل إنها قررت قاعدة مفادها أن: {الحيازة ليست دليلًا على الملك متى أقيمت البينة الشرعية على الملك بالكتابة أو الشهادة أو حتى القرائن}، وقد استندت المحكمة العليا إلى الأسباب الآتية:
١- إن حيازة الملك(الثبوت) مشروطة بأن لا تكون حيازة الشيء حيازة انتفاع عملًا بالمادة(١١٠٤) مدني.
٢- إن حيازة الملك(الثبوت) مشروطة بعدم قيام الدليل على غير ذلك عملًا بالمادة (١١١١) مدني.
- إن حيازة اليد لا تُثبت حقًا فيما يملك الغير إلا ببينة شرعية، ولذلك قررت المادة (١١١٤) مدني سماع دعوى الملك على ذي اليد الثابتة إذا أقيمت البينة الشرعية على الملك بكتابة صحيحة أو بشهادة عدول أو حتى القرائن عند الترجيح بين دلائل مدعي الملك ودلائل ذي اليد الثابتة.
وبهذا الحكم نجد أن المحكمة العليا قد انتصرت للحق وأسندته إلى مالكه الذي أثبت ملكيته، ولم تلتفت إلى الحيازة التي تمسك بها الحائز مع أن مدة الحيازة كانت قد زادت على ستين سنة.
*ماجستير قانون
*طالب في المعهد العالي للقضاء
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق