القاضي الدكتور صالح عبدالله المرفدي
تمهيد:
في سؤال قانوني لأحد الزملاء، ونصه: هل يجوز إخفاء القاتل من قبل أصوله أو فروعه، بعد ارتكابه جريمة القتل العمد أو أي جريمة أخرى، وبالتالي لا يسألون عن الاخفاء، بتقديمهم مساعده لاحقه للجريمة، سواءً باخفاء القاتل، أو أدوات جريمته؟؟ وللاجابة على هذا التساؤل، ينبغي علينا أولا، التأكيد أن التستر على مُجرم أو اخفائه أو مساعدته على الهرب، جرائم يعاقب عليها القانون اليمني، وفقًا لنصوص المواد (١٩٠ و ١٩١ و ٢٢٣ عقوبات)، ورتبت لها عقوبات محددة.
– ومن هذا المنطلق، سنجري على الجريمتين دراسة تحليلية مختصرة في ثلاثة محاور: نسرد في المحور الأول النصوص القانونية للجرائم المطلوب دراستها، ثم نتطرق في الثاني لتحليلها من ناحية الاركان والعقوبات المقررة لها، مع بيان أوجه القصور والهفوات، ونستعرض في المحور الثالث، شبهة إشكالية التداخل بين نص المادتين (١٩٠ و ٢٢٣ عقوبات)، وأيهما أولى بالتطبيق، ونخصص الرابع والاخير، لوضع مقترحات وتوصيات متواضعة قدر الامكان.
المحور الأول: النصوص القانونية:
– أولا: نصت المادة (١٩٠) عقوبات بالاتي: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة، كل من أخفى متهما بجريمة، أو محكوما عليه فيها، ولا يجوز أن تتعدى العقوبة الحد الأقصى المقرر للجريمة الأصلية، ولا يسري حكم هذه المادة، على من أخفى زوجة أو أحد أصوله أو فروعة أو أخوته أو أخواته، ومن في منزلة هؤلاء من أقارب بحكم المصاهرة”.
– ثانيا: أما المادة (١٩١) فنصت على جريمة تهريب المحبوس كالاتي: “يعاقب بالحبس مدة لاتزيد على سنة، من هرب بعد القبض عليه قانونا، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات، إذا أقترن الهرب بالعنف أو التهديد، وتطبق هذه العقوبة على من يساعد الهارب، إذا كان مكلفا بحراسته، فإذا تم الهرب نتيجة إهمال الحارس أو تراخيه، كانت العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو الغرامة التي لا تتجاوز ألف ريال”.
– ثالثا: فيما نصت المادة (٢٢٣) من نفس القانون على جريمة إخفاء الفارين من الخدمة العسكرية بقولها: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بالغرامة، كل من أخفى بنفسه، أو بواسطة غيره، أحد الفارين من الخدمة العسكرية”.
المحور الثاني: تحليل النصوص القانونية:
يتضح من خلال التأمل في النصوص القانونية السالفة الذكر ما يلي:
– أولا: من خلال ما تقدم ذكره في نص المادة (١٩٠)، وبالعودة للنصوص العامة المنظمة لقواعد المساهمةً الجنائية، وبالتحديد نص المادة (٢٣) عقوبات، فإنه يشترط لتحقق “عذر الإعفاء من العقاب” لأقارب المخفي هو، أن يكون الاخفاء قد تم من قبل أقارب الجاني، بدون إتفاق جنائي سابق، أو بدون تحريض سابق، أو بدون أي مساعدة قبل أو اثناء ارتكاب الجريمة، فاذا لم تتحقق إحدى هذه الشروط، لا يعاقب القريب على اخفاء قريبه، والعكس من ذلك، إذا تحققت إحدى هذة الشروط، يعاقب المساعد على الإخفاء أو الهرب.
– ثانيا: إن المادة (١٩٠) ذكرت صراحة، أن الركن المادي للاخفاء، يكون مقتصرًا على إخفاء متهمًا بجريمة، أو محكوما عليه فيها، ويتضح من هذه العبارة، أن الإخفاء لا يشمل “المطلوبين أمنيًا أو المشتبه بهم!!”، صحيح أن الوضع القانوني بالنسبة للاخيرين، يختلفان عن المتهم والمحكوم عليه، إلا أنه بالإمكان تحقق أدلّه تجعلهما أخطر من المتهم والمحكوم عليه، ولو لم يتم بعد تحريك الدعوى الجنائية في مواجهتهما.
– ثالثا: من الملاحظ أن المشرع اليمني، قد بالغ بتطبيق العقوبة على المتستر للإخفاء أو المساعد على الهرب في المادتين (١٩٠، ١٩١)، إلى درجة أنه أوصل عقوبته الى نفس درجة عقوبة مرتكب الجريمة الأصلية، وكان من المستحسن، النص صراحة على أن عقوبته، يجب أن لا تصل الى الحد الاقصى لعقوبة المتستر عليه أو المهرب له، وللمشرع في سبيل ذلك، أن يضع ضابط “نوع الجريمة”، كمعيار لتحديد عقوبة الجاني في جريمة الاخفاء أو التهريب للمحبوس، فاذا كانت عقوبة الجريمة الأصلية الذي ارتكبها المخفي أو المتهرب هي الاعدام، فلا يجوز أن تصل عقوبة من ساعده على ذلك الى الاعدام، بل يستحسن تنزيل العقوبة مرتبة واحدة، كالحبس عشر أو ١٥ سنة، ومتى ما كانت عقوبة الجريمة الأصلية الحبس ١٥ أو عشر سنوات، تكون عقوبة المساعد الحبس ٧ سنوات وهكذا..
– رابعا: لم يذكر المشرع اليمني العذر المعفي من العقاب، للزوج أو الزوجه أو للاقارب في جريمة تهريب المحبوس (م١٩١)، كما تناولها في جريمة إخفاء الجاني، وبالرغم من اشتراكهما في علّة العذر المعفي من العقاب؛ باعتبار أن الجريمتين متماثلتين، فكان من الاجدر، سريان هذا العذر على جريمة التهريب، أسوة بجريمة الاخفاء، بحيث لا نرى أساسًا للتفرقة بين الجريمتين، من حيث علّة عذر الإعفاء من العقاب للاقارب والأزواج لسببين: الأول/ كون علتهما مشتركة، من حيث الحنو والعاطفة المتبادلة، بين المخفي أو المتهرب من جهة، وبين المساعد لهما من جهة أخرى، والثاني/ باعتبارهما جريمتان متماثلتان من حيث المرتبة؛ لورودهما في فصل واحد، يتطرق للجرائم الماسة بنفاذ القرارات القضائية.
المحور الثالث: إشكالية التناقض بين جريمتي الإخفاء المذكورة في المادتين (١٩٠ و ٢٢٣) عقوبات:
بإجراء المقارنة بين نص هاتين المادتين، نجد أن هناك تناقض، في حالة تحقق أن يكون المخفي قريبًا للجاني في جريمة الإخفاء، بحسب درجة القرابة المذكورة بالمادة (١٩٠).. والسؤال المثار هنا: هل يتم تطبيق حكم المادة (٢٢٣)، على اعتبار أن الإخفاء كان لجريمة خاصة، وهي إخفاء الفارين من الخدمة العسكرية أم أن المادة (١٩٠) هي الواجبة التطبيق، في حال كان المخفي أو الهارب من الخدمة العسكرية، قريبًا للجاني؟ وهذا ما سنجيب عليه عند وضع توصياتنا و مقترحاتنا!!
– ومن نافلة القول، أن المشرع اليمني، نص في جريمة تعاطي المخدرات، بالإعفاء من العقاب لأقارب المتهم، كزوجته أو أصوله أو فروعه أو اخوانه واخواته جميعهم، لو اخفوا قريبهم المتهم بتعاطي المخدرات، بينما لو كان اخفاءه من غير أقاربه، فيعاقبوا بجريمة إخفاء متهم، وهذا ما نصت عليه المادة (٤٠) من قانون مكافحة الاتجار والاستعمال غير المشروع للمخدرات اليمني، ولا يعني ذلك الإعفاء، شموله لجريمة التستر على تعاطي المخدرات؛ لأنها تمكين شخص فعليا من ممارسة نشاطه في أعمال المخدرات، دون تبليغ الجهات المختصة، فالفرق دقيق بين التستر على المجرم وأدوات الجريمة من جهة، والتستر على الجريمة فعليا من جهة أخرى، ذلك أن المتستر في الحالة الأخيرة، مساهم تبعي (معاصر) في ارتكاب الجريمة يستحق العقاب، متى كان الاتفاق على التستر على ارتكاب الجريمة قد تم مسبقاً، وهذا بالاستناد لنص المادة ( ٢٣) عقوبات، الواردة في القواعد العامة للمساهمة بالجريمة، بعكس التستر على المجرم وأدوات الجريمة، فهي جريمة مستقلة بذاتها؛ طالما لم يتم الاتفاق عليها قبل ارتكاب الجريمة، وعملًا بحكم الفقرة الأخيرة من المادة (٢٣) السالفة الذكر، وتطبيقًا بما صرحت به المواد (١٩٠ و ٢٢٣ عقوبات و ٤٠) من قانون مكافحة المخدرات النافذ.
التوصيات والمقترحات:
استنادًا لما سبق ذكره، يمكن وضع بعض التوصيات والمقترحات التالية:
– أولا: بشأن الركن المادي:
من المستحسن على المشرع اليمني، أن ينقل ما جاء في الفقرة (٢) من المادة (١٨٢) الى المادة (١٩٠) وهي: (إخفاء أدوات الجريمة، أو الأشياء المتحصلة منها)، لاعتبارها ضمن الأركان المادية لجريمة الإخفاء أو التهريب، وأن لا يقتصر تحقق الجريمة على إخفاء أو تهريب الجاني في الجريمة الأصلية.
– ثانيا: بشأن نطاق الجريمة:
نقترح أن تشمل جريمتي الاخفاء أو التهريب، التستر أو تهريب المطلوبين أمنيًا في بعض الجرائم، كجرائم أمن الدولة أو الإرهاب، ولو لم تحرك الدعوى الجزائية في مواجهتهم؛ ذلك أن درجة خطورتهم أكبر من المتهمين والمحكومين عليهم في الجرائم التقليدية.
– ثالثا: بشأن التفرقة في العقوبة:
بما أن المشرع اليمني لم يفرق بين إخفاء أو تهريب المتهم من جهة، وبين إخفاء أو تهريب المحكوم عليه أو المدان من جهة أخرى، بحيث أنه جعل عقوبتهما واحدة، وعلى أساس ذلك، نوصي المشرع بأن يضع ضابط نوع الجريمة، معيارًا لتحديد عقوبة المساعد على جريمتي الاخفاء أو التهريب، كما ذكرنا ذلك تفصيلا في البند الثالث من المحور الثاني لهذه الدراسة.
– رابعا: بشأن الاستثناء من الإعفاء للعقاب:
ندعوا المشرع أن يستثنى من إعفاء الاقارب من عقوبة الاخفاء أو التهريب، وذلك في حال ارتكاب من تم إخفاؤه أو تهريبه لجريمة حدّيه مركبة، أو جريمة إرهابية، أو ارتكابه لجريمة من جرائم العود الخاص، أو جريمة على عدد من الأشخاص (جماعية)، و نتج عنها وفاة أكثر من شخص، ولو علموا أقاربه بذلك بعد ارتكابه الجريمة.
– خامسا: بشأن شبهة التناقض بين نص المادتين (١٩١ و ٢٢٣) عقوبات:
نرى “ومن وجهة نظرنا المتواضعة”، أن المادة (١٩٠)، أحتوت على عذر قانوني معفي من العقاب للزوجه، ويشمل هذا العذر العام، الإخفاء لجميع الجرائم. أما المادة (٢٢٣) فقد تطرق حكمها على جريمة خاصة ومقيده، وهي “إخفاء المتهرب أو الفار من الخدمة العسكرية”. علاوة على ذلك، فان نص المادة (٢٢٣) جاء ترتيبها متأخرًا عن نص المادة (١٩٠)، فالأولى أن يطبق النص المتأخر على النص المتقدم. ومن هذا المنطلق، فإن نص المادة (٢٢٣) لا يشمل العذر القانوني للزوجه وللاقارب، فاذا أخفت الزوجة زوجها، أو أخفى قريبًا قريبة، في حال تهربه أو فراره من أداء الخدمة العسكرية؛ فيعاقب وفق نص المادة (٢٢٣)، ولا يستفيد من العذر المعفي من العقاب، المذكور بنص المادة (١٩٠).
هذة وجهة نظري، والله أعلم بالصواب.
*عضو المحكمة العليا للجمهورية
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق