جرائم التلوث البحري في اليمن..”دراسة تحليلية”


 

القاضي الدكتور صالح عبدالله المرفدي

تمهيد:

تُعدّ موضوع الحماية الجنائية للبيئة البحرية من التلوث، واحدة من بين أهم الموضوعات التي ظهرت مؤخرا على الساحة القانونية، وذلك راجع لأهمية البيئة البحرية في حد ذاتها، هذه  الأخيرة التي أضحت تمثل رقما لا يستهان به في اقتصاديات العالم؛ كونها تمثل مخزونا هائلا للثروات المعدنية و كذا الثروة السمكية، بما في ذلك المياه العذبة بعد عملية التحلية، ناهيك عن أهميتها في مجال النقل والاتصال، كونها تعد من أفضل الطرق وأيسرها مؤنة.

    وفي ظل ازدياد ارتكاب جرائم التلوث البيئي في الاونة الاخيرة باليمن لا سيما (التلوث البحري)، ابتداء بحادثة باخرة ليمبورغ الفرنسية، ومرورا بحادثة شامبيون (1) في المكلا، وانتهاءًا بحادثة الباخرة ضياء في ميناء عدن، يتطلب الأمر الاهتمام في اليمن بالبيئـة البحريـة، والتي تعد من الاهتمامـات الحديثـة علـى الصعيد الدولي والإقليمي.

    وسنتناول في هذه الدراسة الموجزة والمتواضعة، جرائم التلوث البحري من الزاوية القانونية، مع الاشارة لموقف المشرع اليمني في كل محور من هذه الدراسة، ولأجل ذلك سنقسمها إلى اربعة محاور: ندرس في الأول ماهية ومدلول جرائم التلوث البحري، و نتطرق في المحور الثاني لأركان جرائم التلوث البحري، ونستعرض في الثالث العقوبة في جرائم التلوث البحري، ونخصص المحور الرابع والأخير لموقف الفقه الإسلامي، والقوانين الدولية منً هذة الجرائم، ونختم الدراسة بابداء توصياتنا لهذا الموضوع الهام.

 المحور الأول: ماهية ومدلول جرائم التلوث البحري:

تعرّف جريمة التلـوث البحـري بأنـها: “إدخـال أي مـواد أو طاقـة بواسـطة الإنسـان فـي تلـك البيئـة بطريـق مباشـر أو غيـر مباشـر؛ ممـا ينتج عنه أثـراً ضـاراً بالأحيـاء المائيـة، أو يهـدد صحـة الإنسـان، أو يعـوق الأنشـطة البحريـة، بمـا فـي ذلـك صيـد الأسـماك”.

وعـرّف الُمشـِّرع اليمني التلـوث البحـري في القانون رقم 16 لسنة 2004 بشأن “حماية البيئة البحرية من التلوث”، وذكر هذا التعريف صراحة في نص المادة (2) فقرة (ك) بالاتي: (تلويث البيئة البحرية): “هو إدخال أي مواد أو طاقة في البيئة البحرية بطريقة إرادية أو غير إرادية، مباشرة أو غير مباشرة، ينجم عنها أو يحتمل أن ينجم عنها ضرر بيئي، أو تعوق الأنشطة البحرية، بما في ذلك صيد الأسماك والاستخدامات المشروعة الأخرى للبحار والمحيطات، أو إفساد صلاحية مياه البحر للاستعمال المشروع، أو ينقص من التمتع  بها أو يغير من خواصها”. 

   إن أهمية ماهية ومدلول هذا التعريف يكمن في أن السـلوك الإنسـاني، هـو أحـد العوامل المهمـة والمؤثـرة علـى البيئـة، سـواء بتلويثهـا أو الحفـاظ عليهـا وسـلامتها، ويعتمـد هذا أساسـاً علـى مـدى دور الإنسـان فـي التعامـل مـع البيئـة التـي تحيـط بـه، حيث بـدأ الاهتمـام بالبحـث عـن الوسـائل المناسـبة التـي تضمـن توفيـر بيئـة سـليمة ونظيفة، كما بـدأ العالـم يعـرف اتجاهـاً متصاعـداً لحمايتها ضـد التلوث البحري، بسـبب مـا يُلقـى مـن المـواد والمخلفـات، المؤديه في الأخيـر إلـى آثـار مدمـرة علـى الثروات الحيـه علـى صحـة الإنسـان.

المحور الثاني: أركان الجريمة:

لدراسة هذا المحور، سأقسمه لفرعين، اتناول في الأول الركن المادي، واتطرق في الثاني للركن المعنوي. 

الفرع الأول: الركن المادي:

بالعودة للقواعد العامة في تنظيم أركان الجريمة في قانون العقوبات المواد “٧ ، ٨ ، ٩ ، ١٠”، ومـن خـلال نصـوص قانون حماية البيئة اليمني، نجـد أن جريمـة التلويـث البحـري تتسـم بثلاثة عناصر:

العنصر الأول: الفعل أو الامتناع:

ويتحقق ذلك الفعل بسلوك إيجابي، كما يتحقق الامتناع بسـلوك سـلبي، ويأتـي ذلـك مـن خـلال الالتزامـات التـي فرضهـا الُمشـِّرع اليمني على ربان السفينة؛ باعتباره المسـؤول عنهـا باتخاذ الإجـراءات الكافيـة للحمايـة مـن آثـار التلـوث، فـي حالـة وقـوع حـادث لإحـدى الوسـائل، أو يخشـى منـه تلـوث البيئـة البحريـة، كمـا ألـزم مالـك السـفينة أو أي شـخص مسـؤول عنهـا، كالوكيل الملاحي بإبلاغ هيئات الموانئ و حـرس السواحل وغيرهـا مـن السـلطات المختصـة عـن كل حـادث تسـرب للـزيـت أو النفط، أو لأي نفايات ضاره فـور حدوثـه، لأن الإحجـام عـن إتيانهـا يعـدّ سـلوكاً إجراميـاً إذا مـا تـم ويقـع تحـت طائلـة القانـون.

العنصر الثاني: النتيجة الإجرامية:

ويتطلب القانون اليمني فـي جرائـم تلويـث البيئـة البحرية، حـدوث نتيجـة ماديـة معينـة، تتمثل بالضرر الـذي أدى إليـه السلوك الإجرامي لــيقـرر العقـاب عنـه، وقـد لا يتطلب تحقيـق نتيجـة محـددة، بحيـث ينصّب التجريـم علـى ذات النشـاط الإجرامـي للجانـي فعـلاً كان أو امتناعـاً، دون النظـر إلـى أي نتيجـة مسـتقلة يـؤدي إليهـا هـذا النشـاط، كمـا أن النتيجـة الإجراميـة فـي هـذه الجرائـم غالبـاً مـا يتراخـى تحققهـا، فتحـدث فـي مـكان وزمـان مختلفيـن عـن مـكان وزمـان ارتـكاب السـلوك الإجرامـي، وهـو مـا يطلـق عليـه بالجريمـة المتراخيـة. 

العنصر الثالث: العلاقة السببية:  

جرائـم تلويـث البيئـة البحريـة شأنها شأن سائر الجرائـم، فلابـد مـن توافـر رابطـة السـببية بيـن السـلوك الإجرامـي، سـواء تمثـل فـي سـلوك إيجابـي أو سلبي (الامتنـاع)، وبيـن النتيجـة الإجراميـة كأثـر لهـذا السـلوك الضـار مـن الجانـي، التـي قـد تتسـم بعـدم الوضـوح نظـراً لتأخـر ظهورها، والـذي قـد يسـتغرق مـدة طويلـة مـن الزمـن، وقـد تظهـر النتيجـة بشكل تدريجي غير محسوس. 

الفرع الثاني: الركن المعنوي:

ويتمثل في صورتين:

الصورة الاولى: القصد الجنائي العمدي:

ويتحقـق الركـن المعنـوي فـي جرائـم تلويـث البيئـة البحريـة العمديـة، بتوافـر القصد الجنائـي العمدي (المباشر) لـدى الجانـي، الـذي يقـوم علـى عنصريــن همــا (العلــم والإرادة)، فيجـب أن يعلـم الجاني بـأن مـا يقـوم بـه، هـو اعتـداء علـى البيئـة البحريـة، ويلحـق الضـرر بهـا سـواء أكان بالسـلوك الإيجابـي بالفعل، أو عـن طريـق الامتناع، ولا يتحقـق القصد الجنائي بالعلـم وحـده، بـل يجـب أن تتجـه إرادة الجانـي الحـرة الخاليـة مـن العيـوب إلـى القيـام بالنشـاط، وتحقـق النتيجـة عـن وعـي كامـل ودون تأثـر بظـرف مـن الظـروف القاهـرة المانعـة للمساءلة، ولا يشترط توافر القصد الجنائي المباشر في جرائم التلوث البحري، كما ذكر سابقا، بل قد يتوافر القصـد الجنائـي العمدي (الاحتمالي)، ويتحقق ذلك، باتجـاه إرادة الجانـي إلـى ارتـكاب فعـل أو الامتنـاع عـن فعـل، متـى كان هـذا الارتـكاب أو الامتنـاع مُجرّمـاً قانونـا،ً وذلـك بقصـد أحـداث نتيجـة أخـرى مُجرّمـة قانونـاً يكـون الجانـي قـد توقعهـا”.

الصورة الثانية: القصد الجنائي غير العمدي:

ويتحقق الركن المعنوي في جرائم التلوث البحري عن طريق الخطـأ غيـر العمـدي بأوصـاف مختلفـة، فقد يسمى الإهمــال، وعبـر عنـه المشرع بألفـاظ أخـرى فـي مواضـع متعـددة (بصـورة غيـر إراديـة، أو عـدم مراعاة اللوائح)، والخطـأ غيـر العمـدي فـي جرائـم تلويـث البيئـة البحريـة، يتحقـق إذا توافر أحد أمرين:

الأول/ إذا لم يتوقع الجاني النتائج الضارة، التي تنجم عن فعل التلويث وفقاً للمجرى الطبيعي للأمور.

والثاني/ أن يتوقع الجانـي الأخطـاء التـي تحـدق بفعـل التلويـث، إلا أنـه لا يكـف عـن الاسـتمرار فـي فعلـه، أو لا يباشـر مـا يجـب أن يتخـذه الشـخص العـادي فـي مثـل هـذه الظـروف مـن سـبل الوقايـة للحيلولـة دون حـدوث الضـرر.

المحور الثالث: عقوبة الجريمة:

 لدراسة هذا المطلب بشكل مفصل، سأقسمة الى فروعين، اتناول في الاول العقوبات الواردة في قانون الجرائم والعقوبات باعتبارة قانون عام لهذة الجريمة، واخصص الثاني للعقوبات الواردة في قانون حماية البيئة من الثلوث البحري باعتبارة قانون خاص للجريمة.

الفرع الأول: قانون الجرائم والعقوبات كقانون عام:

ونـص هذا القانون برقم (١٢) لسنة ١٩٩٤ علـى عقوبـات في ثلاث حالات وهي:

الحالة الأولى: إرتكاب الجريمة بقصد عمدي:

حيث قرر المشرع لها عقوبة الحبس مدة لاتزيد على عشر سنوات، حيث نصت المادة 140 عقوبات بالاتي: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عشر سنوات، من عرض عمدا حياة الناس أو سلامتهم للخطر؛ بوضعه مواد سامة، أو ضارة، من شأنها أن يتسبب عنها الموت، أو ضرر جسيم بالصحة العامة في المياه الإقليمية، أو الموانئ، أو في بئر، أو خزان مياه، أو أي شئ آخر معد لاستعمال الجمهور”.

الحالة الثانية: حالة توافر الظروف المشددة:

وفي حال تحققها تضاعف العقوبة، حيث نصت المادة (141) عقوبات، على حالة وقوع كارثة أو موت أو جرح إنسان، وذلك بالاتي: “إذا نتج عن أي من الجرائم المبينة بالمواد (137، 138، 139، 140)، كارثة تعطيل أي مرفق عام، أو ضرر جسيم بالأموال، أو حدوث عدد من الإصابات الجسيمة، تكون العقوبة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس عشرة سنة، وإذا ترتب عليها موت إنسان، تكون العقوبة الإعدام حداً، دون إخلال بحق ولي الدم في الدية .وإذا نشأ عنها جرح شخص، أضيف إلى العقوبة المقررة للجريمة القصاص في الأطراف، أو الدية، أو الأرش على حسب الأحوال”.

الحالة الثالثة: ارتكاب الجريمة بإهمال أو تقصير:

واشارت اليها المادة (143) عقوبات بالاتي: “يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات أو الغرامة، من تسبب بإهمال في إشعال حريق، أو انفجار، أو غرق، أو تلويث، أو تعطيل لإحدى وسائل النقل، فإذا نجم عن الإهمال كارثة، تكون العقوبة الحبس مدة لا تتجاوز خمس سنوات”.

الفرع الثاني: قانون التلوث البحري كقانون خاص:

ونص هذا القانون رقم 16 لسنة 2004، على مجموعة من العقوبات في الباب السادس (المواد 27 وحتى المادة 32)، وذلك في حال القيام بأفعال التلوث البحري، وهي على سبيل المثال لا الحصر: 

١– إغراق النفايات الخطرة، أو المواد الملوثة في البيئة البحرية.

٢– إلقاء، أو تصريف أية مواد ضارة، أو نفايات في البيئة البحرية.

٣– تصريف الزيت، أو المزيج الزيتي في البيئة البحرية.

٤– استيراد، أو جلب نفايات خطرة، أو دفنها، أو إغراقها، أو التخلص منها في بيئة الدولة البحرية.

    ولعله من المفيد التاكيد، ومن خلال بحثنا على بعض التشريعات العربية، الخاصة بحماية البيئة البحرية من التلوث، فقد وجدنا أنها نصت على عقوبات رادعة ضد ارتكاب هذه الجرائم، قد تصل في بعضها الى تطبيق (عقوبة الاعدام)، مع جسامة جرائم التلوث البحري.. وعلى العكس من ذلك لوحظ، أن المشرع اليمني نص في هذا القانون الخاص على عقوبات بسيطة، لا تتناسب مع ما تحدثـه هذه الجرائم من نتائج تلويـث مُدمّـر يفتـك بالنظـام البيئـي للبشر والحيوان، وعلى الرغم من هذا، فقد نص المشرع  اليمني صراحة في المادة (27) بالاتي: “مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد تنص عليها القوانين النافذ، تطبّق العقوبات في هذا القانون”، ومعنى هذا، في حال وجود نصوص عقابية أشد لجريمة التلوث البحري، فهي الآولى بالتطبيق، ويعني هذا إجمالا، أن للمحكمة الحق في تطبيق العقوبات الواردة في قانون الجرائم والعقوبات؛ إذا وجدت أن تطبيق العقوبات الواردة في قانون حماية البيئة غير رادعة،وما يعزز صحة هذا التفسير، أن نص الفقرة الثالثة من المادة (32) من هذا القانون الخاص، نصت على جواز تطبيق المادة (27) المشار إليها سلفاً، بقولها الآتي: “إذا ترتب على ارتكاب المخالفة فعل جنائي”.

كما يجب الاشارة، بأن المشرّع قد نصّ على اقسى عقوبة في هذا القانون الخاص، فعملاً بنص المادة (28) منه، والتي قضت بعقوبة الغرامة المالية التي لا تقل عن مليوني ريال، أو بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، أو بالعقوبتين معاً، لكل من خالف أحكام المادة (3) من هذا القانون،  اما بقية العقوبات الواردة في المواد (29، 30، 31)، فانها لا تتجاوز الغرامة بمبلغ خمسمئة الف ريال يمني، أو الحبس مدة لا تزيد عن سنة فقط، فيما نصت المادة (32) على عقوبات تكميلية إدارية بالحكم بالتعويض، أو التكاليف المستحقة للهيئة، كما يحق للهيئة تطبيق الجزاءات الإدارية على المخالفات غير المتعمدة لأحكام هذا القانون. وغني عن البيان التنويه، بأن قضايا التلوث الضار بالبيئة، تولى لها أهمية خاصة في اغلب دول العالم؛ من خلال نظرها بإجراءات محاكمة مستعجلة، وهو ما اكد عليه المشرع اليمني، طبقا لنص الفقرة (٧) المادة (٢٩٦)، من قانون الإجراءات الجزائية رقم ١٣ لسنة ١٩٩٤.

المحور الرابع: موقف الشريعه والقانون الدولي:

و لدراسة هذا المطلب بشكل مفصل، نقسمه لفرعين، نتناول في الأول موقف الفقه الإسلامي من جرائم التلوث البحري، ونخصص الثاني لدراسة موقف القانون الدولي من هذه الجرائم.

الفرع الأول: موقف الشريعة الاسلامية:

يمكن إيجاز اضرار جرائم تلوث البيئة في الشريعة الإسلامية بأهم النتائج وهي: 

١– بدأ الإهتمام بالبيئة في الشريعة الإسلامية قبل 14 قرنا، فقد جاءت بأصولها وفروعها وقواعدها الفقهية ومقاصدها التشريعية، بمنهج شامل لرعاية البيئة وحمايتها من الجرائم، ويقوم هذا المنهج على أساس، الربط الوثيق بين عقيدة الإنسان واستقامته، وبين صلاح بيئتة وإزدهارها، كل ذلك عملا بقوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) البقرة/ ٢٢.

٢– تقوم جرائم البيئة في الشريعة الإسلامية، على أركان مثل الجرائم العادية، وتتمثل في الركنين المادي والمعنوي، وتترتب المسؤولية الجنائية والجزاء الجنائي، على كل من ارتكب جريمة بيئية، وينادي الفقهاء الى ضرورة إعادة تكييف وتصنيف الجرائم البيئية؛ بما يحقق فعالية الحفاظ على البيئة. يقول المولى تبارك وتعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ) البقرة/ ٦٠.

٣– جعلت الشريعة الإسلامية المسؤولية في حفظ الطير والحيوان ورعايته، مسؤولية مشتركة بين الفرد والمجتمع، كما حرمت الشريعة ذلك؛ من خلال تجريمها لكل من تمتد يده بالإساءة إلى الطيور والحيوانات، سواء كانت الإساءة معنوية أو مادية. وذلك مصداقا لقول المولى عزّ وجل في محكم آياته: (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب) البقرة/ ٢١١.

٤– حذرت الشريعة الإسلامية من قطع الشجر والنبات، ومالها من آثار على الجانب البيئي، وجاءت بأحكام واضحة ومفصلة، تقوم على حفظ الهواء وإبقاءه نقيا وصافيا، كما حرّم الإسلام عن إحداث الضوضاء ورفع الأصوات؛ بتشبيهه لها بصوت الحمي، وذلك تطبيقا لقوله جلّ شأنه: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ  الفساد) البقرة/ ٢٠٥.

الفرع الثاني: موقف القانون الدولي:

تعتبر جرائم التلوث البحري من الجرائم الدولية، المنظمة والعابرة للحدود، فإذا ما اخلّ القضاء الوطني في أداء واجبه، فهناك منظمات دوليه متخصصه في رفع الأمر إليها لتدويل القضية، كما أن هناك فريق من الإنتربول – البوليس الدولي- المعني بإنفاذ القوانين، المتصلة بالتلوث مع الأجهزة في البلدان الأعضاء، ولديها كشوفات لجرائم التلوث البحري؛ لمتابعة تلك الجماعات الضالعة فيها. وقد تبيّن من خلال بحثنا، أن الشبكات الإجرامية المتورطة في الاتجار بالنفايات، ضالعة أيضاً في عمليات، الاحتيال، وغسل الأموال، والاتجار بالبشر، والمخدرات، والاتجار بالأسلحة النارية. وفي هذا الاطار، تساعد العمليات والتدريبات “بقيادة الإنتربول”، أجهزة إنفاذ القانون في القبض على مرتكبي جرائم التلوث، حيث أقام الإنتربول مركزا للعمليات الميدانية في (سنغافورة)؛ للتركيز على مكافحة التجارة غير المشروعة بالنفايات البحرية، والتي تشكل تهديدا رئيسيا لأمن البيئة البحرية، ولقد حققت هذه المنظمات المختصة بمتابعة جرائم التلوث البحري، نتائج ملموسة في إطار هذا التحرك، وحرصًا على هذا الأمر، انشىء اتحاد دولي، يطلق علية (اتحاد الشركات الدولية؛ لمكافحة الجريمة الماسة بالأحياء البرية والبحرية). 

      ومن نافلة القول، أن جرائم التلوث البحري الضارة بالبيئة لا تسقط بالتقادم، اعمالاً لنصوص اتفاقية “نورمبرج الالمانية”، الماده (07)، كما تطرقت العديد من الاتفاقيات الدولية، لأحكام وقواعد حظر اعمال التلوث البحري، واتخذ بشأنها العقوبات الرادعة التي تتجاوز القوانين الوطنية، وأهمها اتفاقية “لندن 1957″، بشأن منع تلوث البحر بالبترول، واتفاقية “اوسلو 1972″، لمنع التلوث البحري بإغراق السفن.

التوصيات والمقترحات:

من الضروري أن نختم هذة الدراسة الموجزة، بعدد من التوصيات والمقترحات، نوجز أهمها في الآتي:

١ – نوصي اجهزة الدولة المختصة، ممثلة بوزارتي النقل والمياه وحماية البيئة، والهيئة العامة للشئون البحرية، وكافة جهات الاختصاص وذات العلاقة، لوضع إستراتيجية عامة من خلال الدراسات والبحوث، تعنى بنشر التوعية البيئية لجميع أفراد المجتمع؛ بهدف معرفة مدى ارتباطها الوثيق بأحكام القوانين الوطنية، والدولية، واحكام الشريعة الاسلامية الغراء.

٢– ندعو بتعميم تلك الاستراتيجيات والبحوث والدراسات على المستوى الإعلامي والتعليمي، وإعداد إطارات علمية ذات كفاءة عالية في علم البيئة، وربطها بالتشريع الوطني والدولي وأحكام الفقه الإسلامي. 

٣– نهيب بالاعتماد على البحث العلمي المستمر؛ لترقية التشريعات البيئية، على أن يتولى البحث متخصصون مجتهدون في الشريعة والقانون؛ للجمع بين والأصول والفروع.

٤– من المستحسن رسم سياسة عامة لحماية البيئة، تبدأ بالوقاية من نوعية التعليم والنصح والإرشاد، مع التجريم النصي صراحة، ثم العمل “بنظام الحسبة”؛ لإزالة الضرر في أوانه، مع تقرير عقوبات مناسبة ورادعة للفعل الضار، سواءً على سبيل القصد أو الإهمال والتقصير.

٥– نقترح العمل على إجراء تعديل تشريعي عاجل، في قانون حماية البيئة من التلوث البحري رقم ١٦ لسنة ٢٠٠٤، وذلك بقصد تشديد عقوبات الحبس والغرامات، أسوة بالتشريعات العربية المماثلة، فلا يعقل أن تكون مدد الحبس أقل من قانون العقوبات، وليس منطقيًا أن تكون الغرامات بالعملة المحلية، في مهنة ملاحية معروفة تدرّ دخلاً وفيرًا بالعملة الصعبة.

نسال الله تعالى أن يحفظ البلاد والعباد، والله اعلم، وهو الموفق للصواب.

*عضو المحكمة العليا للجمهورية


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد