القاضي الدكتور صالح عبدالله المرفدي
تمهيد:
يشكل إضراب الموظف العام، وبالأخص في “اليمن”، ظاهرة متكررة بين فترة واخرى لايمكن تجاهلها، فضلاً عن تعلّق الموضوع، باحدى أهم المواضيع المستجدة على علاقة الموظف بالدولة. وفي هذا الإطار، دائمًا ما تصلنا أسئلة واستفسارات متكررة وعديدة، حول المشروعية الشرعية والقانونية، للإضرابات عن العمل والمتكررة في البلدان، ومنها اليمن على وجه الخصوص!
ومن هذا المنطلق، كان من الأهمية ، دراسة هذا الموضوع، في أربعة محاور: نتناول في الأول، مدلول وخصائص الإضراب واشكاله، ونتطرق في المحور الثاني، لموقف الفقه والقضاء والتشريعات العربية من الإضراب، ونستعرض في الثالث، موقف الشريعة الإسلامية، ونبين في المحور الرابع، موقف المشرّع اليمني، ونختم الدراسة من خلال وضع بعض التوصيات والمقترحات المتواضعه.
المحور الأول: مدلول وخصائص الاضراب وانواعه:
– اولا: مفهوم ومدلول الإضراب:
1- الاضراب لغة: مصدر للفعل الرباعي (أضرب)، فيقال: أضربت عن الشيئ: كففت عنه وأعرضت، وضرب عنه الأمر صرفه، قال تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين). {سورة الزخرف، الآية ٥}. أي نهملكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم. ومن ثم فإن الإضراب، يأتي بمعنى الكفّ عن الشيء أو الإعراض عنه، ولا مناص من القول، أن مدلول الاضراب “اللغوي”، يختلف عن الامتناع، في أن الامتناع ذو معنى اعم من الاضراب، فهو يمثل الامتناع عن العمل وغيره، بينما الاضراب خاص بالامتناع عن العمل، والعلاقة بينهما عموم وخصوص، فكل اضراب هو امتناع، ولكن ليس كل امتناع هو إضراب، فقد يمتنع الموظف عن عمله لسبب خاص به، ولا يعدّ فعله آنذاك اضرابًا عن العمل.
2- الإضراب اصطلاحًا: يعرّف الإضراب بالاصطلاح الفقهي بأنه: “التوقف الجماعي للعمال والموظفين، عن اداء اعمالهم الملزمة قانونًا ولمدة مؤقتة، ومن دون أن يتخلوا عن وظائفهم؛ من أجل ارغام السلطة العامة في الدولة، أو اصحاب العمل، على تلبية مطالبهم المهنية المشروعة وفقا للقانون”، وغني عن البيان، أن مدلول الإضراب “الاصطلاحي”، لا يعني أن هذا الحق مُطلق، بل يخضع كغيره من الحقوق لقيود قانونية، تضمن ممارسته بشكل سلمي، وتحفظ السير العادي للمرفق، مع ضمان حرية التعبير عن المطالب المهنية، وإلا عُدّ أمر غير مشروع، ولأجل ذلك، تسبقه بعض الاجراءات والترتيبات لابد من مراعاتها.
ثانيا: خصائص الإضراب:
مما سبق ذكره من التعاريف، نستنتج بأن هنالك عدة خصائص وسمات للإضراب، نلخصها بالاتي:
1– الاضراب هو امتناع عن العمل بفعل سلبي، ويتمثل بترك العمل على الرغم من إلزاميته.
2 – أنه يمارس بصورة جماعية.
3 – أن الإضراب يكون لمدة مؤقتة .
4 – أنه إحدى صور التعبير عن حرية الرأي.
5 – أن الاضراب لا يمارس تحت صورة واحدة، وإنما يأخذ صورًا واشكالاً عدة.
6– أن الإضراب وسيلة استثنائية، لا يمارس إلا حينما يستنفد جميع الطرق الاخرى؛ لحلّ النزاعات العمالية والوظيفية قانونًا.
– ثالثا: أنواع وأشكال الإضراب:
بطبيعة الحال، فإن التوقف عن العمل من جانب المضربين، لا تأتي بصورة واحدة، بل تختلف باختلاف غاية المضربين، ومكان عملهم، والمطالب التي ينوون تحقيقها، لذا فإن للإضراب عدة صور أو أشكال نوجزها بالآتي:
1- الاضراب التقليدي العادي:
وهو أكثر أنواع الإضراب انتشارًا في الحياة العملية، حيث يترك فيه المضربون مكان عملهم، ويلتحقون بالدوام بطريقة منظمة ومدروسة مسبقًا، وتأخذ النقابات فيه كافة الاحتياطات اللازمة لبلوغ هدفها.
2- الإضراب القصير والمتكرر:
وهو عبارة عن توقفات عديدة ومتكررة، مع البقاء في أماكن العمل، يتخللها انقطاع تام عن العمل احياناً ولفترة قصيرة، ثم يستأنفون عملهم فيما بعد.
3- الإضراب التضامني:
ويحصل عندما لا يضرب الموظفين تأييدًا لمطالب لهم، من قبل الدولة، وإنما يؤيدون موظفين اخرين، سواءً انتموا الى نفس فئتهم، أم إلى مهن أخرى، وهذا النوع من الاضراب يُعدّ مشروعًا؛ إذا تعلقت بمطالبات مهنية مجرّدة وليست سياسية.
4- الإضراب الدائري (الغلق):
وهذا الاضراب يتطلب انسجاماً وتخطيطًا محكمًا، حيث يتم بصفة فئوية متتابعة، تمتنع فيه فئة معينة عن العمل لفترة مُحددة، ثم تأتي بعدها فئة أخرى بعد استعادة الفئة الأولى نشاطها، ويمهّد في نفس الوقت للموظفين؛ الانقطاع التام عن العمل، وهذا النوع من الإضرابات، أكثر ضررًا من الانقطاع الجماعي عن العمل، وهو غير مشروع غالبًا لدى القطاع العام.
5- الإضراب المفاجئ:
ويتم بدون إخطار الادارة مسبقًا بالإضراب وموعده، من قبل الموظفين أو النقابات الممثلة لهم؛ كي يستعدوا لمواجهته، ولا يخفى ما لهذا النوع من الإضراب من نتائج خطيرة؛ بسبب عنصر المفاجأة، وتأثيره السلبي في اعاقة المرفق العام عن أداء رسالته.
6- الإضراب السياسي:
وهو أخطر أنواع الإضراب، حين يمارس من قبل الموظفين؛ احتجاجًا على سياسة الحكومة أو الدولة، سواءً فيما يتعلق بالتنظيم العمالي، أو تلك المتعلقة بموظفي الإدارة العامة، أي أنها تمارس ضد سياسة معينة، تتبعها الحكومة أو الاحزاب المكونة لها وصراعاتها فيما بينها، ومن ثم، فإن الهدف من هذا النوع من الإضراب، ليس تحقيق الأهداف المهنية المُجرّدة.
المحور الثاني: موقف الفقه والقضاء والتشريعات العربية:
أولا: موقف الفقه:
اختلفت الاتجاهات الفقهية، حول إضراب الموظف العام بالذات، بين مؤيد له ورافض، إلا أن الراجح هو إعتبار أهمية المحافظة على سير المرافق العامة، بحيث لا تتعارض مع اضراب الموظفين، وتقييد الاضراب وفق ضوابط قانونية، يحددها القانون المنظم للاضراب؛ لأن منعه وحظره، يجعل الموظفين يتوجهون حينئذً الى ممارسات وافعال خاطئة، تضرّ بالصالح العام حتى لو عوقبوا من اجلها، ويؤثر بالتالي بصورة أكثر سلبية على أداء المرفق العام.
ومن نافلة القول، أن مشكلة الاضراب لاتتعلق بجوهر الحق في الاضراب نفسه، الذي هو المطالبة بحق معين بصورة سلمية، وإنما في طريقة التعبير عنه أو كيفية المطالبة به، ومن ثم يجب التفرقة، بين الاضراب السلمي المشروع، الذي يمكن ممارسته وفقا للضوابط القانونية، والذي لا يتعارض مع مبدأ سير المرفق العام بانتظام، وبين الاضراب الغير مشروع، الذي لايمكن ممارسته في الوظيفة العامة مطلقًا؛ لتعارضها الواضح مع ذلك المبدأ.
ثانيا: موقف القضاء:
1- في فرنسا:
عرّف مجلس الدولة الفرنسي -أعلى هيئة قضائية إدارية- الاضراب في احدى أحكامه بانه: ”توقّف مُنظّم مُسبق للعمل من أجل الدفاع عن المصالح المهنية”، ومما لا شك فيه، أن هذا التعريف موفّق الى حد كبير، لأنه أطلق في تعريف الإضراب، والاشخاص القائمين به، سواء العمال أم الموظفين، وحدد الغرض بالمصالح المهنية، المتعلقة بالعمل والوظيفة، دون الأغراض السياسية .
2- في مصر:
وفي ظل غياب التنظيم التشريعي لإضراب العاملين المدنيين بالدولة، وبالرغم من النص على حق الإضراب دستوريًا، إلا أن اجتهادات المحاكم، تتعدد وتتضارب في خصوص مشروعية الإضراب. ففي حكم شهير أصدرته المحكمة الإدارية العليا عام 2014م، قضت فيه بفصل عدد من موظفي مجلس الدولة، فصلاً نهائياً من عملهم، بسبب إضرابهم عن العمل؛ لقيامهم بقطع التيار الكهربائي عن بعض قاعات المحاكم، مما تسبب في إعاقة العمل. وجاء في حيثيات الحكم، أن مرفق القضاء يقدم خدمات حيوية للمواطنين، وهو ما يفرض على ممارسة الإضراب فيه، قيوداً أكثر صرامة، من تلك التي تفرض على غيره من المرافق، والتي قد تصل أحياناً إلى حد الحظر التام. وعلى العكس من ذلك، أرست المحكمة الإدارية العليا في 17 يونيه 2017، مبدأً قضائياً هاماً، أكّدت فيه أن الإضراب حق، لا يجوز العقاب على استعماله، ولو لم ينظمه المشرع، وتطبيقاً لهذا المبدأ، أصدرت حكمها، ببراءة 17 موظفاً بمكتب بريد “مدينة أشمون بمحافظة المنوفية”، من تهمة الإضراب عن العمل.
3- أما في اليمن:
فاننا مازلنا في مرحلة متأخره، تستدعي أن يكون لكل شخص طبيعي أو اعتباري، الحق في أن يلجئ للقضاء، لبحث مشروعية هذه الإضرابات من عدمها؛ ولعلّ السبب، هو غياب الوعي القانوني؛ أو غياب الثقه في أعمال القضاء؛ أو في تنفيذ أحكامه، أو ربما ندرة الاحكام القضائية بشأن الاضراب في اليمن بصفة خاصة، وفي الدول العربية بصفة عامه، وقد يكون أحدى الاسباب، هو تردد (الإدارة) القيام بدورها في إتخاذ الاجراءات القانونية بحق المضربين عن الدوام؛ نظرًا لعدم وجود ماتستند عليها من نصوص واضحة في هذا المجال، وسنفصل الخلل التشريعي اليمني في المحور الرابع من هذة الدراسه.
ثالثا: موقف التشريعات العربية:
في الإجمال، اتفقت التشريعات العربية على حق الموظف والعامل في الاضراب، سواءً على مستوى دساتيرها أو قوانينها النافذة، إلا أنها اشترطت لذلك شروط، يمكن إيجازها بالتالي:
1– أن تستنفد كل الوسائل والطرق السلمية، والتفاوض الجماعي للمضربين مع الادارة.
2– أن يتم اخطار أو ابلاغ الموظفين للادارة العامة، بعزمهم على البدء في تنفيذ الاضراب وتحديد مدته.
3– أن يتم رفض التظلم الإداري من القرار الصادر بحق العمال والموظفين والضار بهم .
4– أن يمارس الإضراب من قبل الموظفين، بما لا يلحق الضرر بالمصلحة العامة، من خلال تضمين ذلك في التشريع الإداري (والعقابي إذا لزم الأمر)، نصوصًا خاصة بتجريم الإضراب في بعض المرافق الاستراتيجية والحيوية، كمرافق الخدمات الماسّة بمعيشة المواطن، وأهمها الكهرباء والمياه، ومرافق الأمن، والصحة، والدفاع المدني، وفي بعض الأحيان، التعليم، والقضاء! لاسيما إذا كان اضرابًا عامًا، يشلّ حركة تلك المرافق المذكورة تمامًا.
وبالاتجاه المقابل، ذكرت بعض التشريعات العربية، على اعتبار الإضراب جريمة، إذا تعدى تلك الشروط المذكورة، ورتبت عليها عقوبات معينة، كما هو الحال في القوانين المصرية، والعراقية، والمغربية، والاردنية، حيث رتبت تلك القوانين عقوبات رادعة، على كل موظف أو مكلف بخدمة عامة، ترك عمله، أو امتنع عمدًا عن واجب من واجبات وظيفته أو عمله؛ متى كان من شأن الترك أو الامتناع، أن يجعل حياة الناس أو صحتهم أو أمنهم في خطر، وكان من شان ذلك، أن يحدث إضرابا أو فتنة بين الناس، أو إذا عطل مرفق عامًا.
المحور الثالث: موقف الفقه الإسلامي:
وردت العديد من المفاهيم المشابهة للإضراب في الفقه الإسلامي، وأهمها، ما عرفه العلامة (الجرجاني)، بأنه: ”الإعراض عن الشيء بعد الإقبال عليه.. ومن البديهي، أن الشريعة الاسلامية، ستقرّ الحق في الإضراب عن العمل، حيث وردت العديد من آيات الذكر الحكيم تبيح ذلك، ومنها قول المولى عزّ وجل: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا). {سورة لقمان، الآية ١٥}. فقد أورد (الإمام الحافظ بن كثير في تفسيره عن الطبراني)، أن هذه الآية نزلت فى قصة إضراب واضح عن الطعام من (أم الصحابي الجليل/ سعد بن أبي وقاص)؛ لإجباره على الرجوع عن دينه، ولعلها تكون أول محاولة للإضراب في التاريخ الإسلامي.
وتجدر الاشارة بالقول، أن الإسلام اعطى حقوقًا للعمال في المصانع، وموظفي الدولة في الهيئات والمؤسسات والشركات، والزراعيين في الأرض، سواءً أكان رب العمل هو الدولة أو الشخص (القطاع الخاص)، كما أوجب عليهم حقوقا وواجبات، وأهمها الأجور، وفي الحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة.. وثالثهم رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره)، وكلمة (الأجر) شرعاً تحتمل العدل، أي أنه يجب أن يكون الأجر معادلاً للعمل، وما يبذل فيه من جهد.
وتأسيسًا على ذلك، ومن خلال بحثنا، حول موقف الفقه الإسلامي من الإضراب، اتضح لنا، أن أغلب الفقهاء وضعوا بعض القيود والشروط، يمكن إجمالها على النحو الآتي:
١– سلب الموظف أو العامل أحد حقوقه المتفق عليها مع رب العمل بما فيها (الدولة)
٢– عدم جدوى مطالبة الموظف العامل بحقه شفهيا، أو بالطرق الاعتيادية.
٣– عدم تدخل الدولة لإقامة العدل وتسوية الخلاف.
٤– عدم جدوى الضغط الشعبي على الدولة، وعدم رضوخها عند التهديد بالإضراب.
٥– عدم تسبب هذا الإضراب عن العمل، بإيذاء أحد من المسلمين؛ بسبب التوقف عن العمل، أكبر من إيذاء العمال الواقع عليهم الظلم، وذلك تبعًا لما قرره الفقهاء في قاعدة: (يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام).
٦– وجود فجوة فعلية، ما بين الأجر المعطى للموظف أو العامل، ومتطلبات الحياة (أي عدم توافر حد الكفاية للعامل).
واستخلاصًا لما سبق، فقد وضع الإسلام قواعد العلاقة بين العامل أو الموظف وصاحب العمل، وعلى كل من الطرفين أن يلتزم بها، فما نص عليه العقد من حقوق وواجبات، فعلى كليهما أن يلتزما بها، عملًا بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). {المائدة ١}، وقوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون عند شروطهم، إلا شرطا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا”، وبمقتضى أداء العامل أو الموظف لعمله، يستحق مباشرة أجره حسب الاتفاق.. وعلى هذا الأساس، فإن للعامل أو الموظف، أن يتخذ كل وسيلة مشروعة لنيل حقه، سواءً بالتقاضي، أو بالتظاهر، وأخيرا بالإضراب عن العمل، لكن وفق الضوابط والحدود المشار إليها سلفًا، وأن لا يقصد الاضرار بالغير، أو أن المصالح التي يرمي إليها قليلة الأهمية، بالقياس الى ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
المحور الرابع: موقف المشرّع اليمني:
– أولا: موقف الدستور:
تناول الدستور اليمني في المادة (٥٨)، حق المواطنين في تنظيم أنفسهم نقابيا ومهنيا، ويتضح من خلال هذا النص، أن المشرع الدستوري، لم ينص على الحق في الإضراب صراحة، ومع ذلك، يمكن اعتبار هذا النص، ضمن ذلك الواقع العملي، المُعبّر بالحق في الإضراب السلمي، كوسيلة للمطالبة بالحقوق، وفضلاً عن ذلك، عبّرت نصوص المعاهدات الدولية عن حق الإضرابات، وأهمها الإضراب بموجب قانون التصديق على (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، والذي نص في المادة (٨)، على الحق في الإضراب، كما أن اتفاقيات العمل العربية، بشأن الحريات والحقوق النقابية، صرّحت على حق الإضراب للعمال والموظفين، ومع ذلك، نبّهت تلك الاتفاقيات، على ضرورة تنظيم ذلك وفق القوانين المحلية لكل بلد على حدة، وهو مالم يتم تفصيلة حتى اللحظة، في تشريع خاص ومستقل في اليمن، ينظم الحق الاضراب، ويحدد انواعه، وحالاته، وضوابطه، وشروطه، ونحو ذلك من قيود.
– ثانيا: موقف القوانين النافذة:
بعد البحث والاستقصاء، اتضح لنا عدم وجود قانون خاص، ينظم الإضراب منذ تأسيس الدولة اليمنية ولحد الان، كذلك الحال، لا يوجد في قوانين الوظيفة العامة، كقانون الخدمة المدنية، أو في القوانين الأخرى المتعلقة بالوظائف الاخرى، كالقضاء أو الصحة أو التعليم، نصوص تمنع اللجوء الى الاضراب، مما يعني ومن حيث الأصل القانوني، أن الاضراب حق مباح ومشروع في الوظيفة العامة، لكن هذا لا يعفي من صدور قانون خاص، ينظم ويضع ضوابط، وحدود، وقيود، ينبغي الالتزام بها عند ممارسة الحق في الإضراب.
ثالثا: موقف قانون تنظيم النقابات العمالية، رقم (٣٥) لسنة ٢٠٠٢م:
لعله من المفيد التأكيد، على أن هذا القانون الوحيد الذي جاءت به نصوص منظمة للإضراب، على أن هذا القانون، يسري على جميع العمال في القطاعين الخاص والمختلط، ويمكن أن يسري على موظفي اجهزة الدولة، حيث استثناء القانون فئات معينة صراحة، وهي على سبيل الحصر: “الجمعيات، والمؤسسات الأهلية، والاتحادات التعاونية، والنقابات النوعية التي تنشأ وفقاً لقوانين خاصة بها، وأفراد القوات المسلحة والأمن، وكذلك العاملين في السلطات العليا ودواوين الوزارات”.
وفي هذا المقام، حريًا بنا التطرق الى تلك النصوص التي نظمها هذا القانون، فيما يتعلق بالإضراب، وهي في المجمل، لا تتعدى خمس مواد قانونية:
1– صرحت المادة (٤٠) فقرة (أ)، على أن الإضراب السلمي، هو أحد الوسائل المشروعة للعمال عن حقوقهم، إذا لم يتم معالجة النزاع الناشئ عبر المفاوضة الجماعية. كما أشارت الفقرة (ب) من نفس المادة صراحة، على ضرورة التنسيق بين المنظمة النقابية الفرعيه، على عملية الإضراب الجزئي أو العام، مع المنظمة النقابية العليا.
2– أمًا المادة (٤١)، فقد ذكرت شروط الإضراب:
أولها/ استنفاذ كافة طرق التفاوض لحل النزاع.
ثانيًا/ أشعار الادارة أو صاحب العمل، قبل الشروع في الإضراب، بفترة لا تقل عن عشرة أيام.
ثالثًا/ ممارسة حق الإضراب بشكل سلمي، برفع الشارات لمدة ثلاث أيام، ثم التوقف عن العمل لمدة ثلاثة أيام.
رابعًا/ التوقف الكلي عن العمل، بعد انقضاء المدتين المذكورة.
3– نبهت المادة (٤٢)، على ضرورة عدم قطع التواصل، واستمرار المحاولات بين الموظفين والإدارة، أو بين العمال وصاحب العمل؛ سعياً للوصول الى حل لمشكلة الاضراب.
4– وفيما يتعلق بالمادة (٤٣)، فقد أكّدت، على عدم جواز فرض عقوبات على العمال، بما فيه الفصل من العمل بسبب الإضراب، إذا كان قد تم وفقاً للشروط القانونية المذكورة
5– بينما تطرقت المادة (٤٤)، على ضرورة تنظيم المنظمة النقابية نوبات لاستمرار العمل، في المنشآت الخدمية الضرورية؛ حتى لا يعرض حياة المواطنين للضرر.. وذكرت هذة المادة على تحديد نوع هذه المنشآت في اللائحة التنفيذية من هذا القانون. مع التنويه، بأننا قد حاولنا أن نبحث عن هذة اللائحه، فلم نجد لها أثرًا، أو أنها لم تصدر بعد؟!
خاتمة النتائج والتوصيات:
– أولا: النتائج:
1 – إن هدف القانون نحو تنظيم الحق الدستوري في الإضراب السلمي، تنظيماً لا ينطوي على مصادرة له، وترشده إلى الضوابط والقواعد التي يتعين عليه توخيها، للحيلولة دون إساءة أستعمال حق الإضراب أو تجريده من مضمونه؛ مما يعرضه للطعن عليه بعدم الدستورية.
2 – في راينا المتواضع أنه: حتى موعد صدور التشريع المنظم للحق فى الإضراب السلمى من البرلمان، يكون أي إضراب مباحاً، بوصفه حقا دستوريًا وموثق عليه دوليًا، فلا عقاب عليه تأديبيًا أو جنائيًا، متى التزم القائمون به بالضوابط العامة؛ لعدم إساءة استعمال الحق، بحيث لا يمثل إخلالاً من الموظف بواجبات الوظيفة، ولا يشكل بالتالي جريمة تأديبية تستوجب العقاب.
3 – نستنتج من كل ما سبق، أن الإضراب حق، لا يجوز العقاب على استعماله، وهذا من باب أولى، ولو لم ينظمه المشرع اليمني في قانون خاص ومستقل. وتطبيقاً لهذا المبدأ، وطالما وأن حق الإضراب نص عليه الدستور اليمني ضمنًا في المادة (٥٨)، ولما كانت الدولة اليمنية، قد صادقت على الاتفاقيات الدولية والعربية التي تمنح حق الاضراب، وحيث أن الدستور نفسه قد اقرّ صراحة على العمل بهذه الاتفاقيات، طبقًا لنص المادة (٦)، وحيث أوجبت تلك الاتفاقيات على المشرع اليمني تنظيم هذا الحق، وفق نصوص وطنية، فإننا نهيب وندعوا المشرع، على أن يشمل القانون الخاص، والصادر بشأن الإضراب، تنظيم المسائل والأحكام الخاصة بالإضراب، و نوجز أهمها في التوصيات.
– ثانيا: التوصيات:
١– نوصي أن ينص القانون، على حدود استعمال حق الإضراب للموظفين، لمطالب وظيفية مشروعة، ولا يمكن مجازاتهم عن استعمال حق قرره الدستور، وهو حق الإضراب.
٢– نقترح أن يذكر القانون صراحة، عدم إساءة استعمال الموظفين لحق الإضراب، وأن يكون الإضراب مهنياً مجرّدا من أي علاقة بتنظيم سياسي، ولا يرتبط بأي نوع من العنف.
٣– ندعو أن يكون تنظيم القانون للاضراب، بحيث يضمن التوازن بين هذا الحق من ناحية، وعدم إساءة أو التعسف في استعماله أو الانتقاص منه من ناحية، مع ضرورة دوام سير العمل في المرافق العامة، بانتظام واضطراد من ناحية أخرى.
٤– نرى أن ينبه القانون الموظف، إلى اللجوء إلى جهة الإدارة أولاً، بالوسائل القانونية المشروعة، كالتظلم ومخاطبة السلطات العامة، لتنفيذ هذه المطالب، وأن تتم المفاوضة حولها.
٥– من المستحسن أن يشير القانون الى ضرورة، إخطار الجهة الإدارية بالإضراب، قبل الشروع فيه بوقت كاف، وأن تعطي الجهة الإدارية مهلة؛ لبحث المطالب والرد عليها.
٦– من المستحب أن يصرّح القانون، على أن يبدأ الإضراب بصورة مُتدرّجة، بحيث يكون جزئياً قبل أن يكون إضراباً شاملاً، شريطة ألا يسري الاضراب الشامل على المرافق العامة الحيوية الهامة، والماسة بخدمة المواطن، بحيث لا يستغني عنها، والمشار إليها في البند الثالث من المحور الثاني من هذه الدراسة.
هذا والله أعلم، وهو الموفق للصواب.
*عضو المحكمة العليا للجمهورية
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق