القاضي/ المنتصر بالله وهيب
لا شك أن أول ما يستحضره كل متعامل مع القضاء تلك المحاضر التي تتمخض عن مرحلة ما قبل المحاكمة والتي يحررها ضباط الشرطة بمناسبة قيامهم بعملهم المتجلي في التثبت من وقوع الجريمة وجمع الأدلة حولها, وإلقاء القبض أو إيقاف كل شخص له علاقة بالفعل الجرمي. حيث تتجلى الأهمية الحيوية التي تحظى بها تلك المحاضر ليس فقط كوسيلة إثبات وإنما كآلية سُخِر لإنجازها سلطات واسعة تم منحها لضباط الشرطة, ففي هذه المرحلة يظهر الدور الخطير الذي يلعبه ضباط الشرطة, إذ إن مرحلة الاستدلال ليست من مراحل الدعوى الجنائية، كون غاية الاستدلال هي توضيح الأمور لسلطة التحقيق كي تتصرف على وجه معين، وليست غايته توضيح عناصر الدعوى للقاضي لكي يحكم على نحو معين، لأن ذلك من مهام التحقيق الابتدائي. ويمكن إجمال أهمية هذه المرحلة في النقاط التالية:
- تكمن أهمية مرحلة الاستدلال من خلال ما تكشفه من غموض الجريمة ومرتكبها. فهي تعكس صورة واضحة عن وقوع الجريمة وكيفية حدوثها والظروف التي رافقت ارتكابها.
- تسهم في سرعة السير في الإجراءات واختصارها عن طريق حفظ الشكاوى والبلاغات غير المدعمة والتي لا يجدي تحقيقها لإثبات الجريمة، مما يوفر التحقيق الابتدائي الذي ينتهي بأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية.
- المحافظة على أدلة الجريمة من التشويه والإزالة نتيجة تأخر أجهزة التحقيق عن الحضور إلى مكان الحادث.
- تفيد هذه المرحلة في تهيئة الأدلة للدعوى إثباتاً أو نفياً ولتسهيل مهمة التحقيق الابتدائي والمحاكمة في كشف الحقيقة فما يتم جمعة في هذه المرحلة قد يُكون قناعة القاضي إذا ما استوفت تلك الأدلة للشكل القانوني، فيستند في قراراته وأحكامه إلى ما تحتويه هذه المحاضر من معلومات نظرًا لما لها من حجية في الإثبات.
وذلك لأن الدعوى الجزائية وسيلة لمحاسبة الجاني وحماية المجتمع وسلامته وهي تمر بعدة مراحل تبدأ بمرحلة جمع الاستدلال مرورًا بمرحلة التحقيق انتهاء بمرحلة المحاكمة حيث إن موضوعنا في هذا البحث المتواضع سيكون عن جزئيه بسيطة من مرحلة جمع الاستدلال وهي تحرير المحاضر وبالأخص محاضر الضبط والتفتيش والمعاينة من قبل مأمور الضبط القضائي حيث إن قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م قد حدد من هم مأموري الضبط القضائي على وجه الحصر في المادة (84) ومن ثم بين مهام واختصاصات مأموري الضبط القضائي في المادة (91) من ذات القانون والتي نصت على أنه: (مأمور الضبط القضائي مكلف باستقصاء الجرائم وتعقب مرتكبيها وفحص البلاغات والشكاوى وجمع الاستدلالات والمعلومات المتعلقة بها وإثباتها في محاضرهم وإرسالها إلى النيابة العامة)، من خلال النص يتبين أن مهام اختصاص مأموري الضبط القضائي وردت على سبيل الحصر ومن مهامهم إثبات كل ما يقوم به في محاضر وإرسالها إلى النيابة العامة كما نص أيضاً في المادة (92) من ذات القانون على أنه: (إذا بلغ رجل الضبط القضائي أو علم بوقوع جريمة ذات طابع جسيم…… وجب عليه أن يخطر النيابة وأن ينتقل فوراً إلى محل الحادث للمحافظة عليه وضبط كل ما يتعلق بالجريمة وإجراء المعاينة اللازمة…….إلخ) .
إلا أن المشرع اليمني لم يتطرق إلى تعريف المحاضر التي يحررها ضباط الشرطة, لكن يمكننا أن نعرفها بأنها: (ذلك المحرر الرسمي الذي يدون فيه مأمور الضبط القضائي كل ما يتعلق بالجريمة من حيث أشخاصها وأدواتها وزمانها ومكانها وجميع وقائعها بالتفصيل) أو يمكن تعريفها (المحرر الذي يعده مأمور الضبط القضائي أثناء ممارسة اختصاصه بحيث يدون فيه كل ما شاهده وعاينه وذلك بنقل صورة كاملة ودقيقة وواضحة أثناء قيامه بتحرير المحضر على الوجه الذي رسمه القانون ).
كما أن تلك المحاضر أنواع نذكرها باختصار:
- من حيث صفة محررها: أما يحررها ضباط الشرطة أو أعوان الشرطة والموظفون الإدارية الذين يمتلكون صفة الضبط القضائي.
- من حيث أنواعها: فهي أما محاضر جمع استدلالات، أو محاضر ضبط، أو محاضر معاينة، أو محاضر تفتيش.
- من حيث قوتها الثبوتية: تنقسم إلى محاضر يوثق بمضمونها إلى أن يثبت ما يخالفها, أو محاضر لا يطعن فيها إلا بالتزوير إذا ما استوفت للشكل القانوني.
ولكي نكون أمام محاضر رسمية قانونية لا بد من توافر شروط شكلية وموضوعية أهمها الآتي:
أولا: الشروط الشكلية للمحاضر: لم يبين قانون الإجراءات الجزائية اليمني الشروط الشكلية لتحرير المحاضر بشكل صريح لكن بالرجوع إلى نصوص القانون نجد أنها موجودة بعض تلك الشروط بنصوص متعددة متناثرة في القانون وهناك مجموعة من الشروط يلزم توافرها في المحاضر التي يحررها مأموري الضبط القضائي حتى تتحقق الحجيه لها وهذه الشروط ترتبط بشكليات تلك المحاضر وسأذكر مجموعة من الشروط التي أرى أنها مهمة لصياغة المحاضر ومنها:
1- بيان نوع المحضر: سواء كان محضر تفتيش أو محضر ضبط أو محضر معينة أو غيره, ويا حبذا أن تكون تلك المحاضر بأوراق رسمية وأن يبين فيها وقت فتح المحضر من حيث (ساعته واليوم والتاريخ) وإثبات ساعة وتاريخ المحضر بأن يتضمن اليوم الأسبوعي والتاريخي والشهر والسنة، وتتمثل أهمية ذكر ساعة تحرير المحضر في بيان هل تم تحرير المحضر في الساعة المسموحة بها قانونًا وذلك بعد الساعة السادسة صباحًا أم قبلها وكذلك قبل الساعة السادسة مساءً أم بعدها. وكذا يكمن أهمية ذكر يوم تحرير المحضر في بيان هل تم تحرير المحضر في أيام العمل الرسمية أم لا وذلك ما لم تكن الجريمة مشهوده أو في حالة التلبس. أما أهمية ذكر التاريخ فيكمن في حساب مدة التقادم.
2– لغة المحضر: الأصل أن يتم تحرير المحاضر باللغة العربية لأنها هي اللغة الرسمية للبلاد بموجب الدستور الذي نص على ذلك صراحة في صلب نص المادة(2) من دستور الجمهورية اليمني، إلا أنه يمكن تحرير المحاضر بلغه غير اللغة العربية لكن يجب أن يتم بعد ذلك ترجمتها إلى اللغة العربية بمكتب مترجم معتمد.
3- بيان الهوية الكاملة للشخص المراد تحرير المحضر بشأنه: من حيث اسمه الكامل ونوع الهوية سواء (الشخصية أو جواز سفر أو بطاقة عائلية أو انتخابية أو عسكرية) وتاريخ صدورها ومكان صدورها.
4- بيانات قفل المحضر: أي أن يبين ساعة وتاريخ الانتهاء من المحضر وذلك لمعرفة المدة التي استغرقها ضباط الشرطة لتحرير المحضر وهل المدة مناسبة أم مبالغ فيها وذلك لبيان القصور تجاه ضباط الشرطة من عدمه.
5- توقيع المحضر: أن يتم توقيع المحضر من قبل محررة بدرجة أساسية ومن قبل المتهم الشخص وإذا رفض التوقيع يذكر سبب الرفض وكذلك توقيع الشهود.
ثانياً: الشروط الموضوعية لتحرير المحاضر:
الحال فيها لا يختلف عن الشروط الشكلية حيث إن قانون الإجراءات الجزائية اليمني, لم يبين بشكل واضح وصريح هذه الشروط ولكن يمكن استنتاجها من خلال نصوص المواد سالفة الذكر حيث إن تلك الشروط يترتب على إغفالها البطلان كون تلك الشروط ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمضمون وجوهر المحضر وتمييزها عن باقي المحاضر الأخرى وذلك لكي يحوز المحضر قوة وحجية في الإثبات.
الشرط الأول: شرط الكتابة:
من المفيد أن نؤكد على أهمية شرط الكتابة في صياغة المحاضر ثم إن قانون الإجراءات الجزائية اليمني لم يشير إلى هذا الشرط بشكل واضح لكن يستفاد من نصوص المواد أنه لابد أن يكون المحضر مكتوباً كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون تلك المحاضر مخزونة في عقل وذاكرة مأمور الضبط القضائي فهو إنسان معرض للنسيان ولا يمكن أن يظل متذكرًا وقائع الجريمة بتفاصيلها.
الشرط الثاني: الصفة والاختصاص:
تعد الصفة والاختصاص من أهم الشروط الموضوعية لتحرير المحاضر لأنه لابد أن يكون من قام بتحرير المحضر له صفة تخوله القيام بذلك فإذا لم تكن له صفة في كتابة المحضر فإن المحضر يولد ميت ولا يعتد به كأن يقوم بتحرير المحضر مواطن عادي أو قام به موظف إداري ليس مختصاً في القضايا الجنائية وأن يكون ضابط الشرطة مختصاً مكانياً ونوعياً بتحرير المحضر وأن يقوم بتحرير المحضر في إطار اختصاص عمله ولا يتعدى إلى غيرها إلا كاستثناء وذلك في الجرائم المشهودة أو في حالة التلبس أو في حالة هروب متهم أو سجين وأن يكون مختصًا نوعياً بتحرير المحاضر الجنائية دون محاضر المخالفات التي يحررها الموظف الإداري الذي له صفة الضبط القضائي.
الشرط الثالث: التقيد بالوصف الموضوعي وفورية الإنجاز:
يجب على ضباط الشرطة عند تحريره للمحاضر أن يضمنها ما عاينه بنفسه كما لو علم بوقوع جريمة وعند وصوله إلى مكان وقوعها عليه أن يضمن المحضر كل مظاهر الجريمة التي شاهدها بالتفصيل وذلك أن يثبت حالة الأماكن والأشخاص وأدوات الجريمة بكل موضوعية وحياد ويلزم أن يذكر ما عاينه دون تقديم استنتاجات شخصية عما شاهده وأن كان له أن يقدم استنتاجه في البيانات الختامية للمحضر ويشترط في معاينة ضابط الشرطة أن تحصل بصورة مشروعة وذلك بأن تقع أثناء ممارسته لمهامه فإن وقعت مثلاً أثناء قضائه لإجازته كان بمثابة الشاهد على تلك الوقائع التي عاينها.
وعليه أن يدون كلما يتلقاه من أقوال سواءً كانت تلك الأقوال من المجني عليه أو ناتجة عن بلاغ مقدم من الغير بوقوع جريمة أو أقوال المشتبه به حول الوقائع المنسوبة إليه أو أقوال الشهود أو أقوال أي شخص قد يؤدي الاستماع إليه إلى الكشف عن الحقيقة، ويشترط في طريقة تلقي تلك الأقوال أن يتم تلقيها من طرف ضباط الشرطة أثناء ممارستهم لوظيفتهم دون اللجوء إلى الإكراء أو التعذيب, وإذا كان المحضر خاص بالضبط أو التفيش فيجب أن يبين ماهية الأشياء المضبوطة بتفاصيلها ومع من كانت وهل لها صلة بالجريمة أم لا، ونوع وحجم الأشياء المضبوطة, كما يبين نوع الملابس وألوانها للشخص المراد تفتيشه ومكان تواجد الشيء المجرم بالتفصيل لأهمية كل تلك التفاصيل للإدانة. ويجب على ضباط الشرطة إنجاز المحضر بالسرعة المناسبة وفقا للإجراءات القانونية دون تسرع أو إبطاء وإنما تقدر بقدر الضرورة التي تقتضيها القضية وخاصة القضايا التي على ذمتها محابيس.
ثالثاً: القيمة القانونية لمحاضر ضباط الشرطة:
الأصل أن تلك المحاضر هي في الأساس محاضر رسمية كونها صادرة من موظف عام مختص ولا يطعن فيها إلا بالتزوير وذلك برفع دعوى مبتدئة أمام النيابة العامة للتحقيق في واقع التزوير، وهو ما نص عليه المشرع صراحة في قانون الإثبات حيث نص في المادة(86) على أنه: (تراعى في الاقرار الكتابي أحكام الباب الخاص بالأدلة الكتابية) بينما بينت حكم المحررات الكتابية الرسمية المادة (100) على أنه: (المحررات الرسمية حجة بما جاء فيها من أمور قام بها محررها في حدود مهمته الرسمية أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره أو صودق منه على توقيعاتهم عليها في حضورهم بعد التحقيق من أشخاصهم ما لم ينكرها الخصم فيتعين إثباتها بالطرق الشرعية أو يتبين تزويرها).
ومعنى عدم الطعن فيها إلا بالتزوير أي أن ما تحمله من أدلة كالشهادة والاعتراف أو المعاينة أو الضبط تعتبر صحيحة من حيث نسبتها إلى صاحبها، لكنها لا تكون حجة على سلامة مطابقتها للواقع، إذ قد يخلص القاضي إلى عدم الاطمئنان إلى ما جاء فيها من أدلة بشرط أن يبين الأسباب التي دعته لذلك.
وذلك لكون تلك المحاضر لا تتمتع بحجية خاصة في الإثبات كون الدليل المستمد منها شأنه شأن كل الأدلة في المواد الجنائية يخضع لتقدير قاضي الموضوع وفقاً لمبدأ الاقتناع القضائي في ضوء مبدأ تكامل الأدلة فلا يتمتع دليل بقوة مسبقة في الإثبات وهو ما نص عليه المشرع في المادة (321) من قانون الإجراءات الجزائية.
ومع ذلك فإن البعض من المحاضر التي يحررها ضباط الشرطة قد لا ترقى لمرتبة المحررات الرسمية إذ ما شابها النقص والعوار المتمثل بخلو تلك المحاضر من الشروط الشكلية أو الموضوعية مما يفرغ تلك المحاضر من محتواها وبالتالي لا يطمئن إليها القاضي ولا يمكن أن تكون أساساً للحكم بمقتضاها حيث إن الجاني أو محاميه قد يدفعوا بعدم صحه محاضر التفتيش أو المعاينة أو الضبط وذلك إما لكون تحرير تلك المحاضر قد تمت خارج الوقت المسموح به قانوناً وذلك إذما تم تحريرها قبل الساعة السادسة صباحاً أو بعد الساعة السادسة مساءً, أو قد يدفعا ببطلان المحاضر لتحريرها من موظف لخارج نطاق اختصاصه المكاني والنوعي أو يدفع بعدم قيام حالة التلبس.
مما يجدر التنويه إليه أن مرحله جمع الاستدلال هي أهم مرحلة من مراحل الدعوى الجزائية لأنها تعتبر النواة الأولى لكشف الجريمة ومرتكبيها لذلك يستلزم قانوناً من ضباط الشرطة المحافظة على مسرح الجريمة بكل تفاصيلها والمحافظة أيضا على الأدلة التي تدل على مرتكبيها, وأن تتم صياغتها بشكل قانوني سليم يمكن الاستناد إليها في الحكم بالإدانة, لكن في واقعنا غير ذلك إذ أن كثير من القضايا التي ترفع إلى المحاكم تكون غير مستوفية للبيانات أو الشروط بل إن أعلبها غير موقعة من قبل القائم بها، وكما هو معلوم قانوناً أن القاضي يحكم بمقتضى العقيدة والقناعة المتولدة لديه وفي أحيان كثيره لا يطمئن إلى تلك المحاضر وما حوتها لعدم قانونيتها بالمطلق أو لكون تلك الأدلة المدونة في تلك المحاضر متولدة عن إجراء سابق باطل وحيث أنه ما بني على باطل فهو باطل أو أن يقدم المتهم أو محاميه دفعاً قائما على أساس صحيح كما وضحنا ذلك سابقا فيقبله القاضي، لذلك يستلزم على النائب العام للجمهورية إجراء دورات تدريبية لمأموري الضبط القضائي لتدريبهم على كيفية صياغة تلك المحاضر وأنواعها وفقاً لنصوص قانون الإجراءات الجزائية اليمني، لأن ما يقوم به مأمور ضبط القضائي من جهد جهيد للمحافظة على أدله الجريمة من العيب أن يكون مصير ذلك الجهد الإهمال والترك من قبل المحكمة، والسبب عدم قانونية تلك المحاضر كما بينا سابقاً. لذلك ينبغي الاهتمام بأن تكون تلك المحاضر صحيحة ومستوفية للشروط الشكلية والموضوعية حتى تكون الأدلة والوقائع التي تحتويها متطابقة مع الحقيقة والواقع حتى لا يضيع الجهد المبذول سدى.
*عضو نيابة صيرة الابتدائية م / عدن
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق