رئيس مجلس المحاسبة بمجلس القضاء الأعلى القاضي هاشم عبداللاه الجفري لـ “القضائية” المحاسبة القضائية تعزز الانضباط وتحمي استقلال القضاء


 حوار – القضائية

في منظومة العدالة، لا ينفصل استقلال القضاء عن مسؤولية القاضي المهنية؛ فالقاضي يمارس وظيفته باستقلال كامل، ولا سلطان عليه في قضائه لغير القانون، وفي المقابل يخضع لواجبات وضوابط مهنية حددها قانون السلطة القضائية

ومن هذا المنطق يأتي مجلس المحاسبة بمجلس القضاء الأعلى كإحدى الآليات القانونية المنظمة للمساءلة القضائية، بما يحقق التوازن بين حماية استقلال القاضي وضمان التزامه بواجباته المهنية.

وفي هذا الحوار، يوح رئيس مجلس المحاسبة بمجلس القضاء الأعلى، القاضي هاشم عبداللاه الجفري، طبيعة عمل المجلس واختصاصاته، وكيف تبدأ إجراءات المحاسبة، والفرق بينها وبين التأديب، وحدودها أمام استقلال القاضي، والضمانات التي يكفلها القانون للقاضي، إضافة إلى دور التفتيش القضائي، والجانب الإصلاحي للمحاسبة، والتحديات التي تواجه المجلس وخطط تطوير العمل.

إلى نص الحوار

1-بدايةً: ما الدور الذي يضطلع به مجلس المحاسبة بمجلس القضاء الأعلى، وما طبيعة اختصاصاته؟

الجواب: مجلس المحاسبة يمثل إحدى الآليات التي نظمها قانون السلطة القضائية لمساءلة القضاة في إطار المسؤولية المهنية والوظيفية، ومهمته الأساسية هي النظر في الدعاوى التأديبية.

فالمحاسبة التأديبية تنظر الوقائع الواردة في الدعوى التي تحال إليه وفق الإجراءات القانونية، وفحص مدى قيام المسؤولية من عدمها، مع الالتزام بالضمانات المقررة للقضاء، ولا تمس استقلالية القاضي وحقه القانوني في مباشرة إجراءات القضية المنظورة أمامه وبشكل عام المحاسبة تتم وفقاً لمدونات السلوك القضائي.

2- كيف تبدأ إجراءات محاسبة القاضي؟

الجواب: تبدأ المحاسبة برفع مذكرة من رئيس هيئة التفتيش القضائي إلى مجلس القضاء الأعلى ويتم مناقشتها في إحدى اجتماعاته وفي حالة وافق المجلس على إحالته يصدر قرار من رئيس مجلس القضاء الأعلى بإحالة ملف الدعوى التأديبية إلى مجلس المحاسبة، والأصل أن الدعوى كانت قد خضعت لإجراءات أولية من قبل التفتيش القضائي قبل إحالتها إلى مجلس المحاسبة.

3- ما الفرق بين المحاسبة والتأديب، وأين تتقاطع مسؤولية مجلس المحاسبة مع الجهات الأخرى؟

الجواب: هناك تمييز مهم بين المحاسبة والتأديب فالمحاسبة مفهوماً عاماً فقد يكون محاسبة مدنية – جنائية … الخ أما التأديب فيكون في مخالفة مسلكية مرتكبة ومخلفة بالواجبات الوظيفية، وتتقاطع المسؤولية في إطار التطبيق السليم للقوانين والالتزام بواجبات الوظيفة.

ومجلس القضاء الأعلى هو صاحب الاختصاص الأصيل في تأديب القضاة وأعضاء النيابة العامة وفق القانون وله أن يحيل محاسبتهم إلى مجلس المحاسبة والتأديب وفقاً للقانون.

أما مجلس المحاسبة فعندما تحال إليه قضية من مجلس القضاء الأعلى يتعامل معها في إطار الاختصاص والإجراءات التي حددها قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م وتعديلاته كون مجلس المحاسبة -هيئة- تتبع مجلس القضاء الأعلى وهو من يشكلها.

4- هل كل شكوى تقدم ضد قاضِ تستوجب إجراءات محاسبة، أم أن هناك معايير محددة للنظر فيها؟

الجواب: الشكوى في الأساس وسيلة لإبلاغ الجهة المختصة بواقعة ما، وهيئة التفتيش القضائي هي تلك الجهة حيث تقوم بالفحص والتحقق من الواقعة ومدى صحتها وارتباطها بمخالفات تمس واجبات الوظيفة. 

وقد تكون الشكوى قائمة على واقعة تستحق المحاسبة وقد تكون مجرد اعتراض على حكم قضائي أو على إجراءات لم يرض عنها أحد أطراف الخصومة.

5- كيف يتعامل المجلس مع الشكاوى التي قد تكون كيدية أو ناتجة عن عدم رضا أحد أطراف الخصومة عن حكم قضائي؟

الجواب: مجلس المحاسبة لا يتعامل مع الشكاوى وإنما يختص بالنظر في الدعاوى التأديبية التي تُحال إليه من مجلس القضاء الأعلى بموجب دعوى تأديبية تحدد فيها طبيعة المخالفة أو المخالفات التي ارتكبها أحد القضاة أو أعضاء النيابة تمس هيبة السلطة القضائية أو الاخلال بقواعد السلوك القضائي.

6- أين تقف حدود المحاسبة أمام استقلال القاضي؟ وكيف يضمن المجلس ألا تتحول المساءلة إلى وسيلة للتأثير على القاضي في أحكامه وقراراته؟

الجواب: استقلال القضاء مبدأ أساسي لايمكن المساس به، والقاضي أثناء ممارسته لاختصاصه القضائي لايخضع في قضائه إلا للقانون.

ومن ثم فإن المحاسبة لا تستهدف قناعة القاضي القضائية لمجرد اختلاف أحد الأطراف معه، ولايجوز أن تكون وسيلة لمراجعة الحكم خارج الأطر التي حددها القانون.

فالمحاسبة تتعلق بالمسؤولية المهنية والوظيفية متى توافرت أسبابها وثبتت وفق الإجراءات القانونية، ونحن نؤكد دائماً أن حماية القاضي من التدخلات لا تتعارض مع مساءلته عند ثبوت الاخلال بواجباته، بل إن احترام هذه المعادلة هو الذي يحمي المؤسسة القضائية ويعزز استقلالها.

7- هل الخطأ في التقدير القضائي يُعد بحد ذاته مخالفة تستوجب المحاسبة، أم أن هناك فرقاً بين الخطأ القضائي والمخالفة المهنية؟

الجواب: هناك فرق مهم بين الأمرين.. قد يفسر القاضي نصًا قانونيًا بطريقة تختلف عن تفسير محكمة أعلى، أو قد ترى محكمة الاستئناف أو النقض أن هناك خطأ في تقدير الأدلة أو تطبيق القانون، وهذا جزء من طبيعة النظام القضائي ودرجات التقاضي. 

أما المخالفة المهنية فهي أمر آخر، وتتعلق بالإخلال بواجبات الوظيفة التي حددها القانون، لذلك لا يمكن القول أن مجرد إبطال أو إلغاء الحكم في مرحلة لاحقة يعني تلقائياً وجود مخالفة مهنية بحق القاضي الذي أصدر الحكم، فلكل مسألة نطاقها وإجراءاتها القانونية.

8- ما أبرز المخالفات أو أوجه القصور التي تجعل مجلس القضاء يقوم بإحالة ملف الدعوى التأديبية إلى مجلس المحاسبة؟

الجواب: القانون حدد حالات متعددة تمثل اخلالاً بواجبات الوظيفة، بحسب طبيعة المخالفة وثبوتها، ومن بينها الأفعال التي تمس نزاهة الوظيفة القضائية، كارتكاب الجرائم المخلفة بالشرف أو الرشوة أو التزوير بالمحررات الرسمية (المحاضر) أو ثبوت التحيز لأحد أطراف الدعوى، وكذلك بعض صور الاخلال بواجبات العمل، كتكرار التخلف عن حضور الجلسات دون عذر مقبول، أو التأخير في البت في الدعاوى، أو تأخير تسليم الأحكام بعد النطق بها بما يتجاوز المحدد المحددة قانوناً وكذا إفشاء سر المداولة، وغيرها من الحالات التي يحددها القانون.

لكن لابد من التأكيد أو وصف الواقعة بأنها مخالفة لا يقوم بمجرد الادعاء، وانما بعد التحقق منها وفق الإجراءات والضمانات القانونية.

9- ما الضمانات التي يتمتع بها القاضي أثناء إجراءات المحاسبة، خصوصاً فيما يتعلق بحقه في الدفاع وإبداء أقواله وتقديم ما لديه من مستندات؟

الجواب: حق الدفاع من أهم الضمانات التي منحها القانون لأي شخص كان ومن ثم فإن حق الدفاع يكون حقاً قانونياً مكفولاً بالنسبة للقضاة وأعضاء النيابة أمام مجلس المحاسبة.

فالقاضي الذي تتم مساءلته يجب أن يتم إبلاغه وتمكينه من صورة من الدعوى التأديبية وله أن يحضر بشخصه أو يوكل من يراه للحضور نيابة عنه، وسماع أقواله والدفاع عن نفسه، وله أن يقدم دفاعه كتابة، وما لديه من مستندات ودفوع وفقاً للإجراءات المقررة قانوناً.

كما أن إجراءات المحاسبة والتأديب تحكمها ضمانات قانونية من بينها سرية جلسات المحاكمة التأديبية وبالتالي فإن المحاسبة لاتقوم على الضن وإنما على فحص مخالفة محددة وتمكينه من ممارسة حقه الكامل في الدفاع.

10- ما دور التفتيش القضائي في عمل مجلس المحاسبة؟ وكيف يتم التعامل مع نتائج تقارير التفتيش؟

الجواب: هيئة التفتيش القضائي تؤدي دوراً هاماً في منظومة تقييم الأداء القضائي، إذ يتولى التفتيش الدوري والمفاجئ على أعمال القضاة وأعضاء النيابة، ومراقبة سير العمل، وجمع البيانات التي تساعد في تقييم الأداء، ومن ثم فأن أي ملاحظة ترد في تقرير التفتيش القضائي لا تتحول تلقائياً إلى قضية مساءلة وأنما تخض هذه الملاحظات للتقييم بحسب طبيعتها وأسبابها ومدى تكرارها وأثرها وما إذا كانت تشكل إخلالا بواجب وظيفي يستوجب إجراء محاسبة قانونية.

11- هل المحاسبة تركز على العقوبة فقط، أم أن لها جانباً اصلاحياً يهدف إلى معالجة أوجه القصور ورفع مستوى الأداء القضائي.

الجواب: المحاسبة ليست غايتها العقوبة فقط، والهدف الأوسع هو حماية انتظام العمل القضائي وتعزيز الالتزام بالواجبات المهنية والحد من تكرار المخالفات، وبالتالي فإن الجانب الإصلاحي والوقائي مهم جداً في هذه المنظومة.

وعندما تكشف الإجراءات عن أوجه قصور يمكن معالجتها بالتأهيل أو المتابعة أو تحسين آليات العمل، فإن ذلك ينعكس بصورة إيجابية على أداء المؤسسة القضائية.

ونحن ننظر إلى المحاسبة باعتبارها جزء من منظومة متكاملة تشمل التأهيل والتفتيش والتقييم والمتابعة إلى جانب الإجراءات القانونية عند ثبوت المخالفة.

12- كيف يراعي المجلس عند نظر أي حالة مبدأ التدرج والتناسب بين المخالفة والإجراء المتخذ بشأنها؟

الجواب: القانون لم يجعل الجزاءات على درجة واحدة، وإنما وضع تدرجاً في العقوبات التأديبية يبدأ من التنبيه واللوم والإنذار، ويمتد إلى جزاءات أخرى بحسب طبيعة المخالفة، وصولاً إلى العزل في الحالات التي تستوجب ذلك وفق القانون.

والتدرج يعني أن الواقعة لا تنظر بمعزل عن ظروفها ودرجة ثبوتها وآثارها وطبيعتها، وبالتالي فإن تطبيق القانون يجب أن يراعى التناسب، فلا تكون العقوبة منفصلة عن طبيعة المخالفة أو ظروفها، مع الالتزام في الوقت نفسه بما قرره القانون.

13- إلى أي مدى تسهم المحاسبة القضائية في تعزيز ثقة المتقاضين والمجتمع بالسلطة القضائية؟

الجواب: الثقة في القضاء تقوم أساساً على احترام القانون، وعلى شعور المواطن بأن العدالة تعمل وفق قواعد واضحة.

المتقاضي يريد قاضياً مستقلاً لا يخضع للضغط، وفي الوقت نفسه يريد أن يعرف أن هناك آليات قانونية للتعامل مع أي إخلال مهني إذا ثبت وقوعه، وهنا تظهر أهمية المحاسبة، فهي لا ينبغي أن تستخدم للضغط على القاضي، كما أن استقلال القضاء لا ينبغي أن يفهم باعتباره إعفاءً من المسؤولية.

فكلما كانت الإجراءات واضحة والاختصاصات محددة، والضمانات مصونة، كان ذلك أكثر تعزيزاً للثقة بالمؤسسة القضائية.

14- ما أبرز التحديات التي تواجه مجلس المحاسبة في أداء مهامه؟

الجواب: حالياً لم يواجه مجلس المحاسبة أي تحديات تُذكر في تنفيذ مهامه لكون فضيلة القاضي العلامة/ محسن يحيى طالب أبوبكر رئيس مجلس القضاء الأعلى يولي جل اهتمام بتسهيل كل الصعوبات التي تواجه عمل مجلس المحاسبة ويعمل على تذليلها بحيث يصبح المجلس قادراً على إنجاز مهامه بالشكل الذي رسمه القانون.

15- هل ترون حاجة إلى تطوير آليات المحاسبة القضائية أو تحديث الأطر القانونية والإجرائية المنظمة لها؟

الجواب: تطوير العمل المؤسسي أمر مستمر، وهناك حاجة إلى الاستفادة من الإمكانات المتاحة ومواكبة التشريعات المقارنة وإدخال التعديلات لبعض النصوص القانونية بما يتناسب مع التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.

أما تطوير الأطر القانونية والإجرائية، فهو موضوع يتوجب على الجهات المختصة سرعة القيام به. والمهم بالنسبة لنا هو تطبيق النصوص القانونية القائمة بدقة والعمل على تحسين الأداء في حدود الاختصاصات المقرة قانوناً.

16-في ظل إعادة تشكيل مجلس المحاسبة في يوليو 2026م ما الأولويات التي يعمل عليها المجلس خلال المرحلة المقبلة، وما مؤشرات الإنجاز التي تسعون إلى تحقيقها؟

الجواب: إعادة تشكيل المجلس تمثل مسؤولية جديدة تتطلب العمل بصورة مؤسسية ومنظمة، ومن أولوياتنا التعامل مع الملفات المحالة وفق الإجراءات القانونية، وتنظيمها ومتابعة مراحلها، والعمل على إنجازها دون اخلال بالضمانات المقررة قانوناً.

أما مؤشرات الإنجاز، فمن المهم أن تقاس ليس فقط بعدد الملفات المنجزة، وإنما أيضاً بسلامة الإجراءات، وسرعة الفصل في الملفات وجودة القرارات وتسبيبها، ومدى الإسهام في الحد من تكرار المخالفات.

17-ما الرسالة التي توجهونها للقضاة بشأن الالتزام بواجباتهم ومسؤولياتهم المهنية؟

الجواب: رسالتي إلى زملائي القضاة أن الالتزام بواجبات الوظيفة هو الحصانة الحقيقية للقاضي وللمؤسسة القضائية.

وأن احترام القانون والإجراءات والحرص على إنجاز القضايا والمحافظة على سرية المداولات، وحسن التعامل مع المتقاضين والمحامين، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يمس حياد القاضي ونزاهته، كلها مسؤوليات أساسية تفرضها طبيعة العمل القضائي، ومجلس المحاسبة لا يتعامل مع القاضي باعتباره خصمًا وإنما يتعامل مع المسؤولية المهنية باعتبارها جزءاً من حماية المؤسسة القضائية وهيبتها.

18-وأخيراً: ما الرسالة التي تودون توجيهها للمتقاضين والمحامين بشأن الشكاوى وآليات المحاسبة القضائية؟

الجواب:رسالتي إلى المتقاضين والمحامين هي ضرورة التمييز بين الاعتراض على الحكم وبين الشكوى المتعلقة بمخالفة مهنية.

إذا كان الاعتراض متعلقاً بتفسير القانون أو تقدير الأدلة أو النتيجة التي انتهت إليها المحكمة فإن القانون حدد طرق الطعن التي ينبغي سلوكها.

أما إذا كانت هناك واقعة تتعلق بإخلال بواجب وظيفي، فينبغي أن تقدم الشكوى بصورة واضحة وأن تستند إلى وقائع محددة وما يتوافر من بيانات أو مستندات، بعيداً عن الاتهامات العامة إلى الجهات المختصة.

وأؤكد أن الشكوى الجادة تساعد الجهات المختصة على الوصول إلى الحقيقة، بينما لا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى وسيلة للضغط على القاضي أو التأثير في عمله.

وفي النهاية، فإن المحاسبة القضائية ليست خصماً لاستقلال القضاء، وإنما جزء من منظومة حمايته، فقاض مستقل في قضائه مسؤول في أداءه محمي بضمانات القانون، وخاضع للمساءلة عند ثبوت الاخلال واجباته هو أساس الثقة في العدالة وسيادة القانون.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد