القاضي الشيباني: التحول الرقمي وتطوير الكادر والربط الشبكي أولويات للارتقاء بعمل التفتيش القضائي
الحوار – القضائية
يأتي التفتيش القضائي بوصفه أحد الأدوات المؤسسية المهمة في متابعة أداء المحاكم، وتقييم مستوى الإنجاز والانضباط، ورصد الملاحظات، ومعالجة أوجه القصور، بما يسهم في تحسين جودة العمل القضائي، وتعزيز ثقة المتقاضين بمنظومة العدالة.
ولا تقتصر مهام هيئة التفتيش القضائي على الرقابة وتسجيل الملاحظات، بل تمتد إلى المتابعة الميدانية، ودراسة أسباب التأخير، واقتراح المعالجات المناسبة، بما يراعي استقلال القضاء، والضمانات القانونية المقرّرة للقضاة.
وفي إطار متابعة «القضائية» لأداء مؤسسات السلطة القضائية، والوقوف على أبرز مؤشرات العمل خلال النصف الأول من عام 2026، يأتي هذا الحوار مع القاضي حسن الشيباني، نائب رئيس هيئة التفتيش القضائي لشؤون المحاكم، للحديث عن طبيعة عمل الهيئة، ونتائج أعمال التفتيش والمتابعة، وما أظهرته النزولات الميدانية إلى عدد من المحاكم في تعز، ومأرب، وعدن، وأبين، والضالع، إلى جانب حجم الشكاوى، والإجراءات المتّخذة بشأنها، وملف القضايا المتأخرة، واحتياجات قطاع المحاكم، وآفاق تطوير العمل خلال المرحلة المقبلة.
إلى نص الحوار:
بدايةً، كيف يمكن أن نعرّف القارئ بطبيعة عمل هيئة التفتيش القضائي، وما الدور الذي تضطلع به في منظومة العدالة؟
الجواب: تضطلع هيئة التفتيش القضائي بدور أساسي في متابعة وتقييم الأداء القضائي والإداري في المحاكم والنيابات، والتحقّق من مستوى الالتزام بالواجبات، والمسؤوليات القضائية، ورصد أوجه القصور، والعمل على معالجتها وفقًا للقانون.
والتفتيش في جوهره ليس غايته البحث عن الأخطاء أو محاسبة القاضي لمجرد وجود ملاحظة، وإنما هو وسيلة مؤسسية لتطوير الأداء، وتعزيز الانضباط، والارتقاء بمستوى العمل القضائي، بما ينعكس بصورة مباشرة على سرعة الفصل في القضايا، وجودة الأحكام، وحسن سير إجراءات التقاضي.
كما أن عمل الهيئة لا يتوقف عند تسجيل الملاحظات، بل يمتد إلى متابعة تنفيذ المعالجات والتوصيات، ودراسة أسباب الاختلالات، ورفع المقترحات التي من شأنها تحسين أداء المحاكم، ومعالجة الاحتياجات، التي تظهر من خلال العمل الميداني، سواء كانت مرتبطة بالكادر القضائي، أو الإداري، أو الإجراءات، أو بيئة العمل.
ما أبرز المؤشرات العامة لأداء قطاع المحاكم في هيئة التفتيش القضائي خلال النصف الأول من عام 2026؟
الجواب: خلال النصف الأول من عام 2026، ركز قطاع المحاكم في هيئة التفتيش القضائي على تعزيز المتابعة الميدانية، وتقييم مستوى الأداء في المحاكم، والوقوف على انتظام العمل، ومتابعة القضايا والملفات، إلى جانب استقبال الشكاوى، وفحصها، واتّخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها.
وفي الجانب الميداني، نفذ القطاع عمليتي نزول للتفتيش المفاجئ، شملتا محكمة استئناف تعز، والمحاكم الابتدائية التابعة لها، والمحاكم النوعية، ومحكمة استئناف مأرب، والجوف، والمحاكم الابتدائية التابعة لها، والمحاكم المتخصّصة.. كما نفذ القطاع أعمال متابعة ميدانية أخرى، شملت عددًا من المحاكم في عدن، وأبين، والضالع، من خلال تكليف سبعة قضاة بالنزول؛ للوقوف على سير العمل في المحاكم المستهدفة.
وشكلت الشكاوى جانبًا مهمًا من أعمال القطاع خلال المدّة، حيث بلغ عدد الشكاوى الواردة 221 شكوى، جرى التصرُّف في 146 شكوى منها، فيما كانت 75 شكوى قيد التقييم. وتنوع التصرُّف فيها بحسب طبيعة كل حالة، إذ شملت 4 ملاحظات، و18 استدعاءً للتحقيق، و5 دعاوى تأديبية أُحيلت إلى مجلس المحاسبة، و13 توجيهًا.
كما ركّز القطاع على متابعة تنفيذ ما يترتب على أعمال التفتيش من إجراءات، بما في ذلك متابعة التزامات القضاة، واستكمال الملفات، وتسليمها، ورفع ما يلزم من مقترحات لمعالجة احتياجات المحاكم، سواء فيما يتعلق بالكادر القضائي، أو الشُّعب والدوائر، أو بيئة العمل.
وبصورة عامة، تعكس هذه المؤشرات أن عمل قطاع المحاكم خلال النصف الأول لم يكن مقتصرًا على التفتيش في حدّ ذاته، وإنما امتد إلى المتابعة الميدانية، وفحص الشكاوى، وتقييم الأداء، ومتابعة الالتزام، واقتراح المعالجات المناسبة، بما يعزّز دور التفتيش القضائي، بوصفه أداة لتطوير الأداء، ورفع كفاءة العمل في المحاكم.
قطاع المحاكم في الهيئة تحديدًا يعمل بعدد محدود من المفتشين.. كيف يؤثر ذلك في حجم العمل؟
الجواب: قطاع المحاكم يقوم حاليًا على عدد من القضاة، ورئيس للقطاع، في حين أن نطاق العمل يشمل عددًا كبيرًا من المحاكم في المحافظات المحرّرة، وهو ما يجعل حجم المسؤولية كبيرًا مقارنة بعدد الكادر المتاح.
فإلى جانب التفتيش والمتابعة الميدانية، هناك الشكاوى اليومية، وفحص الملفات، ومتابعة إنجاز القضايا، والتقارير الميدانية، والقضايا المتأخرة، فضلًا عن دراسة المقترحات، والترشيحات المتعلقة بسد الشواغر القضائية.
ومع ذلك، يحاول القطاع الاستفادة من الإمكانات المتاحة، وترتيب الأولويات وفقًا لطبيعة العمل والحاجة، بحيث توجّه الزيارات والمتابعات إلى الملفات، والمحاكم، التي تتطلب تدخلًا أو متابعة أكبر، وهو ما يساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الفاعلية رغم محدودية عدد المفتشين.
ما أبرز أعمال التفتيش المفاجئ التي نفذها قطاع المحاكم خلال النصف الأول؟
الجواب: نفذ قطاع المحاكم عمليتي نزول للتفتيش المفاجئ، شملت الأولى محكمة استئناف تعز، والمحاكم الابتدائية التابعة لها، والمحاكم النوعية، فيما شملت الثانية محكمة استئناف مأرب والجوف، والمحاكم الابتدائية التابعة لها، والمحاكم المتخصّصة.
وكان الهدف من هذه النزولات الوقوف بصورة مباشرة على واقع العمل القضائي، ومستوى إنجاز القضايا، ومدى انتظام العمل، ومتابعة القضايا المتأخرة، والتحقّق من الالتزام بتسليم ملفات القضايا، والإجراءات المرتبطة بها.
والميزة الأساسية للنزول الميداني أنَّه يتيح للهيئة، تقييم الواقع بصورة مباشرة، والاستماع إلى المعنيين، والاطلاع على الملفات، ومن ثم الانتقال من مجرد رصد الملاحظة إلى تحديد أسبابها، واقتراح المعالجة المناسبة لها.
ماذا كشفت عملية التفتيش في محاكم تعز؟
الجواب: أتاحت عملية التفتيش في محاكم تعز للقطاع الوقوف بصورة ميدانية على مستوى الأداء، واحتياجات المحاكم، وأظهرت وجود عدد من الملاحظات التي تحتاج إلى متابعة ومعالجة، من بينها مستوى إنجاز القضايا لدى بعض المحاكم، إلى جانب تأخّر بعض القضاة في تسليم ملفات القضايا لقلم الكتاب.
كما تبين أن هناك قضاة لم يكن مسندًا إليهم عمل، لأسباب تتعلق بعدم الصلاحية المرتبطة بالمرض أو كبر السن، وقد تعامل القطاع مع هذه الملاحظات بوصفها مؤشرات تستدعي المعالجة والمتابعة، فجرى استدعاء القضاة الذين ظهر تأخّرهم في تسليم ملفات الدعاوى إلى قلم الكتاب، واتّخاذ الإجراءات اللازمة بشأنهم، بما في ذلك أخذ التعهدات بإنهاء الملفات وتسليمها.
ولم تقتصر المتابعة على ذلك، بل جرى النزول ميدانيًا إلى مقار عمل القضاة المعنيين للتحقّق من تنفيذ الالتزامات، وأظهرت المتابعة التزام بعضهم، فيما تخلّف قاضيان، فتم استدعاؤهما، وإحالتهما للتحقيق.
وبالتالي، فإن ما ظهر في تعز لم يكن مجرد تسجيل لملاحظات، وإنما كان مدخلًا لتحديد جوانب تحتاج إلى تحسين، ومتابعة تنفيذ المعالجات، بما يساعد على رفع مستوى الانضباط، وتسريع إنجاز القضايا.
وماذا عن نتائج التفتيش في محاكم مأرب والجوف؟
الجواب: أتاح النزول إلى محكمة استئناف مأرب والجوف، والمحاكم التابعة لها، والمتخصّصة للقطاع؛ فرصة للوقوف عن قرب على سير العمل، وتحديد الأولويات، والاحتياجات، التي يمكن أن تسهم معالجتها في تحسين مستوى الأداء.
وقد أظهرت النتائج وجود تفاوت في مستوى إنجاز القضايا أمام محكمة الاستئناف، وبعض المحاكم الابتدائية، إلى جانب ملاحظات تتعلق بتأخر بعض القضاة في تسليم ملفات القضايا لقلم الكتاب، وهي أمور تعامل معها القطاع من خلال المتابعة، وتحديد أسبابها، ورفع المقترحات المناسبة بشأنها.
كما أظهرت الزيارة الحاجة إلى تأسيس شعبة مدنية جديدة في محكمة الاستئناف، إلى جانب الحاجة إلى رفد عدد من المحاكم بالقضاة المؤهلين، وهو جانب يرتبط بصورة مباشرة بقدرة المحاكم على التعامل مع حجم العمل القضائي.
ومن الجوانب التي جرى الوقوف عليها كذلك وضع مبنى محكمة الاستئناف، والمحكمة الابتدائية، والحاجة إلى تحسين بيئة العمل بما يتناسب مع طبيعة الوظيفة القضائية.
وبذلك أسهم النزول في تكوين صورة متكاملة عن واقع العمل، ليس من ناحية الملاحظات فقط، وإنما من حيث الاحتياجات والحلول الممكنة، وهو ما انعكس في المقترحات التي قدّمها القطاع بشأن دعم الكادر، وتطوير العمل في تلك المحاكم.
إلى جانب التفتيش في تعز ومأرب والجوف، هل شملت أعمال القطاع محاكم عدن والمحافظات الأخرى؟
الجواب: نعم، شملت أعمال القطاع عددًا من المحافظات والمحاكم، ونفذ أعضاء القطاع عددًا من التكليفات بالتفتيش المفاجئ في محاكم العاصمة المؤقتة عدن، للبحث والتحقيق فيما وصل إلى القطاع من شكاوى وبلاغات، إلى جانب أعمال المتابعة، والتقييم لمستوى سير العمل.. كما شملت المتابعة محاكم في محافظتي أبين والضالع.
وشملت أعمال النزول محاكم وشعبًا مختلفة، من بينها المحكمة التجارية، ومحكمة البريقة، ومحكمة الأحداث، والمحكمة الإدارية، ومحكمة المرور، والمحكمة الجزائية المتخصّصة، ومحاكم الشيخ عثمان والمنصورة والميناء، ومحكمة الأموال العامة، فضلًا عن محكمة استئناف أبين، ومحكمة استئناف الضالع، والمحاكم التابعة لهما.
وكان الهدف من هذه الأعمال تكوين صورة ميدانية عن سير العمل، ومتابعة مستوى الانضباط والإنجاز، والتحقّق من معالجة ما يرد إلى الهيئة من ملاحظات وشكاوى، إلى جانب الوقوف على احتياجات المحاكم، ومقترحات تطوير أدائها.
كما أن متابعة محاكم عدن وأبين والضالع لا تنظر إلى الملاحظات بمعزل عن الظروف المحيطة بالعمل القضائي، وإنما تسعى إلى تحديد جوانب القوة، ومواطن التحسين، ورفع المقترحات التي تساعد على تعزيز الأداء، واستقرار العمل.
ماذا عن متابعة الانضباط الوظيفي للقضاة؟
الجواب: الانضباط الوظيفي أحد المحاور المهمة في عمل التفتيش؛ لأنَّه يرتبط مباشرة بحقوق المتقاضين، وحسن سير العدالة، وانتظام العمل داخل المحاكم.
وقد تنوعت آلية المتابعة، حيث نزل أعضاء هيئة التفتيش إلى عدد من شُعب محكمة استئناف عدن، والمحاكم الابتدائية، والمحاكم، والشُّعب النوعية، والمتخصّصة، فضلًا عن محافظتي أبين والضالع، بهدف الوقوف المباشر على مستوى الالتزام بالدوام، ومواعيد الجلسات، وانتظام العمل.
كما تم تكليف رؤساء محاكم الاستئناف في بقية المحافظات المحرّرة بالرفع عن الحالة المستهدفة، حضورًا أو غيابًا، بهدف تكوين صورة أكثر شمولًا عن مستوى الانضباط، والالتزام بالعمل القضائي في مختلف المحافظات.
وهذه المتابعة تساعد الهيئة على معالجة أي ملاحظات في وقتها، كما تمكّنها من التمييز بين الحالات التي تحتاج إلى توجيه، أو متابعة، وبين الحالات التي تستدعي إجراءات قانونية وفقًا لطبيعتها.
الشكاوى تستحوذ على جانب كبير من عمل قطاع المحاكم.. ما حجمها خلال المُدّة الماضية؟
الجواب: بالفعل، تلقي الشكاوى يمثل جانبًا كبيرًا من نشاط قطاع المحاكم، ولا يكاد ينقطع ورودها بصورة يومية إلى الهيئة، وهو أمر يعكس أهمية الدور الذي تقوم به الهيئة، كجهة رقابية ومهنية تستقبل ملاحظات المتقاضين وغيرهم، وتقوم بتقييمها وفق القانون.
وفي إطار المتابعة التفصيلية للشكاوى في قطاع المحاكم، بلغ عدد الشكاوى 221 شكوى، تم التصرُّف في 146 شكوى منها، فيما بقيت 75 شكوى قيد التقييم.
وهذا العمل يتطلب جهدًا كبيرًا من أعضاء القطاع؛ لأن الشكوى لا يتم التعامل معها بصورة آلية، وإنما تحتاج إلى فحص وتقييم للوقائع، والملفات، وتحديد طبيعة الإجراء المناسب، وقد تستدعي الاستماع إلى الأطراف، أو طلب البيانات والوثائق ذات الصلة.
وكيف انتهى التصرُّف في الشكاوى التي تم تقييمها؟
الجواب: تختلف المعالجة بحسب طبيعة الواقعة، والمخالفة، ونوع الإجراء الذي تستدعيه، ولذلك لا تكون نتيجة جميع الشكاوى واحدة.
وقد أسفر التصرُّف التقييمي في الشكاوى عن 4 ملاحظات، و8 استدعاءات للتحقيق، و5 دعاوى تأديبية أحيلت إلى مجلس المحاسبة، فضلًا عن 13 توجيهًا.
وتوضح هذه النتائج أن الهيئة تدرس كل شكوى بصورة مستقلة، وتحدد الإجراء وفق ما يظهر من وقائعها، ومدى ثبوت المخالفة، وطبيعتها، بما يحقّق التوازن بين معالجة أوجه القصور من جهة، وضمان الإجراءات القانونية من جهة أخرى.
هل يعني تسجيل الملاحظة أو التنبيه أن القاضي ارتكب مخالفة تستوجب العقوبة؟
الجواب: ليس بالضرورة.. فالملاحظات والتوجيهات والتنبيهات تختلف عن الإجراءات التأديبية، ولكل منها طبيعتها وأسبابها وآثارها.
هناك ملاحظات يمكن معالجتها بالتنبيه، أو التوجيه والمتابعة، وهناك حالات تكون فيها الوقائع أكثر جسامة، فتستوجب اتّخاذ إجراءات قانونية، قد تصل إلى الإحالة إلى مجلس المحاسبة.
والهدف في جميع الأحوال، هو تصحيح مسار العمل، وحماية هيبة القضاء، وضمان حسن سير العدالة، مع الالتزام بالضمانات والإجراءات التي كفلها القانون للقضاة.
كما أن فلسفة التفتيش تقوم على الإصلاح قبل العقوبة متى كان الإصلاح ممكنًا، وعلى اتّخاذ الإجراء القانوني المناسب عندما تستوجب الواقعة ذلك.
القضايا المتأخرة والمرحلة تمثل تحديًا أمام المحاكم.. كيف يتعامل معها التفتيش القضائي؟
الجواب: القضايا المتأخرة والمرحّلة تحظى باهتمام كبير في أعمال التفتيش؛ لأن تقييم أداء المحكمة لا يرتبط بعدد القضايا المنجزة فقط، وإنما يتطلّب معرفة أسباب بقاء القضايا من دون فصل، وما إذا كانت هناك أسباب إجرائية أو موضوعية، أدَّت إلى التأخير.
ونحن نعمل على التمييز بين التأخير الذي يمكن أن يكون سببه متعلقًا بإجراءات المحكمة، وبين التأخير الناتج عن أسباب خارجة عن إرادة القاضي، مثل غياب الأطراف أو الشهود أو الخبراء أو غير ذلك.
ولهذا فإن التفتيش لا يكتفي بتسجيل أن القضية متأخرة، وإنما يحاول تحديد: لماذا تأخرت القضية؟ وما أسباب ذلك؟ وهل توجد معالجة ممكنة؟ ومن هنا تأتي أهمية المتابعة الميدانية وفحص الملفات؛ لأنَّها تمكن الهيئة من تقديم معالجة واقعية بدل الاكتفاء بتسجيل الملاحظة.
هل أظهرت النزولات الميدانية وجود ارتباط بين ضعف الإنجاز، ونقص الكادر القضائي؟
الجواب: نعم، أظهرت المتابعة الدقيقة من قبل الهيئة أن قلّة عدد القضاة تمثل أحد التحدّيات الأساسية أمام عدد من المحاكم، خصوصًا في ظل حجم القضايا، وتعدد الاختصاصات.
وظهرت الحاجة إلى رفد عدد من المحاكم بالقضاة، كما ظهرت الحاجة إلى تأسيس شُعب جديدة في بعض محاكم الاستئناف، وهو ما دفع القطاع إلى وضع عدد من المقترحات المتعلقة بالتعيين، والندب، والنقل.
ونحن ننظر إلى الكادر القضائي بوصفه أحد العناصر الأساسية في معالجة مستوى الإنجاز، إلى جانب التنظيم الإداري، وتوفير الإمكانات، وتحسين بيئة العمل، ولذلك فإن معالجة أي ملاحظة في مستوى الأداء، يجب أن تنظر إلى مختلف العوامل المؤثرة فيها.
ما أبرز المقترحات التي قدمها القطاع لمعالجة الشواغر واحتياجات المحاكم؟
الجواب: قدّم القطاع عددًا من المقترحات التي تستهدف دعم المحاكم، وسد الشواغر، وتعزيز قدرتها على أداء مهامها، من بينها ترشيح قاضٍ للعمل عضوًا في الشُّعبة الجزائية بمحكمة استئناف أبين، وترشيح قاضٍ للعمل احتياطًا بمحكمة استئناف عدن، واقتراح ندب قاضٍ للعمل بمحكمة استئناف عدن.
كما قدّم القطاع مقترحات لنقل قضاة لسد الشواغر في المحكمة التجارية الابتدائية بعدن، ونقل قاضٍ من المهرة إلى عدن، ونقل قاضيين من شُعبة إلى أخرى بمحكمة استئناف لحج.
وشملت المقترحات كذلك ترشيح قاضيين للعمل في الشُّعبة المدنية الثانية بمحكمة استئناف لحج، واقتراح نقل قاضٍ للعمل عضوًا بمحكمة استئناف الحديدة، ودراسة تعيين رئيس لمحكمة حوف الابتدائية.
كما تضمنت الأعمال إعداد مقترحات لرفد محكمة استئناف أبين، والمحاكم الابتدائية التابعة لها بالكادر، ورفد محكمة استئناف تعز، والمحاكم الابتدائية التابعة لها بالكادر القضائي.
وهذه المقترحات تأتي بوصفها جزءًا من المعالجة المؤسسية التي تنطلق من نتائج التفتيش والمتابعة، بحيث لا تكتفي الهيئة برصد الاحتياج، وإنما تسهم في تقديم الحلول، والمقترحات التي تساعد الجهات المختصّة على اتّخاذ القرار المناسب.
هل يقتصر دور قطاع المحاكم على التفتيش والمتابعة، أم أن له دورًا في إعداد الدراسات القانونية؟
الجواب: قطاع المحاكم يسهم أيضًا في إعداد الدراسات، وإبداء الرأي في الموضوعات التي تحال إليه من رئيس مجلس القضاء الأعلى، أو رئيس هيئة التفتيش القضائي.
ومن بين الموضوعات التي تم تناولها خلال المدة، التداخل بين محافظتي عدن ولحج، ومعيار تطبيق الاختصاص المكاني لمحاكم المحافظتين، إلى جانب إبداء الرأي بشأن كتابات أحد القضاة وتعليقاته في وسائل التواصل الاجتماعي المغلقة، وتأثيرها على نمط السلوك التأديبي.
وهذا الجانب مهم؛ لأنّه يجعل التفتيش القضائي جزءًا من عملية تطوير العمل القضائي، ودراسة الإشكالات التي تظهر في الواقع العملي، وليس مجرد جهة تقوم بعمليات التفتيش الميداني.
كيف تقيّمون مستوى التعاون بين الهيئة ورؤساء المحاكم؟
الجواب: هناك تعاون في تنفيذ كثير من أعمال المتابعة والتفتيش، ونحن نؤكّد دائمًا أن أعمال التفتيش ليست منفصلة عن عمل المحاكم، فكلما كان التعاون أكبر، أمكن الوصول إلى أسباب الاختلالات بصورة أسرع، ووضع المعالجة المناسبة لها.
والتفتيش في النهاية ليس خصومة مع القاضي أو رئيس المحكمة، وإنما هو عمل مؤسسي، هدفه تحسين الأداء، وتصحيح المسار، ولذلك فإن التعاون، وتبادل المعلومات، والحرص على معالجة الملاحظات، يسهم بصورة مباشرة في تحقيق أهداف التفتيش.
كما أن رؤساء المحاكم يمثلون شريكًا أساسيًا في متابعة تنفيذ المعالجات داخل محاكمهم، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على التكامل في خدمة العدالة.
هل تعتمدون على الإحصاءات والبيانات في تقييم أداء المحاكم؟
الجواب: نعم، فالبيانات والإحصاءات أصبحت عنصرًا مهمًا في عملية التقييم، ومن خلال معرفة القضايا الواردة والمنجزة والمرحّلة والمتأخرة، يمكن تكوين صورة أكثر دقّة عن مستوى أداء المحكمة، بدل الاعتماد على الانطباعات العامة.
كما تساعد البيانات على تحديد المحاكم أو الشُّعب التي تحتاج إلى متابعة أكبر، وقياس أثر الإجراءات والمعالجات التي يتم اتخاذها، وهو ما يجعل القرار التفتيشي أكثر ارتباطًا بالواقع والأرقام.
ونحن بحاجة إلى تطوير هذا الجانب بصورة أكبر، ونسعى إلى ربطه بالأنظمة الإلكترونية، بحيث تصبح البيانات متاحة بصورة أسرع، وأكثر دقّة، وتمكن الهيئة من اكتشاف مواطن التأخير، والخلل في وقت مبكر.
ما أبرز المعوقات التي تواجه قطاع المحاكم؟
الجواب: هناك عدد من التحديات التي تواجه قطاع المحاكم، أبرزها قلّة عدد القضاة في القطاع، وما يترتب على ذلك من صعوبة في تحقيق التخصّص الكامل في بعض المهام، إلى جانب محدودية الكادر الإداري المساند للعمل القضائي.
ومن التحديات كذلك الحاجة إلى تعزيز الربط الشبكي بين الجهات المرتبطة بالعمل القضائي، بما يسهم في سرعة تبادل المعلومات، والبيانات، وتطوير أدوات المتابعة والتقييم، إلى جانب توفير بعض الإمكانات المادية واللوجستية، التي تساعد أعضاء القطاع على تنفيذ مهامهم، وفي مقدمتها وسائل المواصلات اللازمة للنزولات الميدانية.
وفي هذا الجانب، يجب الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي يبذلها مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي محسن يحيى طالب، ورئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي ناظم باوزير، في دعم عمل الهيئة، ومعالجة احتياجات قطاع المحاكم، والحرص على تطوير أداء أجهزة التفتيش، وتعزيز قدرتها على القيام بمهامها على الوجه المطلوب.
ونحن ننظر إلى هذه التحديات بوصفها احتياجات قابلة للمعالجة والتطوير، ونعمل من خلال ما يرفع من مقترحات ودراسات على وضع الحلول المناسبة لها، بما يعزّز أداء القطاع، ويساعد المحاكم على القيام بدورها في خدمة المتقاضين، وتحقيق العدالة.
هل أصبح التحول الرقمي ضرورة بالنسبة لعمل التفتيش القضائي؟
الجواب: بالتأكيد، فالتحول الرقمي لم يعد ترفًا، وإنما أصبح ضرورة لتطوير العمل القضائي والتفتيشي، خصوصًا مع اتّساع حجم البيانات والملفات التي تحتاج الهيئة إلى متابعتها وتحليلها.
والربط الشبكي بين الهيئة والجهات القضائية سيساعد في متابعة سير القضايا، والوصول إلى البيانات، وتحليل مؤشرات الأداء، واكتشاف مواطن التأخير والخلل، وتفادي كثير من الاختلالات قبل تفاقمها.
ولهذا فإن إدخال الربط الشبكي بين قطاعات التفتيش، والنيابات العامة، والمتخصّصة، يمثل إحدى التوصيات المهمة التي نأمل أن تجد طريقها إلى التنفيذ، بما يوفر قاعدة معلومات تساعد في اتّخاذ القرار، وتطوير أدوات الرقابة والمتابعة.
في ضوء الأرقام والملاحظات، هل يمكن القول إن التفتيش أسهم بالفعل في تحسين أداء المحاكم؟
الجواب: نعم، التفتيش المرتبط بالمتابعة المستمرة يسهم في تحسين الأداء؛ لأنَّه يضع مواطن القصور أمام المسؤولين عنها، ويتيح متابعة المعالجة، وقياس مدى تنفيذها.
كما أن الأثر الحقيقي للتفتيش لا يقاس بعدد الزيارات أو الملاحظات التي تم تسجيلها فحسب، وإنما بما ينتج عنها من تصحيح للمسار، وتحسين في مستوى الانضباط، وسرعة الإنجاز، ومعالجة أسباب التأخير.
لكن يجب أن نكون واضحين في أن رفع مستوى الإنجاز لا يعتمد على التفتيش وحده؛ فهو مسؤولية مشتركة بين القضاة، ورؤساء المحاكم، والكوادر الإدارية، والنيابات، والجهات القضائية ذات العلاقة.
دورنا هو أن نرصد ونقيّم ونقترح المعالجات ونتابعها، وأن نتأكّد من تنفيذها وفق القانون، بينما نجاح المعالجة يتطلب تكامل جهود مختلف مكونات منظومة العدالة.
كيف تقيّمون جهود قيادة السلطة القضائية في تطوير عمل الهيئة وقطاع المحاكم؟
الجواب: هناك جهود كبيرة يبذلها رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي محسن يحيى طالب، ورئيس هيئة التفتيش القضائي القاضي ناظم باوزير، في سبيل تطوير أداء الهيئة، وتعزيز دورها الرقابي والمهني، والعمل على معالجة الاحتياجات التي تواجه قطاعات التفتيش، بما يمكنها من أداء مهامها بصورة أكثر فاعلية.
وقد حرص رئيس الهيئة القاضي ناظم باوزير على متابعة أعمال القطاعات، والوقوف على نتائج النزولات، والتقارير التفتيشية، والتأكيد على أن تكون أعمال التفتيش قائمة على المتابعة، والتقييم، ووضع المعالجات، وألّا تقتصر على رصد الملاحظات، إلى جانب الاهتمام بتعزيز التنسيق مع المحاكم، ومتابعة القضايا المتأخرة، ودعم المقترحات المتعلقة بسد الشواغر، ورفد المحاكم بالاحتياجات اللازمة.
كما يضطلع مجلس القضاء الأعلى، برئاسة القاضي محسن يحيى طالب، بدور مهم في دعم أعمال الهيئة ومساندة جهودها في معالجة الاحتياجات التي تظهر من خلال العمل الميداني، بما يعزّز قدرة الهيئة على تنفيذ اختصاصاتها، والاضطلاع بدورها في متابعة الأداء القضائي وتطويره.
ونحن في قطاع المحاكم نلمس بصورة مباشرة أهمية هذا الدعم والمتابعة، خصوصًا في ظل اتّساع نطاق العمل، وتعدّد مهام التفتيش، ونرى أن استمرار هذا النهج وتطويره من شأنه أن يعزّز العمل المؤسسي للهيئة، ويرفع مستوى أدائها، ويدعم جهودها في معالجة أوجه القصور، والارتقاء بمستوى أداء المحاكم، وخدمة المتقاضين.
ما الرسالة التي توجهونها إلى القضاة ورؤساء المحاكم؟
الجواب: رسالتنا أن التفتيش القضائي ليس خصمًا للقاضي، وإنما هو جزء من منظومة تطوير القضاء، وحماية استقلاله، وهيبته.
ونحن ندعو القضاة ورؤساء المحاكم إلى التعامل مع الملاحظات التفتيشية بوصفها وسيلةً لتطوير الأداء، ومعالجة أوجه القصور، والحرص على سرعة الفصل في القضايا من دون إخلال بضمانات المحاكمة العادلة.
كما أن الانضباط القضائي، واحترام مواعيد الجلسات، وسرعة إنجاز القضايا، كلّها أمور تنعكس بصورة مباشرة على حقوق المتقاضين، وثقتهم بالقضاء.
وفي المقابل، تحرص الهيئة على أن تكون ملاحظاتها وإجراءاتها في إطار القانون، وأن تراعي طبيعة العمل القضائي، والضمانات المقرّرة للقضاة.
ماذا تطمحون إلى تحقيقه خلال النصف الثاني من عام 2026؟
الجواب: نطمح إلى استكمال برنامج التفتيش والمتابعة، وتوسيع نطاق النزولات الميدانية، وتعزيز متابعة القضايا المتأخرة، ومواصلة متابعة الانضباط الوظيفي.
كما نعمل على الاستفادة من نتائج النصف الأول في تحديد الأولويات، ومعالجة الملاحظات، التي ظهرت في عدد من المحاكم، ومتابعة المقترحات المتعلقة بسد الشواغر، ورفد المحاكم بالقضاة المؤهلين.
ونأمل كذلك أن يتحقق تقدّم في مجال الربط الشبكي، وتوفير قاعدة بيانات أكثر تكاملًا؛ لأن تطوير أدوات القياس والتقييم، سيجعل التفتيش أكثر قدرة على اكتشاف مواطن الخلل في وقت مبكر، كما سيساعد على قياس أثر المعالجات بصورة أكثر دقّة.
في ختام الحوار، كيف تلخصون أهمية عمل هيئة التفتيش القضائي في تعزيز ثقة المواطن بالقضاء، وما الرسالة التي توجهونها للمتقاضين والمحامين؟
الجواب: ثقة المواطن بالقضاء تُبنى على سيادة القانون، ونزاهة الإجراءات، وجودة الأحكام، وسرعة الفصل في القضايا، وحسن التعامل مع المتقاضين. وهيئة التفتيش القضائي تسهم في هذه المنظومة من خلال الرقابة المهنية على الأداء، ورصد أوجه القصور، ومتابعة معالجة الاختلالات، وتعزيز الانضباط، والتأكّد من الالتزام بالواجبات القانونية.
وهنا أود أن أوضح نقطة مهمة للمتقاضين والمحامين، وهي أن هيئة التفتيش القضائي ليست جهة للطعن في الأحكام أو إعادة مناقشة موضوعاتها، فإذا تقدّم محامٍ أو مواطن بشكوى مضمونها أن القاضي أصدر حكمًا على نحو معين، أو أنَّه أخطأ في تقدير الأدلة أو تطبيق القانون، فإن الطريق القانوني لمناقشة ذلك الحكم، هو الطعن أمام المحكمة المختصّة ووفق درجات التقاضي المقرّرة قانونًا، فالمحاكم الأعلى درجة هي صاحبة الاختصاص في مراجعة الأحكام، والنظر في أوجه الخطأ التي قد تشوبها.
أمَّا إذا كانت الشكوى تتعلق بتجاوزات مسلكية، أو إخلال بواجبات القاضي، أو سلوك يتنافى مع مقتضيات الوظيفة القضائية، فهذه من المسائل التي تدخل في نطاق عمل التفتيش القضائي، ويتم التعامل معها، وفحصها، واتّخاذ ما يلزم بشأنها وفقًا للقانون.
وهذا التفريق مهم حتى يعرف كل متقاضٍ الطريق القانوني الصحيح لمعالجة ما يراه من ملاحظات؛ فاستقلال القضاء ودرجات التقاضي، تقتضي أن تناقش الأحكام وتُراجع عبر طرق الطعن المقرّرة قانونًا، بينما تتولى هيئة التفتيش متابعة الأداء، والانضباط، والسلوك القضائي وفق اختصاصها.
وفي النهاية، هدفنا جميعًا هو قضاء أكثر كفاءة وانضباطًا، وعدالة تصل إلى صاحب الحقّ في الوقت المناسب، وفي إطار القانون، مع الحفاظ على استقلال القضاء، وهيبته، وضمان حقّ كل متقاضٍ في الوصول إلى العدالة، وطرق الطعن التي كفلها القانون.
اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


لا تعليق