بين ادعاءات الانتحار وجرائم القتل بدافع الشرف..هل تنجح العدالة الجنائية في كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا؟


تقرير – القضائية

في كل مرة تهتز فيها المجتمعات على وقع وفاة فتاة أو شابة في ظروف غامضة، تتسابق الروايات والتفسيرات، وتبرز فرضية “الانتحار” بوصفها الإجابة الأسرع والأكثر تداولًا.. غير أن العدالة الجنائية لا تتعامل مع الوقائع بمنطق الانطباعات أو الروايات المسبقة، بل تنطلق من سؤال جوهري: هل ما حدث هو بالفعل انتحار، أم أن هناك جريمة خفية جرى إلباسها ثوبًا آخر؟

هذه القضايا تتجاوز حدود الحوادث الفردية لتلامس واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا، حيث تتداخل الاعتبارات الاجتماعية والعائلية مع مقتضيات القانون، وتصبح الضحية في كثير من الأحيان عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فيما تتولى الأدلة والقرائن مهمة التحدّث نيابة عنها.

جرائم تُرتكَب باسم الشرف

لا تزال بعض المجتمعات تنظر إلى ما يُعرَف بـ”جرائم الشرف” بوصفها وسيلة لاستعادة الاعتبار الأسري أو معالجة سلوك يُعتقَد أنَّه يمسُّ سمعة العائلة، رغم أن القانون ينظر إلى هذه الأفعال بوصفها جرائم قتل مكتملة الأركان، لا تختلف في وصفها القانوني عن أي جريمة قتل عمد أخرى.

وتكمن خطورة هذه الجرائم في أنَّها غالبًا ما تُرتكَب داخل إطار أسري مغلق، حيث يكون الجاني قريبًا من الضحية، فيما تتعرّض الحقائق لمحاولات الإخفاء أو التغيير أو إعادة صياغة الوقائع بما يخدم رواية معينة.

وفي كثير من الحالات، لا تقف المسؤولية الجنائية عند الفاعل المباشر، بل تمتد لتشمل كل من اشترك أو حرّض أو ساعد أو أخفى الأدلة أو قدّم معلومات مضللة للجهات المختصّة، إذ إن القانون الجنائي لا يقتصر على معاقبة اليد التي نفّذت الجريمة، وإنما يطال كل من أسهم في وقوعها أو عرقل الوصول إلى الحقيقة.

وترى الأستاذة وداد إسماعيل، مديرة إدارة شؤون المرأة بوزارة العدل، أن ما يُسمى بـ”جرائم الشرف” ما هي إلا جرائم قتل عمدية مكتملة الأركان تُرتكَب بحقّ النساء والفتيات، وأن محاولة إعطائها صبغة أخلاقية أو أسرية ليس إلا تبريرًا واهيًا لإزهاق الروح الإنسانية بغير حقّ. وتؤكد أن التشريعات والقوانين، وعلى رأسها قانون العقوبات اليمني لا تعترف بأي دافع أو مبرر لإسقاط القصاص أو تخفيف العقوبة في هذه الوقائع.

وتشير أ. وداد إسماعيل إلى أن خطورة هذه الجرائم تتضاعف بكونها تُرتكَب غالبًا خلف أبواب مغلقة وفي بيئة أسرية، مما يسهل محاولات طمس المعالم، وتغيير مسرح الجريمة، أو الضغط على الصامتين لإلباس الواقعة ثوب “الانتحار”.. وتوضح أن المسؤولية الجنائية لا تقف عند المنفذ المباشر فحسب، بل تمتد قانونًا وحقوقيًا لتشمل كل من حرّض أو اشترك أو سهّل أو تستّر على الجريمة وإخفاء أدلتها.

وتشدّد مديرة إدارة شؤون المرأة، على أن سيادة القانون يجب أن تتفوق بالكامل على الممارسات العرفية والتقاليد الاجتماعية القاسية، مشيرةً إلى أن حماية حقّ الفتيات والنساء في الحياة هي مسؤولية أصيلة تبدأ من التحقيق الناجز وإنصاف الضحايا، وعدم السماح للجناة بالإفلات من العقاب تحت أي ذريعة كانت.

عندما يتحوّل “الانتحار” إلى رواية جاهزة

من أخطر ما يواجه أجهزة العدالة الجنائية في مثل هذه القضايا هو التسرّع في تبني فرضية الانتحار قبل استكمال إجراءات التحقيق والأدلة الفنية.. فالادّعاء بأن الضحية أقدمت على إنهاء حياتها لا يُسقط تلقائيًا احتمال وجود جريمة، ولا يُغني عن إجراء المعاينات الجنائية، وتشريح الجثة عند الحاجة، وسماع الشهود، وفحص الأدلة الرقمية والاتصالات والظروف المحيطة بالواقعة.

وقد أثبتت العديد من التحقيقات الجنائية في دول مختلفة أن بعض الوقائع التي تم تسجيلها في البداية على أنَّها حالات انتحار، تبيَّن لاحقًا أنَّها جرائم قتل جرى تمويهها بعناية لإبعاد الشبهات عن الجناة.

ومن هنا فإن واجب السلطات المختصّة لا يقتصر على إثبات سبب الوفاة فحسب، بل يمتد إلى البحث عن كل الملابسات السابقة واللاحقة للواقعة، والكشف عمَّا إذا كانت الضحية قد تعرّضت للتهديد أو العنف أو الإكراه أو التحريض النفسي الذي دفعها إلى تلك النهاية.

وتنبه المحامية شريفة ردمان، رئيسة مؤسسة لنا للتنمية، إلى أن القبول السريع برواية “الانتحار” لمجرد تداولها في البيئة الاجتماعية يُعَدُّ ثغرة حقوقية وقانونية خطيرة تُستغَل لإغلاق ملفات الوفاة المشبوهة بعيدًا عن أروقة التحقيق الفعلي.

وتوضح أن الادعاء بالانتحار ليس خيارًا شفهيًا يُسقِط الشبهة الجنائية، بل هو دفع موضوعي يتطلب إثباتًا قضائيًا وقرائن علمية قطعية تنفي وجود أي فعل إجرامي خفي، مشيرةً إلى أن قواعد قانون الإجراءات الجزائية تُحمل النيابة العامة وجوب التعامل مع مسرح الواقعة بوصفها صحيفة أدلة مفتوحة لا تُغلَق إلا بتقرير الطب الشرعي.

وتؤكّد المحامية شريفة ردمان أن المسؤولية الجزائية لا تسقط حقوقيًا ولا قانونيًا حتى وإن باشرت الضحية الفعل بنفسها، متى ما ثبت وقوعها تحت طائلة الابتزاز أو التهديد أو الإكراه المعنوي القسري داخل محيطها.

وترى ردمان أن التكييف القانوني السليم لهذه الحالات يوجب إدراجها ضمن “جرائم التحريض والدفع للوفاة” التي تعاقب عليها التشريعات بصرامة، مشددةً على أن إنصاف الضحايا يتطلّب توسيع نطاق التحقيق، وفحص الاتصالات والأدلة الرقمية، لمنع التستّر عن جرائم القتل تحت ساتر الروايات الجاهزة.

المسؤولية الجنائية لا تتوقف عند القاتل

القانون الجنائي الحديث يقوم على مبدأ مهم مفاده أن الجريمة قد تكون نتيجة سلسلة من الأفعال والأدوار المتداخلة.. فإذا ثبت وجود تحريض أو اتفاق أو مساعدة، فإن المسؤولية تمتد إلى جميع المشاركين بحسب درجة إسهامهم في الفعل الإجرامي.

كما أن إخفاء الأدلة، أو العبث بمسرح الجريمة، أو تقديم بلاغات كاذبة، أو الضغط على الشهود، أو إجبار أفراد الأسرة على الصمت، كلها أفعال قد تشكل جرائم مستقلة يعاقب عليها القانون.

وفي بعض الحالات، قد تتحول البيئة الاجتماعية المحيطة بالضحية إلى عامل ضغط خطير، ولاسيما عندما تتعرّض للتهديد أو الوصم أو العنف النفسي، الأمر الذي يستوجب تحقيقًا دقيقًا في كافة الظروف التي سبقت الوفاة.

وترى القاضي مادلين الحمزي، قاضي المحكمة التجاريّة الابتدائية م/ عدن، أن الجريمة في الفقه الجنائي الحديث ليست مجرد سلوك فردي ينتهي بمسؤولية الفاعل المباشر، بل هي سلسلة من الأدوار المتداخلة التي تتوزع بين المحرّض والمساعد والاتفاق الجرمي.

وتوضح أن قواعد المساهمة الجنائية في التشريع تعاقب كل من قدَّم دعمًا ماديًا أو معنويًا بنفس القوة والصرامة، مؤكّدةً أن إنصاف الضحايا يتطلب تتبّع كافة الأطراف التي أسهمت في تهيئة الظروف للجريمة أو دفع الضحية إليها، وعدم الاكتفاء بملاحقة اليد المنفذة فقط.

وتؤكد القاضي الحمزي أن الأفعال اللاحقة أو المصاحبة للواقعة _ مثل طمس معالم مسرح الجريمة، وإخفاء الأدلة، أو ممارسة الترهيب والضغط على الشهود لإجبارهم على الصمت _ تُعَدُّ جرائم مستقلة بذاتها تعاقب عليها التشريعات بتهمة إعاقة سير العدالة.

وتشير إلى أن البيئة القسرية والعنف النفسي الممارس ضد الضحية يمثلان صورة من صور التسبب الإجرامي الذي يتوجب على سلطات التحقيق كشفه، ضمانًا لعدم إفلات أي مشارك أو متستّر من طائلة القانون.

العدالة تبدأ من الشك المشروع

إن العدالة الجنائية لا تبنى على الشائعات أو الروايات المتداولة، وإنما على الأدلة والقرائن والنتائج العلمية، ولهذا فإن أي وفاة غامضة تستوجب تحقيقًا جادًا ومستقلًا، بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية أو محاولات التأثير على سير العدالة.

فالشك المشروع في مثل هذه القضايا ليس تشكيكًا في أحد، وإنما هو ضمانة قانونية للوصول إلى الحقيقة؛ لأن إغلاق الملفات بصورة متسرّعة قد يؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب وحرمان الضحايا من حقهم في العدالة.

وترى الناشطة والمدافعة عن حقوق الإنسان، بهية السقاف أن مبدأ “الشك المشروع” يمثل الركيزة الأولى والضمانة الجوهرية للتحقيق الجنائي النزيه، إذ يُلزَم سلطات الاستدلال والنيابة العامة التعاملَ مع كل حالة وفاة غامضة بجدية حازمة بعيدًا عن الشائعات والروايات المجتمعية المتداولة.. وتوضح أن ممارسة الشك المهني لا تُعَدُّ اتهامًا جزافيًا لأحد، بل هي واجب قانوني وأخلاقي يهدف لمساءلة الوقائع علميًا وحماية الحقّ الأصيل في الحياة.

وتشير بهية السقاف إلى أن القضاء الجنائي يُبنى على الجزم واليقين المستمد من الأدلة المادية والقرائن العلمية، ولا يجوز قانونًا إغلاق الملفات أو تقييد التحقيق استنادًا إلى انطباعات شفهية أو ضغوط اجتماعية تسعى للتغطية على الحقيقة.. وتضيف أن أجهزة إنفاذ القانون مكلّفة بتتبع كافة الأدلة والوسائل الفنية بدءًا من المعاينة الميدانية لمسرح الجريمة، وحتى تقارير الطب الشرعي، والأدلة الرقمية؛ لتأسيس التكييف السليم للواقعة.

وتشدّد على أن التسرّع في حفظ القضايا أو إنهاء التحقيقات في وفيات الفتيات المشبوهة يُعَدُّ إهدارًا لمتطلبات العدالة وتفريطًا في حقوق الضحايا، ممَّا قد يخلق بيئة تُشجّع على الإفلات من العقاب. وتلخص إلى أن حماية العدالة والمجتمع تبدأ من كفالة حقّ الضحية في تحقيق مستقل ومحايد لا يخضع لأي اعتبارات عرفية أو تأثيرات خارجية.

صراع بين العُرف وسيادة القانون

تكشف هذه القضايا عن إشكالية أعمق تتمثل في الصدام بين بعض الأعراف الاجتماعية ومبادئ القانون.. ففي الوقت الذي يسعى فيه القانون إلى حماية الحقّ في الحياة وصون الكرامة الإنسانية، قد تحاول بعض الممارسات الاجتماعية تبرير العنف أو التستّر عليه تحت مسميات مختلفة.

غير أن مبدأ سيادة القانون يقتضي عدم السماح لأي عُرف أو مبرر اجتماعي بأن يتحول إلى غطاء لانتهاك الحقوق الأساسية أو تعطيل العدالة، فالحقّ في الحياة حقّ أصيل لا يجوز المساس به، ولا يمكن تبرير إزهاق الأرواح بأي ذريعة كانت.

وترى الناشطة الحقوقية فاطمة الكسادي أن الصدام بين الممارسات العُرفية وضوابط سيادة القانون يمثل الإشكالية الأعمق في قضايا الوفيات المشبوهة والعنف الموجه ضد النساء، حيث تحاول بعض المفاهيم الاجتماعية فرض سلطة عرفية، وتبرير انتهاك الحقّ في الحياة تحت مسميات واهية.

وتوضح أن القاعدة التشريعية الحازمة تقرّر بأنَّه “لا عُرف في مقام النصّ القانوني الآمر”، ممَّا يجعل أي تقليد أو عُرف يتسامح مع إزهاق الأرواح أو يسعى للتستّر عليه باطلًا بطلانًا مطلقًا، ومجرمًا بنصّ التشريع النافذ.

وتنبّه الكسادي إلى أن التشريعات الوطنية والمعاهدات الدولية كفلت الحقَّ في الحياة وصون الكرامة الإنسانية بوصفها حقوقًا أصيلة ومطلقة لا تجوز تجزئتها أو إخضاعها للمساومات الاجتماعية والحلول الودية.. مضيفةً أن محاولات البيئة المحيطة فرض التستّر أو الضغط لإغلاق الملفات بداعي “الحفاظ على السمعة” تُعَدُّ إعاقة صريحة لسير العدالة الجنائية، ومساسًا بمبدأ القضاء، وهيبة القانون.

وتُعَدُّ الكسادي أن ترسيخ مبدأ سيادة القانون يتطلب مواجهة حازمة لكافة مظاهر التبرير الاجتماعي للعنف، وإلغاء أي ثغرات قد تُستغَل للإفلات من العقاب.. وتلخص إلى أن إنصاف الضحايا وحماية المجتمع يستوجبان خضوع كافة الوقائع لسلطة القانون وحده، بوصفه الملاذ الآمن والضمانة الوحيدة؛ لصون الأرواح، وحظر استخدام الأعراف كغطاء لانتهاك الحقوق الأساسية.

هل تُدفَن الحقيقة مع الضحية؟

يبقى السؤال الأكثر إيلامًا في مثل هذه القضايا: هل تنتهي الحقيقة عند دفن الضحية، أم أن العدالة قادرة على إعادة بناء الوقائع وكشف ما حدث؟

إن الإجابة تكمن في قدرة مؤسسات العدالة على القيام بدورها المهني والقانوني، وفي وعي المجتمع بأهمية دعم مسار التحقيق، وعدم الانجرار وراء الروايات المسبقة.. فالضحية قد تفقد صوتها، لكن الأدلة لا تتحدث إلا بالحقيقة متى ما أُتيح لها أن تُفحَص بصورة مهنية ومستقلة.

وفي الختام، فإن العدالة الجنائية لا تسعى إلى معاقبة الجاني فحسب، بل إلى حماية المجتمع من تكرار مثل هذه الجرائم، وترسيخ مبدأ أن الكرامة الإنسانية والحقَّ في الحياة لا يمكن أن يكونا محل مساومة أو تبرير.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس وقوع الجريمة فحسب، بل أن تُدفن الحقيقة معها، وأن يتحول الصمت أو التبرير إلى شريك آخر في إهدار العدالة.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد