نيابة النقض بالمحكمة العليا.. ذراع العدالة العليا في ضبط معايير التقاضي وتحقيق العدالة الناجزة


نائب رئيس نيابة النقض القاضي السعدي: نعمل على ترسيخ معايير العدالة العليا رغم التحديات

عضو نيابة النقض القاضي محبوب: فحص الطعن بالنقض مسؤولية جسيمة تتطلب دقة قانونية ومهارة تحليلية

تقرير – القضائية

تُعَدُّ نيابة النقض بالمحكمة العليا في العاصمة عدن إحدى أهم الركائز في منظومة العدالة، وذلك لأنَّ من أهم مهامها ضمان وحدة تفسير القانون وتطبيقه، وبذلك تُعَدُّ مركز التوازن القانوني الذي يضبط مسار الأحكام القضائية عبر مراجعتها قانونيًا وموضوعيًا قبل أن تكتسب الدرجة القطعية، وتضطلع هذه النيابة بدورٍ محوري في حماية القانون بضمان تطبيقه تطبيقًا صحيحًا، وتوحيد الاجتهاد القضائي، بما يعزّز الثقة العامة في القضاء ويكرّس مبدأ سيادة القانون على الجميع من دون استثناء.

الإطار القانوني والدور القضائي

تأسست نيابة النقض استنادًا لقرار صادر من النائب العام، لتكون ممثلًا للنيابة العامة أمام المحكمة العليا، وتمارس مهامها في دراسة الطعون المقدمة على الأحكام النهائية الصادرة عن محاكم الاستئناف، وإبداء الرأي القانوني في مدى سلامة تلك الأحكام من الخطأ في تطبيق القانون أو تأويله.

وتتمثل مهامها الأساسية في:
مراجعة ملفات القضايا التي يُطعَن فيها بالنقض.
إعداد آراء قانونية تفصيلية بشأن الملفات المعروضة عليها، ومن ثم تُرفَع إلى دوائر المحكمة العليا.
ـ تقديم الطعون بالنقض باسم النيابة العامة في الأحكام التي ترى أنَّها خالفت القانون أو مسّت بالمصلحة العامة.

وفي تصريح خاص لـ«القضائية»، أوضح محام عام أول، نائب رئيس نيابة النقض والإقرار في المحكمة العليا، القاضي صالح السعدي أنَّ النيابة تمثل “الخط الفاصل بين العدالة الناقصة والعدالة المكتملة”، مؤكّدًا أنَّ الطعن بالنقض ليس مرحلة شكلية كما يعتقد بعضهم، بل هو “مستوى دقيق من المراجعة القانونية التي تضمن أن لا يُنفَّذ حكم قضائي إلَّا بعد التحقّق من مطابقته لأحكام القانون والدستور”.

وقال نائب رئيس نيابة النقض: “نيابة النقض في عدن تعمل اليوم في ظل ظروف استثنائية صعبة، لكننا حريصون على أداء مهامنا في حدود الإمكانات المتاحة، مستندين إلى واجبنا الدستوري في صون الحقوق والحريات، والتأكد من سلامة تطبيق القانون في كل حكم صادر عن محاكم الاستئناف”.

وأضاف: “نعمل على تقليص مدّة دراسة الطعون وتحسين جودة الآراء القانونية، بالتوازي مع تحديث آلية الأرشفة وحوسبة الملفات؛ لضمان سرعة الفصل والشفافية في العمل القضائي”.

من جانبه، تحدث محام عام أول، عضو نيابة النقض والإقرار في المحكمة العليا، القاضي الدكتور عبدالكريم قاسم محبوب لـ«القضائية» بقوله: نيابة النقض: نيابة مستقلة قضائيًا وفنيًا عن النيابة الطاعنة وأطراف النزاع، تقع ضمن مبنى المحكمة العليا، وتهدف إلى تمثيل القانون بحياد تام وترعى حسن تطبيقه. تتكوّن من رئيس وعدد من الأعضاء، وتختصُّ بإبداء الرأي في الطعون المرفوعة أمام المحكمة العليا على الأحكام والقرارات الجزائية وغيرها، كما تقدم العون والمشورة للمحكمة العليا والنائب العام.

مؤكّدًا أن عمل النيابة في مرحلة النقض “يتطلب إعدادًا قانونيًا عالي المستوى من الناحية الفنية، إذ لا يكفي أن نراجع الحكم مراجعه ظاهرية شكلية، بل علينا تحليل أسبابه، وربطها بالنصوص القانونية، والسوابق القضائية”.

وأوضح القاضي محبوب أنَّ كُلَّ طعن يُعرَض على نيابة النقض يحال على أحد الأعضاء لدراسته، وإبداء رأيه فيه من الناحية الشكلية ابتداءً، فإن كان مقبولًا من حيث الشكل وجب عليه فحص الطعون موضوعيًا، وبالتالي فحص الحكم وتحليل أسبابه، وربطها بالنصوص القانونية، والسوابق القضائية، ثم يقوم بعرض الدراسة على رئيس النيابة لمراجعتها والتوقيع عليها في حال موافقته عليها.

وقد تخضع الدراسة لمداولة جماعية من قِبل الرئيس والأعضاء، حيث تُناقَش فيها مدى وجاهة الأسباب القانونية للطعن، وما إذا كان الحكم المطعون فيه قد شابه خطأ جوهري في تطبيق القانون أو قصور في التسبيب، ومدى سداد الرأي في الدراسة، من أجل الخروج برؤية فنية دقيقة ذو مهنية عالية.

وأضاف عضو نيابة النقض: “نحن نتعامل يوميًا مع ملفات معقدة تتعلق بقضايا جنائية، وكلها تحتاج إلى قراءة دقيقة وتفسير منضبط للنصوص.. ومع ذلك، يظلُّ الهدف الأسمى، هو حماية حقّ المتقاضين في عدالة منصفة وشفافة”.

واقع العمل والتحديات

على الرغم من الأهمية المحورية لنيابة النقض في منظومة العدالة، إلَّا أنَّ واقع العمل لا يخلو من الصعوبات التي تفرضها الظروف العامة، وتحديات البنية التحتية الإدارية والفنية التي ما تزال بحاجة إلى تحديث مستمر.

وفي هذا السياق، قال نائب رئيس نيابة النقض بالمحكمة العليا، القاضي السعدي في تصريح خاص لـ«القضائية»: “نحن نعمل في ظل ظروف استثنائية، لكن روح المسؤولية القانونية تجعلنا نواصل أداء واجبنا دون توقف، وهناك جملة من التحديات التي نواجهها اليوم أبرزها عدم تنظيم نيابة النقض تنظيمًا قانونيًا، فبالرغم من أهميتها ووجوب إبداء رأيها في جميع القضايا الجنائية المعروضة على المحكمة العليا وفقًا لنص المادة (440) من قانون الإجراءات الجزائية، لم يتم تنظيمها لا في قانون السلطة القضائية، ولا في قانون إنشاء النيابة العامة، وإنما أنشئت بموجب لائحة صادرة من النائب العام، وبسبب ذلك يلاقي كادر نيابة النقض تمييز في التعامل من حيث الامتيازات المادية والعينية، بينهم وبين أعضاء المحكمة العليا رغم أنَّهم على درجة واحدة ومستوى واحد، فهم جزء أساسي من المحكمة العليا، وكان المفروض أن تنظم بموجب قانون السلطة القضائية مثلها مثل بقية نيابات النقض في الدول الأخرى، فضلًا عن الحاجة الملحّة لتوفير الدعم اللوجستي الذي يواكب حجم القضايا المعروضة”.

وأضاف القاضي السعدي: “ورغم كُلّ ذلك، فإنَّنا نحرص على أن لا يتأثر مبدأ العدالة بهذه الصعوبات، ونضاعف الجهد؛ لضمان أن تُدرَس كُلُّ قضية بدقة وبما يحقق الإنصاف للمتقاضين”.

وأضاف القاضي محبوب: “ما نحتاجه فعلًا هو بيئة عمل مؤسسية أكثر استقرارًا، ودعم فني وتقني يسهّل عملية دراسة الملفات وإعداد المذكرات القانونية، ومع ذلك، نحن نؤمن بأن هذه المرحلة الانتقالية ستؤسس لمرحلة قادمة أكثر تطورًا في أداء النيابة والقضاء عمومًا”.

وأكّد في حديثه أنَّ “روح التعاون بين القضاة وأعضاء النيابة تمثل رأس المال الحقيقي الذي يبقي عجلة العدالة دائرة رغم كل الصعاب”.

جهود التطوير والتحديث

رغم محدودية الإمكانات، تبذل نيابة النقض بالمحكمة العليا في عدن جهودًا حثيثةً لتطوير منظومة عملها والانتقال نحو بيئة قضائية أكثر تنظيمًا وتكاملًا مع توجهات التحول الرقمي في مؤسسات العدالة.

ويجب أن تستند خطة التطوير، وفق ما أوضحه نائب رئيس نيابة النقض، إلى ثلاثة محاور رئيسة: التحول الرقمي، والتأهيل القانوني، وتعزيز التنسيق المؤسسي.

وقال القاضي السعدي: “مع أنَّ هناك ربط إلكتروني بين نيابة النقض ودوائر المحكمة العليا؛ لضمان انسيابية تبادل المعلومات وسرعة اتخاذ القرار القضائي، إلَّا أنَّنا نأمل بناء قاعدة بيانات إلكترونية خاصة بدراسات نيابة النقض، والطعون التي تقدمها، وتحديث أساليب الأرشفة والتوثيق، بما يتيح سهولة الوصول إلى أي معلومة من المعلومات المطلوبة”.

من جانبه، أكّد عضو نيابة النقض أنَّ عملية التطوير ليست تقنية فحسب، بل فكرية ومهنية أيضًا، موضحًا بالقول: “التحول الحقيقي يبدأ من تطوير أسلوب التفكير القانوني لدى عضو النيابة، ومنحه الأدوات الحديثة للبحث والتحليل، لذلك نحن نرحب بكل خطوة تهدف إلى تحديث بيئة العمل، لأنَّها تختصر الوقت، وتضمن جودة الرأي القانوني ودقته”.

وأشار القاضي محبوب إلى أنَّ إنشاء مكتبة قانونية رقمية تضم السوابق والأحكام القضائية الصادرة عن المحكمة العليا “سيشكل نقلة نوعية في عمل النيابة، وسيساعد في توحيد المفاهيم القانونية بين مختلف دوائر القضاء والنيابات”.

الأثر القانوني والعدالة المنشودة

يُجمع خبراء القانون على أن ما تبديه نيابة النقض من آراء ودراسات للمحكمة العليا في عدن يُعَدُّ اللبنة الأولى لأحكام المحكمة العليا التي تُعَدُّ صمام الأمان الأخير في مسار العدالة، والجهة التي تُعيد تصويب أي خطأ أو خلل قد يعتري الأحكام القضائية الصادرة من المحاكم الأدنى، فهي الضمانة العليا لتطبيق القانون بعدالة، ومن خلالها تُرسَم معايير النزاهة القضائية، ويُرسَّخ مبدأ المساواة أمام القانون.

وفي هذا الإطار، يؤكّد نائب رئيس نيابة النقض أنَّ الدور القانوني للنيابة يتجاوز الجانب الإجرائي إلى “حماية جوهر العدالة ذاتها”.

وقال في حديثه لـ«القضائية»: “إنَّ قيمة النقض ليست في نقض الأحكام فحسب، بل في توحيد المفاهيم القانونية وحماية مبدأ سيادة القانون، نحن نحرص على أن تبقى أحكام المحكمة العليا مرجعًا وسابقة قضائية يهتدي بها القضاة في عموم المحافظات”.

وأضاف القاضي السعدي أنَّ وجود نيابة النقض الفاعلة يسهم في “رفع مستوى الثقة الشعبية في القضاء، ويؤكَّد أنَّ العدالة ليست شعارًا بل ممارسة مؤسسية تخضع لضوابط القانون والضمير المهني”.

من جهته، أوضح القاضي الدكتور عبدالكريم محبوب أنَّ الأثر الحقيقي لعمل النيابة يظهر في “تحقيق الاتساق القانوني بين الأحكام القضائية وإعادة التوازن لمفهوم العدالة”.

وقال عضو نيابة النقض: “حين تُراجَع نيابة النقض أي حكم، فإنَّها لا تبحث عن الأخطاء الشكلية فحسب، بل عن مدى تحقيق الحكم لروح القانون وعدالته؛ لذلك نُعَدُّ أن عملنا ليس رقابة فحسب، بل تصحيح لمسار العدالة وضمان لتكاملها”.

لافتًا إلى أنَّ نيابة النقض من خلال دراسة الملفات المعروضة عليها وفحصها تنظر في الأخطاء الإجرائية التي تقع فيها محاكم أو نيابات الاستئناف، والتي قد تؤثر على سير العدالة، وتقوم بتقديم ملاحظاتها حول ذلك إلى كل من معالي رئيس المحكمة العليا أو معالي النائب كل بحسب تخصصه، الذي بدوره يقوم بتنبيه المعني بالأمر بتدارك ذلك مستقبلًا، ولهذا دور كبير في تصحيح مسار العدالة، وسرعة إنجازها.

وأشار القاضي محبوب إلى أنَّ نقض الأحكام الخاطئة أو المعيبة قانونيًا “لا يُعَدُّ انتقاصًا من القضاة أو المحاكم الأدنى، بل هو تجسيد لعدالة عليا تصون هيبة القضاء وتُثبت أن العدالة في اليمن لا تزال قادرة على تصحيح نفسها بنفسها”.

خلاصة:
بين ضغوط الواقع وإصرار رجال القانون، تواصل نيابة النقض بعدن أداء رسالتها العليا في الدفاع عن مبدأ الشرعية، وترسيخ قيم العدالة والإنصاف، لتبقى المؤسسة التي تُعيد إلى ميزان القضاء توازنه، وتحفظ للدولة هيبتها القانونية في وجه كلّ تجاوز أو خطأ قضائي محتمل.


“العدالة لا تكتمل إلا حين تمرُّ على بوابة النقض” — كما يردد القضاة في أروقة المحكمة العليا؛ لتبقى هذه النيابة عنوانًا للضمير القانوني الأعلى في البلاد.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد