الابتزاز الإلكتروني.. جريمة العصر التي تهدد استقرار المجتمعات


جهود للقضاء وسلطات إنفاذ القانون للتصدي لمخاطر الجريمة الإلكترونية

تقرير – دنيا العولقي

‏يُعدُّ الابتزاز الإلكتروني من الجرائم التي ظهرت بظهور الإنترنت، وأكثر الأنواع انتشارًا في عصرنا الحالي، ‏ومن المعروف أنه كلما ازداد استخدام الإنترنت في الحياة الشخصية أو المهنية ازدادت مخاطر سقوطنا بوصفنا ضحايا لجرائم الإنترنت.

ويقصد بالابتزاز هو تهديد وترهيب للضحية بإفشاء معلومات أو أمور ماسة بحياة الفرد الشخصية أو العملية، ويحدث في الغالب للأشخاص عندما يحصل أحدهم على صورة أو وثائق خاصة أو بيانات سرية عن شخص أو شركة حيث تكون هذه ملفات مهمة أو فاضحة أو محرجة للشخص أو أنها تتسبب بمشاكل وغيرها، ولا يشترط في هذه الحالة أن يكون المبتز يجيد الاختراق، فقد يجد هذه الملفات على هاتف مفقود أو وحدة تخزين أو ما شابه ذلك أو قد تقوم الضحية نفسها بإرسال الصور والفيديوهات للمبتز لغرض ما، بعد ذلك يبدأ المبتز بتهديد الضحية إن لم تلبي طلباته، وتزداد خطورته إذا قام الجاني بإخضاع المجني عليه بالإكراه واستغلال الضحية للقيام بعمل غير مشروع قد يمس الشرف والعرض.

يتطلب الأمر التعامل مع هذه التحديات بجدية، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأنظمة والبيانات الحساسة، إذ يجب أن يكون لدينا الوعي الكافي والمعرفة الفنية  والقانونية للتصدي للتهديدات السيبرانية، وتعزيز الأمن الرقمي، وبالرغم من أن العمليات الجنائية الإلكترونية لا تزال تزداد في العالم بأسره، إلا أنه من الممكن تقليل تلك المخاطر التي من بينها الابتزاز من خلال اتباع ممارسات أمنية مناسبة بالتعاون بين المؤسسات الأمنية والشركاء المختصين في مجال الأمن السيبراني، وتعزيز الوعي والتدريب وتطوير استراتيجيات توفير حماية أفضل.

*جهود قضائية للتصدي للمخاطر الإلكترونية

لعل ما يجعل جرائم الابتزاز الإلكتروني من أخطر الجرائم في وقتنا الحاضر، هو عدم وجود قانون خاص يجرمها، وعدم وجود أجهزة رقابة حديثة لدى الدولة، مما يجعل الأجهزة الأمنية في حالة تخبط؛ لعدم وجود الآلية المحددة في كيفية محاربة هذه الجرائم الخطيرة، وذلك ما يشكل لدى قاضي التحقيق الجنائي قلة الحيلة في النيابة العامة التي ليس أمامها في رفع الدعوى الجزائية سوى الاستعانة بما هو موجود من نصوص قانونية ضيقة ومحددة بأحكام القانون اليمني والمتمثلة، في قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م  بالمواد (257، 256، 245، 313) وبعض المواد بالقانون رقم (40) لسنة 2006م بشأن أنظمة الدفع والعمليات المالية والمصرفية الإلكترونية.

ولهذا فإن المحامي العام الأول للجمهورية، القاضي فوزي علي سيف، يؤكد بأن النيابة العامة تبذل جهودًا كبيرةً في هذا المجال، حيث صدر قرار معالي النائب العام للجمهورية بإنشاء شعبة الجرائم المعلوماتية (الابتزاز الإلكتروني)، وتحديد اختصاصاتها، وتم تعيين أحد القضاة عضوًا في هذه الشعبة، فضلًا عن عدد من الموظفين المختصين في الحاسوب، وعقد عدة دورات تدريبية شملت بعض أعضاء النيابة على مختلف درجاتهم من الذكور والإناث، وكذا للموظفين الإداريين وبالاشتراك مع مؤسسة باس وتكتل نون النسوي، وتم تجهيز هذه الشعبة بعدد من أجهزة الحاسوب، فضلًا عن التجهيزات اللازمة للقيام بهذه الشعبة بمهامها، والنيابة العامة تسعى إلى توسيع نشاطها في هذا المضمار في عدد من المحافظات نظرا لما تشكله الجرائم الإلكترونية من خطورة على المجتمع، لاسيما فئتي النساء والأطفال، التي ترتكب من قبل كثير من ضعاف النفوس الذين يتخذون من الابتزاز وسيلة للإيقاع بضحاياهم.

*أهمية وجود تشريع عقابي ومؤسسات أمنية لمحاربة ظاهرة الابتزاز الإلكتروني

إن واقعنا الحالي يؤكد على ضرورة وجود قانونين لمكافحة الجرائم الإلكترونية حيث يجب أن يعاقب المتهمين بالحبس والغرامات والسجن لمختلف تلك الجرائم من السب والشتم والاحتيال والقذف والتزوير، والجرائم الماسّة بأمن البلد والمخدرات والعصيان وغيرها الكثير.

في هذا السياق، أشار رئيس محكمة صيرة الابتدائية، القاضي نزار السمان إلى أهمية وجود تشريع عقابي ينظم الجرائم وصورها، ويضع العقوبات الرادعة على مرتكبيها، ووجود مؤسسات أمنية تتعقب تلك الجرائم، وتكشف عن هوية مرتكبيها للحد منها، ووضع الركن الشرعي لهذه الجريمة، والتدريب المستمر لأفراد المجتمع كافة، وأن يكونوا على دراية بأحدث تهديدات الأمن السبراني؛ لأنه في بعض الحالات تظن الضحية أن فعل الذي اقترفه الجاني لا يستحق عقابًا قانونيًا، وأن القانون سيتقاضى عنه، ولن يقوم بإنصاف قضيتها، وذلك ما يجر بالضحية نحو الانصياع أكثر لأوامر الجاني، إلا أن المجرم الإلكتروني يحاسب اليوم بوصفه مجرمًا في كل بلدان ودول العالم، ولا يُعدُّ شخصًا سويًا بل تفتح ملفات صحة نفسية فور اعتقاله أو تقديم شكوى قانونية رسمية تدين محاولة ابتزاز  شخص ما  بهدف الحصول على ‏منفعة غير إنسانية من الشخص وفقًا للقانون الدولي.

*نحو التدريب والتأهيل للكادر القضائي

‏تسعى الهيئات القضائية بالشراكة مع الجهات ذات العلاقة، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية لتدريب القضاة والمختصين وتأهيلهم في آليات مكافحة هذه الظاهرة، والاطلاع على تجارب الدول المجاورة والمتقدمة في هذا المجال، ومن هذا المنطلق فقد كان آخر تلك الورش العملية ما تم إقامته الشهر الماضي حيث شارك 25 قاضيًا وعضو نيابة ومختصًا من وزارة العدل في ورشة خاصة تهدف إلى تعزيز مهارات العاملين في مجال القضاء بمفهوم الابتزاز الإلكتروني، والتعرف على العقوبات في العديد من القوانين الهادفة لمعالجة القصور التشريعي، وتقديم التوصيات لتطوير القانون اليمني، وتوفير السبل المناسبة التي تكفل حل المشاكل المتعلقة بتلك الجوانب، والحد من وقوع الجرائم المتعلقة بها واقعيًا، وإيجاد التنظيم العادل في حالة ارتكابها.

هذا وقد أكد مدير دائرة التدريب والتأهيل مكتب النائب العام، القاضي شائف الشيباني في تصريح له: “يهدف مثل عقد هذه الدورات التدريبية إلى رفع مستوى وتعزيز المهارات لدى القضاة وأعضاء النيابة وتعرفيهم بالأمن السيبراني وأمن المعلومات، ومفهوم جريمة الابتزاز الإلكتروني بصوره المختلفة، والنصوص القانونية التي تجرمها ‏والتعريف بالأدلة الإلكترونية وكيفية الحصول عليها والتعامل معها، ‏وإبراز دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في مناصرة مثل هذه القضايا، ‏وتحديد المركز القانوني للمجني عليهم بوصفهم ضحايا مكرهين للخضوع لطلبات المبتزين لاسيما وأغلب الفئات المجتمعية عرضة للابتزاز هم الفئات الضعيفة من النساء والأطفال والفتيات القاصرات، وهؤلاء يحتاجون إلى سرية الإجراءات أثناء ملاحقة المتهمين للقبض عليهم، وكشف ما تعرضوا له من استغلال غير مشروع، وتشجيع الضحايا بالمبادرة في إبلاغ الجهة المختصة عن المجرمين، ورفع وصمة العار عنهم التي تكفي لهم الوصول إلى العدالة.

*تعزيز المعرفة ونشر الوعي والثقافة القانونية

هناك كثير من الطرق والوسائل للحد من الابتزاز الإلكتروني، وفي هذا السياق أوضح القائم بأعمال الإدارة العامة للدراسات والبحوث الدكتور خالد شجاع أن إقامة دورات تعزز المعرفة القانونية لدى المختصين بالسلطة القضائية بشأن جرائم الابتزاز الإلكتروني مهم للغاية، ويحتاج إلى تكثيف الجهود والحملات التوعوية الاجتماعية والقانونية للتعرف على مخاطر هذه الظاهرة والسبل الكفيلة للتصدي لها، والتي قد تتمثل بالآتي:

الوقاية التوعوية من خلال رفع مستوى الوعي المجتمعي.
ـ التعامل الإلكتروني الآمن والذكي للفرد والمؤسسات.
ـ عدم مشاركة الخصوصيات.

وقال الدكتور بن شجاع: “إن عدم وجود قوانين خاصة تنظم الجرائم المعلوماتية أو الجرائم الإلكترونية أو التجارة الإلكترونية تصعب مسألة مواجهة تلك المخاطر، إلا أن وجود بعض النصوص القانونية المتناثرة في بعض التشريعات يمكن من خلالها مكافحة تلك الجرائم بالقدر اللازم، ومن الضروري العمل على خلق بيئة تشريعية تواكب التكنولوجيا والوسائل الحديثة؛ لأن الجريمة تتشكل بسرعة فائقة، ونحتاج إلى تغيرات متسارعة من خلال تنظيم المعاملات الإلكترونية والإجراءات والجرائم والعقوبات المتعلقة بذلك”.

واختتم تصريحه بالتأكيد على أهمية التنسيق والتعاون مع الجهات ذات العلاقة من أجل إنشاء مركز وطني مختص بالأدلة الإلكترونية والرقمية تحت إشراف جهات تتمتع بالاستقلالية والحيادية واهمية تدريب الكادر المتخصص وتأهيله للقيام بواجبه، ويكون المركز عاملًا مساعدًا وداعمًا للقضاء في تحقيق العدالة.

*طرق وأساليب الحماية من الاختراقات والهجمات الإلكترونية

إن من أبرز الممارسات الخاطئة التي ترتكب في هذا الجانب الثقة لدى الضحية أو سرقة الحساب بإرسال بعض الروابط الاحتيالية على وسائل التواصل الإلكتروني المختلفة، وإرسال التحديثات لبعض البرامج مثل الواتس آب أو الفيس بوك أو الإيمو.. إلخ، أو عروض جوائز عبر فتح روابط معينة أو إرسال صور بمجرد الدخول عليها يأخذ بياناتك أو يقوم بالتقاط عدة صور لضحية دون علمها.

‏وتعليقًا على ذلك، صرح رئيس المحكمة التجارية الابتدائية القاضي شوقي جرهوم قائلًا: تُعدُّ أساليب الحماية من الاختراقات الإلكترونية التي ينبغي أن تحصل بها أمرًا بالغًا في الأهمية في عالم التكنولوجيا الحديث، نتيجة لما قد يتعرض له مستخدموها من هجمات  ترقى إلى درجة الجريمة التي قد تكون نتائجها كارثية، فقد ماتت الحاجة الملحة إلى زيادة الوعي لدى الناس وتعليمهم أساليب الحماية ضد الممارسات والاعتداءات التي قد يتعرضون لها إلا بتوعيتهم حول مفهوم الأمن السيبراني المتعلق بأمن المعلومات؛ لذلك ينبغي اتخاذ جملة من التدابير المناسبة للحماية من أي اختراق إلكتروني قد نتعرض له وإيجاد حلول وقائية.

وأكد القاضي جرهوم ‏على ضرورة بذل كثير من الجهود في إطار مكافحة هذه الظاهرة، وذلك من خلال الاعتماد على الأجهزة والبرامج الحديثة، وضرورة تحديثها بانتظام، فضلًا عن استخدام إجراءات حماية أكثر أمانًا كاستخدام ‏كلمات مرور يصعب اختراقها والوصول إليها بسهولة، وتثبيت برامج حماية المكافحة من الفيروسات؛ لضمان تحسين سلامة البيانات وحمايتها…، وكل ذلك يحتاج للعناية وتكثيف البرامج التدريبية والتأهيل بشكل دوري ومستمر للحد من التهديدات الإلكترونية التي باتت حديث الساعة.

في الختام، نستخلص فيما تقدم ضرورة وجود مشروع قانوني حديث متكامل بشأن الجرائم الإلكترونية بشكل عام والابتزاز على وجه الخصوص، وذلك للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة بشكل أكثر فعالية، ويمكن أن نشير إلى أهم التوصيات:
ـ يجب العمل على مشروع قانوني يتمثل في “قانون الجرائم الإلكترونية” أسوة بما هو مقرر في التشريعات العربية والأجنبية المعاصرة، للحفاظ على حقوق الأفراد وحرياتهم في مواجهة هذه التهديدات.
ـ تخصيص جهاز أمني خاص لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
ـ تكثيف الدورات القانونية والمعرفية لقضاة التحقيق بالنيابة العامة وقضاة الحكم بشأن كيفية التعامل مع مثل هذه الجرائم المتطورة والحديثة.
ـ نشر الوعي المجتمعي بين المواطنين بشأن خطورة هذه الجرائم لاسيما بين الشباب.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد