النيابات الاستئنافية تسجل قفزة نوعية في الأداء خلال النصف الأول من 2026.. نسب إنجاز مرتفعة تعكس فاعلية المنظومة القضائية


تقرير – القضائية

أظهرت الإحصائيات النصف سنوية الصادرة عن إدارة الإحصاء بمكتب النائب العام أن النيابات الاستئنافية في المحافظات المحررة حقّقت خلال النصف الأول من العام 2026م نتائج لافتة في مستوى الإنجاز والتصرّف في القضايا، في مؤشر يعكس تطورًا ملحوظًا في الأداء القضائي والإداري، وقدرة هذه النيابات على التعامل مع حجم القضايا الواردة إليها بكفاءة عالية، رغم الظروف الاستثنائية والتحديات التي تواجه قطاع العدالة.

ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغ إجمالي القضايا الواردة إلى النيابات الاستئنافية بمختلف أنواعها (3517) قضية، تمكنت النيابات من التصرّف في (3334) قضية منها، بنسبة إنجاز عامة بلغت (94.8%)، فيما بلغ عدد القضايا غير المتصرّف فيها (183) قضية فقط.

وتُعَدُّ هذه النسبة من أعلى نسب الإنجاز المسجلة خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يعكس وجود حالة من الانضباط المؤسسي والحرص على تسريع إجراءات التقاضي وعدم تراكم القضايا.

وتؤكد هذه المؤشرات أن النيابات الاستئنافية باتت تمثل إحدى أكثر الجهات القضائية قدرة على مواكبة حجم العمل القضائي، من خلال تطوير آليات المتابعة والإشراف والتقييم، والعمل المستمر على معالجة القضايا أولًا بأول.

*النيابات المتخصّصة تسجل أرقامًا متقدمة

كما أظهرت الإحصائيات تفوقًا ملحوظًا في أداء عدد من النيابات المتخصّصة، إذ حقّقت النيابات الجزائية الاستئنافية المتخصّصة نسبة إنجاز بلغت (98.4%)، فيما سجلت النيابات العسكرية الاستئنافية نسبة بلغت (97.5%)، وبلغت نسبة الإنجاز في نيابات الأموال العامة الاستئنافية (91.3%). وتكشف هذه الأرقام عن نجاح السياسات الإدارية والقضائية المتبعة في التعامل مع القضايا النوعية والمتخصّصة، التي غالبًا ما تتّسم بالتعقيد والحساسية.

ويرى مختصُّون أن هذه النتائج تعكس تطورًا تدريجيًا في كفاءة العمل القضائي، خصوصًا في ظل التوسع في استخدام المؤشرات الإحصائية لمتابعة الأداء، وتحديد مكامن القصور ومعالجتها.

*سيئون والضالع والمكلا في صدارة المشهد

وعلى مستوى المحافظات، تصدرت نيابة استئناف سيئون قائمة النيابات الأكثر إنجازًا بعد تحقيقها نسبة إنجاز كاملة بلغت (100%)، حيث تمكنت من التصرّف في جميع القضايا الواردة إليها خلال المدّة محل التقرير.

وفي هذا السياق، أكّد رئيس نيابة استئناف سيئون، القاضي فؤاد لرضي، أن هذا الإنجاز جاء نتيجة عمل جماعي متكامل، وتبني آليات متابعة يومية للقضايا، فضلًا عن الحرص على سرعة إنجاز المعاملات، وعدم السماح بتراكم الملفات.

وقال القاضي فؤاد لرضي لـ”القضائية”:”إن تحقيق نسبة إنجاز كاملة لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء ثمرة جهود متواصلة بذلها أعضاء النيابة والموظفون، ونتيجة لوجود رؤية واضحة تقوم على سرعة التصرّف في القضايا، وتحقيق العدالة للمواطنين في أقصر وقت ممكن”.

كما جاءت نيابة استئناف محافظة الضالع في المرتبة الثانية بنسبة إنجاز بلغت (99.2%)، تلتها نيابة استئناف المكلا بنسبة (98.6%)، ثم نيابة استئناف تعز بنسبة (98.3%)، وهي نسب تعكس مستوى متقدمًا من الأداء المؤسسي.

من جانبه، أوضح رئيس نيابة استئناف محافظة الضالع، القاضي محمد مشرح، أن هذه النتائج جاءت نتيجة المتابعة المستمرة للقضايا، وحرص أعضاء النيابة على إنجاز الأعمال أولًا بأول.

وأضاف القاضي مشرح:”إن ارتفاع نسبة الإنجاز يمثل مسؤولية كبيرة، ويؤكد أن العمل المؤسسي والتنسيق بين أعضاء النيابة والموظفين قادر على تحقيق نتائج إيجابية حتى في ظل محدودية الإمكانات”.

*الأرقام تتحدث عن نفسها

ويشير مختصُّون إلى أن الوصول إلى نسبة إنجاز تقترب من 95% على مستوى النيابات الاستئنافية يُعَدُّ مؤشرًا بالغ الأهمية، إذ إن العديد من الأنظمة القضائية تُعَدُّ تجاوز نسبة 80% معيارًا إيجابيًا للأداء.

كما أن انخفاض عدد القضايا المتبقية إلى (183) قضية فقط يعكس نجاح النيابات في الحدّ من تراكم الملفات، وهو ما يسهم في تقليص مدد التقاضي، وتعزيز ثقة المواطنين في العدالة.

ويرى مراقبون أن هذه النتائج تكتسب أهمية أكبر إذا ما أخذ في الاعتبار أن المدّة المشمولة بالتقرير تزامنت مع الإجازة القضائية خلال شهري رمضان وذي الحجة، فضلًا عن استمرار بعض التحديات المتعلقة بالنقص في الكوادر والإمكانات التشغيلية. ورغم ذلك، تمكنت النيابات من الحفاظ على وتيرة أداء مرتفعة، وتحقيق نتائج إيجابية.

*القضاء العسكري.. تجربة ناجحة

وفي هذا الصدد، أكّد محامي عام النيابات العسكرية ومدير القضاء العسكري القاضي مهدي فصيع أن تحقيق النيابات العسكرية الاستئنافية نسبة إنجاز بلغت (97.5%) يعكس مستوى الانضباط والكفاءة التي تتمتع بها أجهزة القضاء العسكري.

وقال القاضي فصيع: “هذه المؤشرات تؤكّد أن النيابات، بمختلف تخصّصاتها، تسير في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق العدالة الناجزة، وأن العمل المؤسسي والمتابعة المستمرة كانا العامل الأبرز في الوصول إلى هذه النتائج، بالرغم من نقص الكادر القضائي حيث الموجود رئيس نيابة ووكيل نيابة ولايوجد أعضاء، على أمل رفد النيابة بالأعضاء من خريجي المعهد، وكذا في الدورة القضائية القادمة”.

وأضاف أن تعزيز التنسيق بين الجهات القضائية المختلفة وتطوير القدرات البشرية؛ سيسهمان في رفع نسب الإنجاز بصورة أكبر خلال الفترات المقبلة.

*الدور الخفي لـ أقسام الإحصاء

وراء هذه الأرقام تقف جهود كبيرة تبذلها أقسام الإحصاء ورؤساء الأقلام في مختلف النيابات، الذين يتولون عمليات الرصد والتوثيق وإعداد المؤشرات الدورية، التي تساعد القيادات القضائية على تقييم الأداء، واتّخاذ القرارات المناسبة.

وفي هذا الإطار، أوضحت يسرى السقاف، رئيس القلم الجنائي في نيابة استئناف شمال عدن، أن الوصول إلى إحصائيات دقيقة ومتكاملة لا يُعَدُّ أمرًا سهلًا، بل هو نتيجة جهود يومية متواصلة يبذلها موظفو أقلام النيابات، الذين يمثلون “الجنود المجهولون” خلف هذه المؤشرات.

وأضافت: “أن الحصول على إحصائيات متكاملة وعالية الدقة ليس أمرًا هيّنًا، بل هو ثمرة جهد يومي شاق يقوم به موظفو القلم الجنائي، من خلال متابعة حركة الملفات خطوة بخطوة، والحرص على قيد السجلات وتسديدها أولًا بأول فور صدور أي قرار أو إجراء قضائي.. هذا الانضباط في التسديد اليومي يمنع ضياع البيانات أو تداخلها، ويضمن عدم بقاء أي قضية خارج دائرة التوثيق الرسمي”.

وتابعت السقاف: “الأرقام التي تراها القيادة القضائية في الجداول والإحصائيات ليست مجرد أرقام صامتة، بل هي انعكاس حقيقي لجهود كبيرة تُبذَل في مطابقة السجلات بالملفات الواقعية، بما يجعل المؤشرات الإحصائية مرآة صادقة لواقع العمل القضائي، ويساعد في كشف مواطن التعثر والاختلال، ويدعم اتخاذ القرارات اللازمة لتعزيز مسار العدالة الناجزة”.

وأكّدت أن تطوير العمل الإحصائي وتعزيز قدرات العاملين في الأقلام الجنائية؛ يمثلان أحد المرتكزات الأساسية لتحسين الأداء القضائي، ورفع كفاءة منظومة النيابة العامة.

فيما أكّد حمدي بامثقال، رئيس قسم الإحصاء بنيابة استئناف المكلا، أن المؤشرات الإحصائية الحالية تعكس تطورًا كبيرًا في آليات المتابعة والتوثيق في العمل القضائي، ومدى الإنجاز المحقّق، مشيرًا إلى أن الجهود المبذولة والاهتمام الدائم والمتابعة، كلُّ ذلك يؤدي إلى تحسين أداء العمل، ويعزز روح الفريق بالشكل المطلوب الهادف؛ لتحقيق العدالة، وسيادة القانون.

وأضاف بامثقال: “الأرقام المسجلة خلال النصف الأول من العام الجاري تبعث على التفاؤل، وتؤكّد أن النيابات الاستئنافية تمتلك القدرة على تحقيق معدلات إنجاز أكبر خلال الفترات المقبلة إذا ما توفرت الإمكانات اللازمة”.


*رسائل ودلالات

ويجمع مختصُّون في الشأن القضائي على أن النتائج المتحقّقة خلال النصف الأول من العام 2026 تحمل العديد من الرسائل المهمة، أبرزها أن النيابات الاستئنافية تمكنت من ترسيخ ثقافة الإنجاز المؤسسي، وأن المتابعة المستمرة والتقييم الدوري أصبحا جزءًا من منهجية العمل القضائي.

كما تؤكّد هذه النتائج أن الاستثمار في بناء القدرات البشرية، وتطوير نظم الإحصاء والمتابعة، وتعزيز التنسيق بين مكونات السلطة القضائية، من شأنه أن ينعكس بصورة مباشرة على سرعة الفصل في القضايا، وتحقيق العدالة.

وفي ظل هذه المؤشرات الإيجابية، تبدو النيابات الاستئنافية أمام مرحلة جديدة تتطلب البناء على النجاحات المحقّقة، والعمل على استدامة هذا الأداء المرتفع، بما يسهم في تعزيز ثقة المجتمع بمؤسسات العدالة، وترسيخ مبادئ سيادة القانون، وصولًا إلى تحقيق العدالة الناجزة، التي تمثل الهدف الأسمى للسلطة القضائية.


اكتشاف المزيد من الصحيفة القضائية |

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

لا تعليق

اترك رد